السودان الان

التاسع والعشرون من  رمضان  ليس ورقة تسقط من الروزنامة بل ذكرى تراجيديا البطولة والألم المرسومة في الوجدان بالدماء.. إليكم حكاية (نضال) التي نجت من الموت ومن الاغتصاب لكنها لم تنج من آثار الليلة ديك

مصدر الخبر / صحيفة اليوم التالي

الخرطوم – الزين عثمان
(سيتم فض الاعتصام) كانت الرسالة يتم تناقلها بين الجميع في آخر أيام رمضان قبل الفائت. وقتها كان الجمع هناك في ميدان القيادة يحرس حلمه كما اعتاد لأكثر من شهرين..
كان حراس المتاريس يتفحصونها بعيونهم التي جافاها النوم في انتظار أن تلقي ثورتهم ثمرها تنظر هناك باتجاه المباني العالية حيث جنود الجيش وأصواتهم تردد: (الجيش معانا وما همانا) كانوا يستدعون تفاصيل سابقة حين وقف حامد يذود عنهم وردد محمد عبارته: (الرهيفة التنقد) لكن الرهيفة انقدت وخرج عليهم الناطق بلسان المجلس العسكري الفريق شمس الدين الكباشي يخبر الجميع بعد الفاجعة قائلا إنه(حدث ما حدث).. وكان الحدث الأبشع في التاريخ السوداني.
1
(الثالث من يونيو ليس مجرد ورقة تسقط من الروزنامة، إنه ذكرى بطولية وتراجيدية تظل مرسومة بمداد الدم في الوجدان الوطني لا يمحوها مرور الايام ولا يغطيها ستار النسيان) يقول رئيس حزب المؤتمر السوداني عمر الدقير.
وفي هذا التقرير تحاول (اليوم التالي) رفع بعض الحجب عن ما حدث في (الليلة ديك) تستنطق عبر الدموع والعجز من كانوا هناك يومها ممن جلسن يرتبن التفاصيل للعيد السوداني الأول في غياب القتلة ولكنه كان غياب نوع فقط وظلت الدرجة في عدم تقدير أرواح الناس هي نفسها غاب البشير ٠ولكن لم تغب ادوات قتله التي تركها وعادت لتفعل في قلب الخرطوم ذات ما كانت تفعله في أقاصي البلاد البعيدة ولتؤكد على فرضية أنها بلاد كلما ابتسمت حط على شفتيها العذاب.
2
تحكي (نضال أحمد) الناشطة في منظمات المجتمع المدني بعضاً من تفاصيل اليوم المؤلم باعتبارها شاهدا عاش الموت ولكن خرج حياً، وتؤكد على فرضية (كل الذين ماتوا نجوا من الحياة بأعجوبة) تقول إنها كانت يومها في شارع النيل تحت كوبري الحديد وإنهم تركوا رغبتهم في مغادرة الاعتصام بعد وصول خبر إمكانية فضه.. تكمل إن الأمر بدأ عقب صلاة الصبح وهي اللحظة التي بدا فيها دخول (الجنجويد) وفقاً لتعبيرها وقالت إنهم عادوا أدراجهم باتجاه أشعة ويخالطهم يقين أنهم سيعودون مع مواصلة الهتافات بضرورة التماسك ومعها يقين أن الجيش سيتصدى لهم كما فعل في أوقات سابقة، كما أنه وبحسب نضال فإن العودة إلى أشعة كانت من أجل الحصول على أدوات إعلامية استخدموها في توثيق فترة الاعتصام وبعد دخولهم إلى المكتب الإعلامي الذي استمر وجودهم فيه حتى السابعة صباحاً.
3
تواصل نضال أنهم كانوا خمسة افراد داخل المكتب اضطروا لحبس أنفاسهم حتى لا يشعر من يمارسون الموت والتقتيل والخراب في المقر سماع أصواتهم وأنهم في جلستهم تلك كانوا يسمعون أصوات اقتحام المكاتب والصراخ الذي سرعان ما يخفت لصالح صوت البنادق وقالت إن الجنود من فوقهم كانوا يطلقون الرصاص من أعلى الغرفة التي التي يوجدون فيها لمزيد من إثارة الخوف والهلع، لكن بعدها تم النقاش فيما بينهم على ضرورة مغادرة المكان لأنه في حال تمت مداهمتهم هنا فستتم تصفيتهم.. وبعد الخروج ثمة حكايات أخرى تسردها نضال بعد خروجهم من المكتب إلى الساحات الممتلئة بالدماء.
4
تقول نضال إن الاتفاق بينهم كان ضرورة ألا يعلم من هم بالخارج أن ثمة علاقة تجمع بينهم. الجدير بالذكر أن الناشط (عز الدين حريكة) كان من ضمن المجموعة وهو زوج نضال تقول: في ذلك الصباح عايشت حقيقة ما كان يعانيه أهل إقليم دارفور مع قوات الجّنجّويد.. وقالت إنهم بعد خروجهم وإنكار معرفتهم ببعض بعد خروجهم إلى حوش كلية الأشعة كان المهاجمون يهتفون غنائم وإنهم كانوا يتصارعون حول ضرورة اغتصابها هي ورفيقتها بينما وقف أحد صغار الجنود ضد أن يتم اغتصابهن في وقت كان فيه آخرون يقومون بخلع ثيابهم لممارسة العملية وتضيف: “إنت فاهم كان بتصارعوا على اغتصابنا” تضيف أن زوجها وقتها كان يتعرض للضرب من خلفهن وهي العاجزة عن النظر إليه حتى لا ينكشف أمرهم. تقول إن الرافض لاغتصابهن تعرض لضرب عنيف لكنه نجح في نهاية الأمر في الخروج بهن إلى الخارج وباتجاه مبنى القوات البرية.
5
لا تنتهي الحكاية هنا وإنما تستمر أكثر حيث تقول نضال إن قائد القوات البرية رفض استلامهن بحجة أنه لا يوجد مكان يمكن وضعهن فيه وأضافت أن رفيقتها قالت للقائد: “خلاص رصصونا بدل ترجعونا للجنجويد” بينما عرض أحد ضباط الدعم السريع أن يتم إجلاؤهن بواسطة عربة تتبع لقواتهم إلى الخارج إلا أنهن رفضن ذلك بحجة أنه لا مكان لهن في العربات التي صعدت بجنودها علي دماء وأرواح رفاقهن وقالت: (عربية الجنجويد شنو البنركبا؟) وهو ما أدى لنشوب معركة جديدة وقتها نهض أحد عساكر القوات المسلحة وقال إنه سيقوم بإخراجهن لكن القائد رفض ذلك فلم يكن منه غير ترديد (مخالف سعادتك) “لم يكن هذا الجندي يحمل أي سلاح بل إننا كنا نحتمي فقط بصرة وجهه وبغضبه المكتوم من كل الذي يحدث تعرضنا لكل أنواع الضرب والاستفزازات وكان المدججون بالسلاح يقولون في وجوهنا كنتم تهتفون “كل البلد دارفور أها جبنا ليكم دارفور هنا”.
6
تقول أيضاً إن مشوارهم في الخروج سرعان ما شمل آخرين كان عليهم انتظارهم ممن تم إطلاق سراحهم وكانوا يتعرضون للضرب بواسطة الخراطيش التي كان يحملها من اصطفوا على جانبي شارع البلدية وكان في كل لحظة يلتحق بهم شخص.. تقول إن ما كان يؤرقها ساعتها هو عدم إطلاق سراح زوجها وقالت إنها ستعود إلى الداخل إلا أن العسكري كان يطالبها بالانتظار وبعدها وصل وقد أصيب في رأسه وقالت إنه كون أحدنا ما زال على قيد الحياة كاف وإن الجروح بتروح إلا التي كانت في الروح.. واصل الخارجون طريقهم في وسط الخرطوم التي كانت مسرحاً كبيرا للعسكر بعضهم يتبع للجنجويد وآخرون قالت إنهم من كتائب الظل وذلك لمعرفتهم التامة بمنعرجات وزقاقات وسط الخرطوم.. طوال هذه المسيرة كان العسكري الذي يقودهم في طريق النجاة محتفظاً بتقطيبة وجهه و(بصرَّته) حتي وصولهم إلى منطقة السكة حديد وسط مطاردات من التاتشرات إلا أن التصاقهم بالجدران كتب لهم عمرا جديدا.. بعد السكة حديد كان هناك ترس قد تم نصبه مما دفع العسكري لإخبارهم بأن هذا يعني أنه يوجد بعض الأمان وأن عليه العودة.. تقول إنها بعد ذلك ظلت مقطوعة عن العالم لأن العسكر نهبوا كل شيء من هواتف وحقائب يدوية ولم يتركوا سوى الملابس.. بالطبع تظل ذاكرة فض الاعتصام بالنسبة لنضال ولزوجها عز الدين حريكة غير قابلة للنسيان، ووجعا يتمدد، وإن كان حالهم أفضل من حال كثيرين فقدوا أرواحهم ومجموعة ظلت مفقودة حتى الآن.
7
يقول حسن عابدين المنتمي لحزب البعث العربي الاشتراكي وأحد شهود العيان لفض الاعتصام وعضو لجنة الميدان وهو صاحب قصيدة )الظالمون لن يعودوا من جديد) إن ما حدث يومها كان فوق التصور مثله وصمود الشباب السوداني في الدفاع عن حلمهم في المتاريس وتحديداً حراس المتاريس لكن بالنسبة لحسن فإن الأمر لم يكن وليد لحظة ما بعد صلاة الصبح بل كان يمكن مشاهدته ومعرفة منذ وقت باكر في الميدان حيث كانت تؤكد معظم المشاهد على أن الفض قادم قادم خصوصاً عقب رصدهم لحركة كبيرة لمنسوبي أمن النظام السابق والامن الطلابي في ميدان الاعتصام لدرجة أنهم نجحوا في الاستيلاء علي معظم المتاريس قبل وقت كاف من ساعة الصفر وهو الأمر الذي جعل الطريق أمامهم مفتوحاً لتحقيق ما يريدونه. يقول حسن إن عملية فض الاعتصام برمتها لم تستغرق اكثر من أربعين دقيقة تمت فيها مساواة كل شيء بالأرض استبسل فيها الشباب من أجل الدفاع عن حلمهم وتعرضوا لكل أشكال التجاوزات لكنهم واجهوا الموت ببسالة تشبه ثورتهم التي لم تنته بعملية فض الاعتصام. يؤكد حسن الذي كان عضو في لجنة الميدان على حقيقة أن الجيش الموجود في القيادة لم يكن مسلحاً وأنه كان بسيطاً مقارنة بأوقات سابقة ويضيف أن بعض الجنود قتلوا ساعة خروجهم لاستطلاع الأوضاع بعد بدء العمليات وأن بعضهم تبادل إطلاق الرصاص لكن الأمر لم يستمر طويلاً.. كاشفاً عن وصول عدد من عربات جهاز الأمن قبل فض الاعتصام ووصول عدد من السيارات الكبيرة المحملة بجنود الشرطة وارتكازها داخل دار الشرطة لكن الأمر لم يستغرق وقتاً طويلا وسرعان ما تم سحبها قبل بدء عمليات الفض بربع ساعة وارتكزت بعدها بالقرب من مركز التدريب الشرطي في السوق الشعبي بالخرطوم. ويكشف حسن أنه بعد بدء العملية اتصل بقيادات في قوى الحرية والتغيير كانت وقتها في اجتماع بالخرطوم 2 من أجل وضع الترتيبات النهائية للاتفاق مع المجلس العسكري وأبدت دهشتها وانكارها لعملية الفض.
8
كانت تلك بعض إفادات من شهدوا المجزرة بتفاصيلها بينما بقيت حكايات أخرى طي الكتمان بعضها ماتت مع أصحابها الذين تلقفهم النهر وكانت ثقيلة على قلوبهم اكثر من الحجارة التي ربطت على أجسادهم وفقاً لشهادات ناجين منها.. الحكايات التي ستظل تطارد أصحابها طوال العمر وهم يرددون النشيد (زول يدي روحي قدرة ونفسي الإرادة زول يشيل من روحي ذاكرتهم وصور القيادة) يومها ظن من فعلوا ذلك أنهم قادرون على قتل روح الثورة بفض الاعتصام الذي تحول إلى كل شارع من شوارع البلاد التي ظلت تردد أنه لا أحد بإمكانه أن يهزم إرادة شعب مدفوعة بدماء كشة وقصي ومئات المجهولين المعروفين من الفداء بالضرورة.

المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

صحيفة اليوم التالي