السودان الان السودان عاجل

جريدة لندنية : مريم الصادق المهدي بنت أبيها الشغوفة بالطب والعسكرية والسياسة … تعيد صياغة توجّهات السودان

المشهد السوداني
مصدر الخبر / المشهد السوداني

معالم المشهد السوداني الجديد تتجلى اليوم أكثر عقب تولي المهدي لمهامها، فقد بدأت بصماتها تظهر واضحة في ضبط الدفة.

العرب اللندنية – عانى السودان كثيرا من وراء تضارب سياسته الخارجية، وأرخت التناقضات السابقة بظلالها على علاقاته الإقليمية والدولية. والآن تكشف البلاد عن توجه حثيث لإعادة صياغة المنظومة الخارجية بما يقلل عدد الخصوم ويضاعف الحلفاء.

بدأت تجليات هذا المشهد تتزايد عقب تولي مريم الصادق المهدي حقيبة الخارجية منذ فبراير الماضي، وتظهر بصمات واضحة لها في ضبط الدفة وتحديد الأولويات لأنها قررت تغليب مصالح السودان على قناعاتها الشخصية.

يتجاوز وجود السيدة مريم على رأس وزارة الخارجية فكرة أنها سليلة آل المهدي، أو أنها بنت زعيم حزب الأمة القومي الراحل الصادق المهدي، وجزء من محاصصة سياسية دخلت في تشكيل الحكومة الأخيرة، فقد درست الطب وخاضت غمار التدريب العسكري في واقعة من النادر حدوثها في الدول العربية، ولديها من الخبرات والتراكمات السياسية ما يؤهلها لمنصبها الحالي بعيدا عن الانتماءات العائلية.

في مقدمة الكنداكات

وزيرة الخارجية السودانية تكاد تكون عنوانا لافتا بمفردها في بيت المهدي، فقد ارتبطت أذهان شريحة كبيرة من السودانيين بها، وبدت أكثر قربا لهم، وأشد شراسة في المعارضة. (الصورة من السوشيال ميديا)

بافتراض أن المواءمات لعبت دورا مّا في اختيارها لهذا المنصب فهي لن تتركه كما دخلته أول مرة متذبذبا أو فضفاضا، وعليها التعامل بحنكة مع ميراث ثقيل خلفه نظام الرئيس السابق عمر البشير، وعلاج ارتباكات حدثت بسبب تغيير وزيرين خلال عام ونصف العام بعد اندلاع ثورة ديسمير عام 2018، وصعد خلالها نجم المهدي عندما كانت في مقدمة المتظاهرين و”كنداكات” السودان، وحسبت أن أبواب السياسة بدأت تنفتح أمامها على مصراعيها وتنتقل بعد ذلك من الممارسة الحزبية الضيقة إلى الممارسة الرسمية الواسعة وبكل ضوابطها العامة.

مرت الفترة الأولى بعد الثورة ثقيلة عليها، فبعد أقل من شهرين على اندلاع الثورة ضد نظام البشير أعلن حزب الأمة أن السلطات الأمنية في عهد المجلس العسكري اعتقلتها من منزلها في الخرطوم على خلفية احتجاجات شهدها السودان، وأطلق سراحها بعد ساعات لأن استمرارها وقتا طويلا كان يمكن أن يكلف المجلس الحاكم وقتها ثمنا سياسيا باهظا، عندما انتشرت تكهنات أنه يعمل لصالح عودة نظام البشير.

أثارت المهدي في الـ17 من أغسطس 2019 حالة من الجدل بين صفوف النشطاء السياسيين والقوى الثورية عند توقيع الاتفاق السياسي النهائي بين قوى الحرية والتغيير والمجلس العسكري، وتزايدت شكوكها في النتيجة التي يمكن أن يتمخض عنها الاتفاق الدستوري حيال عدم الوصول إلى دولة مدنية جديدة، ومكّنتها مروحتها السياسية المرنة من استيعاب الكثير من الصدمات والتعامل مع الواقع دون تجميل.

يقول سودانيون إنها خليفة والدها في ملعب السياسة الواسع، أو بالمعنى العام “بنت أبيها“ التي حملت جيناتها الوطنية الكثير من الخصال التي عرف بها الرجل، بينها الدراية بتوقيتات الإقدام والإحجام، حيث ازدادت مداركها في التأييد والمعارضة بعد أن دخلت دروب السياسة ودهاليزها من أبوابها المتشابكة.

عندما رحل الأب في نوفمبر الماضي اتجهت الأنظار إليها باعتبارها خليفة محتملة له على رأس “الأمة” بحكم البنوة والإعداد السياسي والتراتبية في العمل الحزبي، فقد احتلت منصب نائب رئيس حزب الأمة القومي، وظهرت رغبة لدى قيادات حزبية في ضخ دماء جديدة خوفا من معاناة الحزب من تكلّس بعد غياب زعيمه، وبدت من الوجوه القليلة القادرة على جمع أشلاء حزب يمكن أن تتزايد انقساماته، وهنا التفتت الأنظار نحو آل المهدي، وفي المقدمة مريم المحنكة.

انتبه كثيرون إلى الطريقة التي تجاوزت بها قيادات الحزب وكوادره صدمة رحيل زعيمه التاريخي، فلم تسند مهام الإدارة إلى أيّ شخص من العائلة، مناورة أو تغييرا، لا فرق، فقد اختير رئيس مؤقت له هو فضل الله برمة إلى حين إجراء انتخابات داخلية واختيار الرئيس الجديد بصورة ديمقراطية تتناسب مع القواعد التي أرساها أبوها.

تشربت مريم من والدها الكثير من أصول العمل السياسي وتعرجاته، وكانت من أكثر الأبناء التصاقا به في الداخل من خلال هياكل الحزب، وفي الخارج عندما كانت تلازمه في كثير من جولاته، واستشعر نباهتها في وقت مبكر وزج بها في غمار السياسة بخلاف أشقائها وشقيقاتها.

تكاد مريم تكون عنوانا لافتا بمفردها في بيت المهدي على الرغم من أن شقيقيها عبدالرحمن وصديق انخرطا في غمار الجيش والسياسة، لكن ارتبطت أذهان شريحة كبيرة من السودانيين بها وبدت أكثر قربا لهم وأشد شراسة في المعارضة وقت نظام البشير، ولم تقبل المشاركة في أيّ عمل رسمي في عهده، واحتفظت لنفسها بمساحة مكّنتها لاحقا من أن تصبح وجها ناصعا من وجوه الثورة.

كانت أكثر حظا من شقيقيها وجمعت بين كونها امرأة محنكة لها باع في العمل التطوعي والأهلي والإنساني، وبين الذكاء والعلم بخبايا السياسة وكثافة تمرّسها في العمل الحزبي المباشر أو التحقت بالمقاومة المسلحة، وربما لكل هذه الأسباب والخبرات مجتمعة تقدمت مريم لتصبح على رأس وزارة الخارجية.

رؤى المنصورة

ولدت عام 1965 تحت اسم مريم المنصورة، وارتبطت ولادتها بثورة أكتوبر عام 1964 حيث شاركت والدتها سارة الفاضل في واحدة من المظاهرات الشعبية التي قادت إلى الثورة على نظام حكم الفريق إبراهيم عبود.

يقولون عنها أيضاً إنها “بنت الناس”، فإذا كانت قد عُرفت بأنها بنت أبيها بسبب الولادة والنشأة والتربية السياسية، فهي أيضا جزء من الشعب بكل معالمه الباطنة والظاهرة، وحملت سماتها الشخصية الكثير من الصفات المشتركة للمواطنين، مثل الطيبة والعطاء والذكاء والثقافة والسياسة، وحتى لون بشرتها هو الأكثر شيوعا في السودان.

عرّفت نفسها ذات مرة بكلمات بسيطة، لكنها حوت معاني عميقة، فهي كما قالت “مواطنة سودانية مسلمة وأنصارية (نسبة إلى جماعة الأنصار الصوفية) وأمّ وأخت. جئت نتيجة هندسة وراثية أشرف عليها الإمام المهدي بنفسه، ودمنا من كل مناطق السودان شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً ووسطاً”. وهي تعتقد أن المواطنة أساس للحقوق والواجبات وهذه من أهمّ مواصفات الدولة المدنية التي تسعى لها، فالمواطنة تقضي بما أنها سودانية وفي إطارها القانوني والدستوري أن تمارس حريتها كلها من غير أن تتعدى على حرية أحد.

الفترة الأولى بعد البشير كانت ثقيلة على المهدي، فبعد أقل من شهرين على اندلاع الثورة أعلن حزب الأمة أن السلطات الأمنية في عهد المجلس العسكري اعتقلتها من منزلها في الخرطوم على خلفية احتجاجات شهدها السودان

ترى من الضروري أن تدخل المرأة العمل الحزبي أكثر من الرجال، لأن السياسة في نظرها “إدارة الحياة، والمرأة في السودان عليها أن تدخل السياسة حتى يستعدل الوضع الاجتماعي ككل”، ونجحت بالفعل في استقطاب كثيرات وإقناعهن بأهمية العمل السياسي، ويتخذ منه بعضهن أيقونة ونموذجا في الانفتاح على الآخر.

بلغ طموحها إلى عنان السماء، لأن “الاستعدال” الذي طالبت به يحتاج إلى وقت طويل، فأحد أزمات السودان المستعصية تكمن في الشق الاجتماعي، والذي جعل البلاد منقسمة على وقع السياسة والحروب والتوترات المستمرة، حتى جاءت ثورة ديسمبر لتضبط الكثير من الأمور المختلة بالداخل والبحث عن صورة ذهنية جديدة أمام العالم الذي رأى السودان يتغير وسياساته الخارجية تتبلور معالمها الوطنية.

وصلت المهدي إلى طريق بعيد عن دراستها العلمية، حيث حصلت على بكالوريوس الطب من الجامعة الأردنية عام 1990، ومارسته لبعض الوقت في السودان، ثم هجرته بلا رجعة إلى مجال السياسة وتعقيداتها وشواغلها المتعددة، والتي لم تمنحها الفرصة لتحقيق أمنياتها في استكمال عملها بالمجال الطبي.

قد يكون الطب والسياسة متنافرين في الظاهر، غير أن السودان حفل بالكثير من النماذج التي جمعت بينهما، أو هجرت الطب إلى السياسة، فلا غرابة في ذلك، لأن من يتابعون شؤون السودان من السهولة أن يستشعروا البوصلة التي ينام عليها شعبه ويستيقظ، فالغالبية تتغذى على المعارك السياسية بحلوها ومرّها، ينتقل ذلك من جيل إلى جيل للدرجة التي بات ذلك الأمر جزءا من الهوية الوطنية بعيدا عن مستوى التعليم ونوعه.

تركت العمل في مجال الطب وتدربت في جيش الأمة للتحرير في أواخر العام 1997 حتى منتصف العام 1998، وتعلمت الرماية وإطلاق القنابل اليدوية، وكانت الأولى على دفعتها في العمل الميداني، حتى نالت رتبة رائد في جيش الأمة الذي كان متمركزا في الأراضي الإريترية المجاورة للسودان، ضمن قوات شكلتها المعارضة للمضي في الطريق المسلح، لكن الترتيبات أخفقت وعادت مريم إلى الحقل السياسي.

أمواج سياسية متلاطمة
تولت المهدي حقيبة الخارجية وسط أجواء سياسية عاصفة بالنسبة إلى السودان، وكانت تنتظرها على مكتبها العديد من الأوراق لتعيد ترسيم التوجهات الخارجية بما يتوافق مع مقتضيات سلطة انتقالية خرجت من رحم الثورة، غير أن تعامل هذه السلطة مع بعض القضايا لم يكن رائقا للمهدي المنحدرة من حزب الأمة القومي والمحسوبة على طيف من المعارضة المنضبطة. ولعل تعاملها مع ثلاثة ملفات قد يكشف جانبا مهما في وجهها الدبلوماسي، وقد تكون محكا يفرض عليها استعادة ميراث آل المهدي في البراغماتية السياسية.

الأول هو الموقف من التطبيع مع إسرائيل، ففي الـ4 من نوفمبر الماضي، وبعد أيام قليلة من إعلان السودان عن تطبيع علاقاته مع إسرائيل، صرحت المهدي بأن ربط رفع اسم الخرطوم من قوائم الإرهاب الأميركية بالتطبيع يشكل خطورة لأنه يؤدي إلى انقسام داخل الجسم السياسي والمجتمع السوداني، وكانت مؤيدة لموقف حزبها في رفض عملية التطبيع وتداعياتها.

بعد أن تولت مهامها في وزارة الخارجية لم تتطور العلاقات مع إسرائيل كثيرا على المستوى السياسي، ليس لأن المهدي لا تريد ذلك، فالمسألة لها علاقة بحسابات الدولة ومجلسي السيادة والوزراء، لكن من المؤكد أن عدم حماسها للتطبيع الذي رفضه والدها والحزب له اعتبار في تصوراتها وتصرفاتها، وهو من الأمور التي سوف تستدعي منها التحلي بالمزيد من الدبلوماسية لعدم الانزلاق في فخ القناعات الحزبية وموقعها على رأس وزارة الخارجية.

الثاني هو العلاقة مع إثيوبيا، حيث تميل المهدي إلى تهدئة التوترات مع دول الجوار، وتزامن دخولها الوزارة مع تصاعد حدة الخلافات مع أديس أبابا، وتعمّد الأخيرة استفزاز الخرطوم في أزمتي الحدود المشتركة وسد النهضة، ما جعل بنت المهدي تخرج عن حلمها الدبلوماسي أحيانا وتوجه انتقادات لاذعة للدولة الإثيوبية.

لم تخرج وزيرة الخارجية السودانية عن الخط الذي رسمته السلطة، ذلك الخط الجامع بين التصعيد والتهدئة، لكن تعاملها مع الأزمتين كشف عن “خشونة ناعمة” في أسلوبها، وربما تكون أسهمت في حفر هذه العبارة في العمل السياسي بالسودان، والذي يختلف عن العمل الحزبي، لذلك فنجاحها في عبور الأزمتين عن طريق الأدوات الدبلوماسية سوف يحسب لها، ويعزز الرهان بأنها سياسية بارعة.

أما الثالث فهو العلاقة مع مصر، فعدد كبير من آل المهدي يرتبط بعلاقة غريبة مع مصر، لا هي وثيقة ولا بعيدة أيضا، فثمة صيغة تجمع بين جنباتها معالم شتى، وبحكم الإقامة لأوقات طويلة في القاهرة تعد مريم من أكثر السودانيين والسودانيات التصاقا بالثقافة والمجتمع في مصر، حتى ولو كانت مواقفها السياسية مختلفة مع الأنظمة التي توالت على الحكم، ومنحتها جاذبيتها الإنسانية مكانة كبيرة لدى قطاع كبير من المصريين.

من حسن حظ المهدي أنها تجاوزت المطبات التي يقع فيها من هم في مثل حالتها، وأبعدتها العلاقات الجيدة بين القاهرة والخرطوم حاليا عن أيّ اختبار صعب، فهي مواطنة سودانية هواها مصري، الأمر الذي مكنها من تثبيت ما وصلت إليه الروابط بين البلدين من تطورات، بل والعمل على توثيقها، لأنها تدرك أهمية المضامين التي تنطوي عليها وحدة وادي النيل في ظل تحديات إقليمية مركبة تواجه الدولتين لا مكان فيها لفتح جروح أو إثارة حساسيات تقليدية.

محمد أبوالفضل
العرب اللندنية

المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

المشهد السوداني

المشهد السوداني

تعليقات

  • مريم هي بوتو السودان القادمة اي عند قيام الانتخابات سوف تصبح هي اول ريس للسودان في تاريخة شاء من شاء وابا من أباً.

  • من اروع ما قرأت عن المنصوره مريم المهدي وقد ابدع وامتع كاتب المقال في وصف ما عجز عن معرفته كثير من الكتاب والصحفيين السودانيين وكل الحقائق المكتوبه كانت بصدق ومهنيه تدل علي تعمق كاتب المقال عن الشخصيه التي يتحدث او يكتب عنها