كتابات

عبدالله علي ابراهيم يكتب (دارفور ومسلحوها: من اتقى عضاض الأفاعي نام فوق العقارب)

جريدة التيار
مصدر الخبر / جريدة التيار

 

 

 

 

قلت أمس إنه لم يتفق لي تكتيك حرب التحرير الذي نهض به مسلحون في الهامش في غير ما وقت. فتحولوا به إلى عصب مسلحة لا مناضلين مسلحين. وكانت ضحية ذلك انقطاعهم عن تغلغل مسألة التهميش في سياقها الوطني والتاريخي. فلم تشتهر بينهم مدرسة علم سوى “الكتاب الأسود” الذي هو شغف برجوازية الهامش ب”طبعة” تالية لسودنة ١٩٥٦ وبس. وأعرض هنا لكلمة نشرها “زول واحد” عن نضال قاعدي مدني بنيالا في السبعينات الأولى استرعت انتباهي لذكائها السياسي. وسنرى منها كيف أخطأ الناشط الدارفوري الطريق إلى قوة الشعب واكتفى منها بقوة مسلحة من عصبته وقبيله دون غيره.

يروي “زول واحد” في هذا الخبر عن أيام تلمذته بالثانوية بنيالا. فكان أمضه تفشي المجاعة في الإقليم بينما أنكرتها الحكومة ثلاثاً. فتخمرت فكرة الاحتجاج على ذلك الاستهتار في رأسه. وأعدى بها ثمانين من زملائه بالمدينة من كل حدب عرقي وصوب إثني. وانتهزوا فرصة زيارة الرئيس نميري للمدينة للاحتفال بمرور الذكرى الأولى لعودته للحكم بعد انقلاب 19 يوليو 1971.

وتمثلت خطتهم في تسليمه مذكرة عن مظالم الإقليم. وتجمع الطلاب، الذين بلغ عددهم نحو 300، في الاستراحة العسكرية وارتفعت عقيرتهم بالهتاف. فأرسل من يستوضح أمرهم. وقبلوا بعد لأي أن  يسلموا مذكرتهم لنميري عن طريق وسيط.  وتجمعوا بالميدان الذي خاطب فيه الرئيس جمهور المدينة. وهتفوا: جوعى وعطشى في دارفور، ووعودنا وعود يا دارفور، تنمية تنمية يا رئيس! فتلجلج نميري وتعثر في خطابه فصاح: “أقبضوا هؤلاء الشيوعيين العشرة”. فحمل السيد أبو القاسم محمد إبراهيم قاشه وتبعه جند آخرون وانهالوا ضرباً على الطلاب. واعتقلوا نحو 20 منهم.

ركزت مذكرة الطلاب على تنمية الإقليم واستنكروا تهميشه في الخطة القومية. واستهجنوا قيام مشروعات التنمية في دارفور على أسس تجريبية (جبل مرة، قريضة، الغزالة جاوزت) بصورة ينتفي بها الالتزام بدوامها. وطالبوا بمركز للأبحاث البيطرية وبالكهرباء للمدن ومحاربة العطش والجوع والمرض.

وحملت المذكرة نظراً ثاقباً باكراً في متاعب دارفور البيئية. فقد طالبوا بتقنين هجرة قبائل الشمال (عرب وزرقة) إلى جنوب دارفور لتفادي الصراعات القبلية. وقالوا إن هجرة دارفوري الشمال هجرة مضطر من التصحر. وأثقلت هجراتهم العديدة هذه على دارفوري الجنوب فاندلعت الحرب لأول مرة بين الماهرية وبني هلبة وكلاهما من العرب. وطالبت مذكرة الطلبة بإسكان دارفوري الشمال في منطقة العمود الأخضر بدار الهبانية وتعويضهم أسوة بمهجري حلفا القديمة. أي أن الطلبة جعلوا من تفرق دافوري الشمال إلى الجنوب نوعاً من الهجرة المفروضة بالنظر إلى أنهم مضطرين لها. فأنظر هذه الحكمة من صبية نيالا بلغوا الحلم والحق بالفطرة السليمة وأبلغوه للسلطان الظالم بقوة.

 

ومن أميز فقرات هذه القوة مشهدان. أولهما مشهد طالب رفيع البنية اشترك في العملية السياسية كلها ولم يعتقل فحز ذلك في نفسه. وأصبح يتردد على مركز البوليس يلتمس منهم اعتقاله بالنظر لمشاركته في المظاهرة. ولم ينجح حتى في استفزاز الشرطة لاعتقاله وهو يشتم الحكومة أمامهم فعاد أدراجه خائباً.

 

وكان بين المعتقلين عامل بناء لا دور له في المسألة. فأعجبته شجاعتهم. واستثارته “يا هؤلاء” من صيحة نميري المذعورة: “اقبضوا على هؤلاء الشيوعيين”. فصار اسمه بين زملائه المعتقلين “يا هؤلاء” منذ ذلك اليوم. ولما انعقدت محاكمتهم استغرب القاضي لوجوده بين صغار السن من الطلاب. فسأله إن كان قد هتف وتظاهر. فقال نعم. فقال لهم ما نوع هتافك. فقال: “السكر بقى غالي والقماش بقى غالي والجاز بقى غالي”. ولم تكن تلك هتافات المظاهرة ولكنها مما عَنَّ ل “يا هؤلاء”. فصرفه القاضي.

لعل أحوج ما تحتاجه دارفور الآن هو “جرد” تكتيك حرب التحرير الذي اتبعوه من فرط الظلم والياس معاً. وهذا الجرد لتكتيك حرب التحرير أمر شجاعة تفوق حتى إدارة حرب التحرير. فلم يقم ناشطو دارفور بواجبهم المنزلي في العلم المتعمق بمسألة إقليمهم كما خططوا لذلك بمعهد الأبحاث الذي كتبوا ورقة مشروعه . . . وكفى (حدثنا ن ذلك بالأمس). ومن الجهة الأخرى اكتفوا من الشعب، ناس “يا هؤلاء”، بعصب مسلحة. وهذا ما حذَّر منه أمليكار كابرال قائد حركة تحرير شعب غينيا بيساو في الستينات مفرقاً بين تلك العصب وجماعة المناضلين الذين اختاروا حمل السلاح كتكتيك نضج ظرفه.

للمتنبيء بيت طريف. قال فيه:

إليك فإني لست ممن إذا اتقى        عضاض الأفاعي نام فوق العقارب

كان المأمول أن يكون تحرير دارفور عضاض أفاعٍ شرسة في تركيبنا الثقافي والتاريخي والاقتصادي والإيكولجي. ولكن قصرت الحركات دونه حين استبخست البحث المتعمق في تلك التراكيب وزهدت في ناس “يا هؤلاء” واختارت حرب التحرير. وهذا هو النوم فوق العقارب التي لسعها حاذق ولكنه دون عضاض الأفاعي بكثير جداً. والأفاعي هي الخصم لا العقارب ولكننا تفادينا دربه بالمرة.

 

 

 

المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

جريدة التيار

جريدة التيار

تعليق

  • نعم حديث لايمس دارفور وحدها بل يمس السودان…خاصة موضوع البئة هذا فهو أم المشاكل ولازال……