السودان الان

 كلية المآسي..!

جريدة التيار
مصدر الخبر / جريدة التيار

 

تحقيق : مؤمن المكي

 

تعتبر جامعة السودان إحدى الجامعات الرائدة في السودان، فالجامعة ومنذ إنشائها ظلت ترفد البلاد بالخريجين المؤهلين في شتى المجالات، وقد كانت بداية الجامعة كمدرسة الخرطوم الفنية ومدرسة التجارة في العام ١٩٠٢م إلى ان تم تأسيس معهد الكليات التكنولوجية في العام ١٩٧٥م ليكون بذلك أكبر معهد تقني في السودان، وفي العام ١٩٩٠م تم ترفيع المعهد ليصبح جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا. ولكن جامعة السودان كغيرها من الجامعات السودانية طالها فساد وتمكين الإنقاذ وسوء إدارته، فالجامعة خصوصاً والجامعات السودانية عموماً سقطت سقوطاً حراً في فترة الثلاثين عاماً الماضية في التصنيف العالمي للجامعات، وفي نماذج من ذلك التدهور تجولت “التيار” في إعتصام طلاب كلية الطب جامعة السودان وخرجت بالحصيلة التالية..

 

كلية الطب

يقول الطالب “م.أ” لقد تأسست كلية الطب في العام ٢٠١٧م وقد أمضى الطلاب سنتهم الأولى في المجمع الغربي وكانوا يحضرون معاملهم “لاباتهم” مع طلاب المختبرات الطبية، وقد اتسمت هذه الفترة بالإستقرار الأكاديمي إلا أن الدراسة مع طلاب المختبرات الطبية كانت تفصيلية جداً على حد وصف الطلاب، فالطبيب لا يحتاج إلى معرفة أدق التفاصيل التي هي من صميم عمل فني المختبرات الطبية ولكن على العكس زحمت الكلية الطلاب بهذه التفاصيل. وقد أبرمت الجامعة في الفصل الدراسي الثاني من العام ٢٠١٧م عقداً مع جامعة النيلين لتمكين طلابها من حضور محاضرة التشريح في مشرحة جامعة النيلين لجهة أن الكلية الجديدة لا توجد بها مشرحة، ومما تجدر الإشارة إليه بأن هذه الفترة اتسمت بسلاسة غير عادية وإلتزام بالتقويم طيلة الفصلين الدراسيين عدا مشكلة المشرحة التي ستستمر ومشكلة تدريس المنهج الذي لا يتناسب مع إحتياجات طلاب كلية الطب.

بداية التدهور

في بداية العام ٢٠١٨م ومع بدء الطلاب في -السمستر- الفصل الدراسي الثالث بدأت المشكلة، فالطلاب بحاجة ماساة لتوفير مشرحة لأن كورساتهم تعتمد بصورة أساسية على التشريح من السمستر الثاني إلى آخر سمستر دراسي، وهنا بدأت رحلة الوعود فقد قام الطلاب في العام ٢٠١٩م وفي شهر أكتوبر بمخاطبة عميد كلية الطب برفيسور مدني ابن عوف العطا وطالبوه بشراء ثمانية جثث حتى يتمكنوا من دراستها وكانت تكلفة الثمانية جثث في ذلك الوقت ٢٦٠ ألف جنيه ووعد العميد بتسليم الإقتراح لمدير جامعة السودان، وقد وعد المدير بحل المشكلة ولكن لمدة عامين وفي ظل إدارته استمرت المشكلة إلى أن أصدر النائب العام قراره القاضي بمنع خروج الجثث من المشارح إلى أية جهة إلى أن تظهر نتيجة التحقيق في إعتصام القيادة العامة.

يواصل الطالب “م.ص” بأن الطلاب لم يقفوا عند هذا الحد فقد قاموا بمخاطبة هيئة الطب العدلي واستجابت هيئة الطب العدلي وأوصت الطلاب بإستجلاب الجثث من الولايات عن طريق لجنة مكونة من ممثلين من إدارة الجامعة ووزارة التعليم العالي ووزارة الصحة وهيئة الطب العدلي لكن الإدارة لم تستجب إلى الآن والمستفز في الأمر بأن الإدارة قالت إنه لابد من تكوين لجنة من أولياء الأمور لحل مشكلة شراء الجثث.

وفي المقابل أوصت هيئة الطب العدلي بتكوين اللجنة من ممثلين لوزارة الصحة والتعليم العالي وهذا يعني عدم جدية الإدارة بل وطلبها من أولياء الأمور حل المشكلة بدلا من حلها بنفسها.

ويتمسك الطلاب بالحل لأن مشكلة عدم توفر الجثث في المشارح لا تقتصر على هذه الجامعة فحسب بل تتعداها إلى كل جامعات السودان خاصة بعد قرار النائب العام. ومما يزيد الوضع سوءاً بأن الجثث التي توجد في أغلب الجامعة بدأت ملامحها تختفي نتيجة لطول المدة وهذا سيؤدي بدوره بعد فترة إلى توقف استعمالها لأن الأعضاء غير ظاهرة.

معامل بلا مواد

ويأخذ الفرصة الطالب “م.أ” ويقول بأن المعامل في الجامعة مكتملة من ناحية البيئة والبناء ولكن ليس بها المحاليل والمواد التي يحتاج إليها الطلاب فوجود المعامل وعدم وجودها سيان لأنها عبارة عن غرف خالية ما عدا المعمل المشترك بين كلية الطب والصيدلة، وعندما يقوم الطلاب بالإستفسار عن سبب عدم تجهيز المعامل فإن إجابة الإدارة بأن “المواد جاية بالبحر” وإلى اليوم وبعد ثلاث سنوات لم تصل هذه المواد. وكان آخر وعد قطعته الإدارة بأن السفينة ستصل في أبريل ولكن لم تصل إلى اليوم.

عدم الشفافية

ويضيف الطالب “م.ص” بأن المشكلة تكمن في عدم وضوح الجامعة بشأن توفير المواد اللازمة للمعامل وقطعها الوعود تلو الوعود لتكملة أدوات المعامل، والمضحك والمبكي بأن طلاب كلية الطب إلى اليوم لم يأخذوا محاضرة واحدة في المجمع الطبي في معاملهم كطلاب كلية طب بل ظلوا يتنقلون بين معامل كلية الصيدلة وكلية المختبرات الطبية، وعندما يحتاجون لتوفير معامل مخصصة فقط لكلية الطب تدخل الجامعة في مرحلة البحث عن معامل أو مشارح جامعات أخرى، وفي كل مرة يحتاج الطلاب لمعمل يتأخر الطلاب عن الدراسة لمدة قد تصل ٣ أشهر في سبيل البحث عن معمل أو مشرحة كلية ثانية، وذلك نسبة لأن تعاقدات الجامعة مع كل الجامعات الأخرى قصيرة المدى لمدة فصل دراسي واحد فقط ، وقد وعدت الجامعة بتجهيز المعامل والمشرحة في خلال أربعة أشهر وقاموا بتدريس كورس الدم علما بأن الطلاب سيدرسونه في السنة الثالثة لكي ينتهزوا الفرصة ويقوموا بتوفير معامل للقلب ومشرحة ولكي يتم التعاقد مع مستشفى، ولكن تم تدريس كورس الدم ولم تكتمل المعامل ولا المشرحة ولم يتم التعاقد مع المستشفيات.

وقد بلغ من حرص الطلاب على مستقبلهم الأكاديمي التفكير في استجلاب فواتير وتحديد قيمة إيجار المعامل ودفعها من قبل أولياء الأمور إذا تماطلت الإدارة أكثر من الوقت المحدد في التعاقد مع معامل الجامعات الأخرى.

والطلاب أيضاً بحاجة للتعاقد مع مستشفيات حتى يتمكنوا من تطبيق ما تعلموه عملياً ولكن إدارة الجامعة لم تقم بالتعاقد مع أي مستشفى إلى اليوم وهذا يشكل تهديداً لمستقبل الطلاب الأكاديمي.

نقص المدرسين

ويواصل “م.أ” و”م.ص” قائلين واحدة من أهم مشاكلنا هو عدم وجود أساتذة لكل المواد فالجامعة بها ١٧ أستاذاً فقط لأكثر من ٥٠٠ طالب، ففي قسم واحد في أية جامعة أخرى تجد أكثر من ١٧ أستاذاً والجدير بالذكر أن أكبر درجة علمية للأساتذة هي درجة الأستاذ المشارك علماً بأن الكلية جديدة وفي طور التأسيس وهذا يستدعي وجود بروفيسورات يشرفون على سير العمل وتدريس المناهج لكي تعتمد الكلية في العام ٢٠٢٤م حسب التصنيف السائد، والذي سيزيد الوضع سوءاً بأن الجامعة شرعت في قبول الدفعة الرابعة فإذا كانت الجامعة لا تستطيع أن تحل مشاكل الثلاث دفع الأولى فكيف تقبل دفعة رابعة؟

مناهج غير مجازة

ويواصل الطالب “م.ص” قائلاً  من المعلوم بأن المناهج في الجامعات تسير بإجراءات معينة لإجازتها بدءاً من اللجنة المكلفة بكتابة المنهج ثم اللجان الفرعية المكلقة بالتدقيق وتقييم المنهج. ولكن كل هذه الإجراءات لم تسر بالصورة المطلوبة بل واكتشف الطلاب بعد عام من الدراسة بأنهم يدرسون منهجاً غير مجاز من إدارة الجامعة، وقد تمت إجازة المنهج في يوم ٢٥ مارس الفائت ولكن مشكلة المنهج هي ليست المشكلة الأساسية .

الكافتريات

ويقول “م.ص” عند قبول الطلاب للكلية في ٢٠١٧م تم وعدهم بأن الكافتريات ستكون جاهزة في خلال أسبوعين. ولكن لم تتجهز الكافتريات في خلال أسوعين. وبعد فترة تم بناء كافتريا من “الزنكي” وكانت تقتصر فقط على صنع الساندويتشات. وفي البداية كان الأكل المقدم جيداً ولكن سرعان ما بدأ الطلاب يكتشفون وجود حشرات داخل “السندوتشات” وقد قام الطلاب بتصوير هذه الحشرات وقاموا برفعها للإدارة وتوقفت الكافتريا لأكثر من نصف عام وهذا اضطر الطلاب لقطع مسافات طويلة إلى استوب الشرقي في سبيل البحث عن وجبة الإفطار وهذا كان سبباً في تأخيرهم عن محاضراتهم، وبعد اتخاذ الطلاب خطوات تصعيدية تم افتتاح الكافتريا في شهر مارس السابق.

السعودي الألماني

ويقول “م.ص” بأن الجامعة تعاني أيضاً من عدم توفر مستشفى جامعي يتبع للجامعة، وقد قام المستشفى السعودي الألماني بالتعهد في وقت سابق من العام ٢٠١٧م ببناء مستشفى لجامعة السودان بنظام الB.O.T وقد كان هذا سبباً لدخول الكثير من الطلاب للجامعة ولكن إلى الآن لا يعلم الطلاب مصير المستشفى الجامعي.

البيئة الجامعية

ويشتكي الطلاب أيضاً بحسب “م.ص” و “م.أ” من عدم توفر البيئة الجامعية للطلاب فعلاوة على قطوعات المياه والكهرباء المبرمجة في كافة أنحاء السودان لا توجد مياه في الجامعة، فالمياه في المجمع الطبي يمكن أن تنقطع لأيام.

والطلاب يعانون أيضاً من مشكلة الإجلاس أو “البنشات” فالجامعة بها ٨ بنشات في المجمع لأكثر من ألف ومائة طالب، لجهة أن الطالب إما ان يكون في القاعات أو خارج الجامعة.

بداية التصعيد

ويقول “م.ص” اجتمع الطلاب في فبراير ٢٠٢٠م مع مدير جامعة السودان بروفيسور عوض سعد حسن وعرضوا له كل المشاكل التي يعاني منها الطلاب ولكن انتظر الطلاب لمدة عام ولم تحل مشاكلهم ، لذلك قرروا التصعيد ضد الإدارة بعد استنفاد كل سبل التفاوض و قام الطلاب بعمل وقفة إحتجاجية في مجمع الكليات الطبية جامعة السودان في يوم ٧ فبراير ٢٠٢١م ، ثم وقفة في المجمع الغربي يوم ١٠ فبراير من نفس العام، وإجتمع معهم مدير الجامعة ونائبه وقالت الإدارة إنها لم تكن على دراية بمشاكل الطلاب وذلك خلافاً لما قاله عميد كلية الطب بروفيسور عوض بن عوف الذي استقال من منصبه لعدم صراحة الإدارة فقد كشف العميد للطلاب كل الخطابات التي أرسلها لإدارة الجامعة وفيها توضيح للمشاكل بالتفصيل. ولم تكن الإدارة في الإجتماعات تركز على الحلول بل كانت تركز على إقناع الطلاب بالوضع الراهن. وخرج الطلاب من الإجتماع وهم غير راضين بنتائجه، وقد ركزت الإدارة على حل مشكلة المنهج، وعندما تم حلها قالت الإدارة بأن مشكلة كلية الطب قد حلت في حين إن مشكلة كلية الطب ليست في المنهج فحسب بل تتعداها إلى المشرحة والمعامل والتعاقد مع المستشفيات والبيئة الجامعية، وبعد ذلك قامت الإدارة بنشر جدول يوضح الحلول المؤقتة فعلى سبيل المثال التعاقد مع مشرحة جامعة بحري ولكن تمسك الطلاب بالرفض وذلك لأن هذه الحلول حلول مؤقتة ولا تضع حد للمشكلة وستحتاج الجامعة في بداية كل سمستر للتعاقد مع مشرحة جامعة أخرى وهذا سيؤخر بدوره التقويم الدراسي.

فشل وزاري

(والحديث لـ م.ص) ونسبة لعدم اقتناع الطلاب تواصل التصعيد و أرسل الطلاب ثلاثة خطابات لوزارة التعليم العالي ولكن لم يصلهم رد من الوزارة فقرروا القيام بثلاث وقفات إحتجاجية أمام وزارة التعليم العالي، وقاموا بمقابلة وزيرة التعليم العالي بروفيسور إنتصار صغيرون وقالت بأنها ستقوم باستدعاء مدير جامعة السودان في إجتماع يوم الأحد ولكن لم تر الحلول النور يوم الأحد وقالوا سنخرج بحلول جادة يوم الخميس. وفي يوم الخميس توجه الطلاب في موكب وكلهم أمل بالحلول التي سيخرج بها إجتماع الوزيرة مع مدير الجامعة ولكن لأسباب مجهولة لم يعقد هذا الإجتماع، وبعدها أصيبت الوزيرة بكورونا وعندها توجه الطلاب لوكيل وزارة التعليم العالي بروفيسور سامي ووكيل الوزارة تفاجأ بمشكلة الطلاب، وبعد تماطل شديد من وزارة التعليم العالي ترك الطلاب وزارة التعليم العالي. وقرروا الدخول في إعتصام مفتوح عن الدراسة

أولياء الأمور

ويواصل “م.ص” قائلاً بعد خطوة الإعتصام قرر مدير الجامعة بروفيسور عوض سعد الإجتماع بأولياء الأمور وقطع مدير الجامعة في الإجتماع بأنه لا توجد أية مشكلة وبأن الطلاب لابد أن يستأنفوا الدراسة حتى يشق صف الطلاب، ولكنه تفاجأ بأن أولياء الأمور على دراية بأدق مشاكل الطلاب ونسبة لتباين الآراء بين أولياء الأمور خرج الإجتماع بتكوين لجنة من ممثلين لأولياء الأمور لمتابعة حل المشكلة مع إدارة الجامعة واتفقوا على اخراج الجدول الدراسي للطلاب يوم الأحد وأن تواصل الجامعة في الحلول المؤقتة ولكن خرجت الجداول غير مكتملة فمادة الميكروبات لا يوجد أستاذ لتدريسها إلى أن تعاقدت الجامعة بعد فترة مع أستاذ متعاون وواصل الطلاب الإضراب لأن الجداول غير مكتملة.

تعليق الدراسة

هذا وقد أصدرت إدارة جامعة السودان في يوم الأحد الموافق ١١ أبريل بعد إجتماع إسفيري ضم كل عمداء الكليات قراراً قضى بتعليق الدراسة و منع طلاب كلية الطب تحديداً من دخول الجامعة وهذا يمثل إنتهاكاً صارخاً لحق الطلاب بحسب “م.أ” فالطلاب ينتمون لهذه المؤسسة ومن حقهم كطلاب أن يستفيدوا مما توفره المؤسسة من مكتبات حتى في فترة تعليق الدراسة.

مناشدات الطلاب

ويناشد طلاب كلية الطب كل من يهمهم الأمر من إدارة الجامعة ووزارة التعليم العالي ومجلس الوزراء الإنتقالي المساهمة في تجهيز المشرحة بالأدوات والجثث اللازمة للمشرحة وسد النقص في الأساتذة وتهيئة البيئة الجامعية وإعداد تقويم ثابت لجميع الفصول الدراسية.

 

 

المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

جريدة التيار

جريدة التيار

تعليق

  • اول شيء البروفيسور مدني ابنعوف العطا عميد الكلية قد انتقل إلى جوار ربه قبل اكثر من الاسبوع عليه الرحمة كان لزاماً عليكم ذكر هذه الحقيقة المؤلمة وقد ذكر اسمه حينا بعوض ابنعوف ! على كل حال اتخرجوا واشتغلو معاونين صحيين ولن يعترف بكم احداً بانكم أطباء !!