كتابات

النور حمد يكتب (الواجهات النيلية)

جريدة التيار
مصدر الخبر / جريدة التيار

 

 

 

 

ظلت بلادنا، منذ الاستقلال تسير بغير خططٍ، وبلا استراتيجيات واضحة المعالم. تدل على ذلك أمورٌ كثيرة، تعكس، في مجملها، حالةً من العجز المزمن في التخطيط. يشمل ذلك التخطيط الاقتصادي، والتخطيط الاجتماعي، والتخطيط الاستراتيجي الأمني، والعلاقات الخارجية، والتخطيط الثقافي، والتخطيط البيئي، والتخطيط العمراني. لكن، ما من شك أن هناك أشياءً عديدةً جرى إنجازها، هنا وهناك، عبر الأربع وستين سنة المنصرمة، لكنها، لم تقم وفق خطةٍ كليّةٍ لامَّة، أو ناظمة master plan. ما أود أن أتناوله اليوم، في هذه الزاوية،هو الخسران المتنامي للواجهات النيلية في العاصمة الخرطوم، لصالح أبنية، ربما وقف وراءها سوء التخطيط، أو استغلال النفوذ، أو كليهما. حدث هذا على الرغم من ان الصحافة المحلية أوردت أن بيتًا إيطاليًا للخبرة سبق أن وضع خطة هيكلية للعاصمة، من ضمن ما ورد فيها عدم حجب الواجهات النيلية بالأبنية.

لم تكن للعاصمة المثلثة، عقب الاستقلال مباشرة، واجهةً نيليةً مرصوفةً، سوى تلك التي كانت تغطي المنطقة الممتدة من حديقة الحيوان سابقًا (فندق كورنثيا حاليا)، إلى ما بعد القصر الجمهوري، بقليل في اتجاه الشرق. نشأت الخرطوم في العهد التركي (1821 – 1885)، وتطورت أكثر في ظل الاستعمار البريطاني (1898 – 1956)، وعبر هاتين الحقبتين بقي شارع النيل يفصل بين المباني والنهر. بذلك، بقي، منظر النهر مفتوحًا وملكًا للجميع. وهذا أمرٌ مطلوبٌ، جماليًا، ووظيفيًا في إطار التخطيط العمراني الحديث. فالدول، عادةً، تحرص أن تكون الواجهات البحرية والنهرية ملكًا عامًا، فلا يستأثر بها فردٌ أو مؤسسةٌ؛ حكوميةً كانت، أم غير حكومية. عمومًا، لم يجر، عبر حقبة ما بعد الاستقلال تطويرٌ يذكر للواجهات النهرية للمدن الثلاث،إلا بقدرٍ ضئيل. هذه الواجهات كنزٌ عامٌّ ثمينٌ؛ من الناحيتين الجمالية والاقتصادية. الواجهات النهرية في العاصمة الخرطوم، بالغة الطول، ولربما يتجاوز طولها، عبر شطآن الخرطوم، وبحري،وأم درمان، المائة كيلومتر. تمثل هذه الواجهات متنفسًّا تنزُّهيًا مهمًّا لسكان المدينة، ورافدًا اقتصاديًا استثماريًا ضخمًا، لو جرى تطويرها، وأُحسن استغلالها.

منذ حقبة نميري بدأ التعدي على الواجهات النيلية، خاصةً في أم درمان. فقد جرى تشييد مجلس الشعب (مبنى البرلمان)، ومسجد النيلين، وجامعة القرءان الكريم على الشط مباشرة، ففصلت بين شارع النيل في أم درمان، والنهر، وجعلت الشط خارج متناول عامة المواطنين. كما جرى في حقبة الإنقاذ صالات إنشاء أفراح ومحلات تجارية جديدة بين النهر وشارع النيل،على طول شط أم درمان. في الخرطوم نشأ في حقبة نميري مطعمٌ قبالة وزارة التربية والتعليم، ففصل بين شارع النيل في الخرطوم، وبين النهر. وفي عهد الإنقاذ نشأ نادٍ في شط حي غاردن سيتي يقال إنه تابعٌ لجهاز أمن البشير، لا يزال تحت التشييد. هذا الخسران المتنامي للشطآن واحدٌ من رزايا الأنظمة الشمولية. فليتنا نجعل من هذه الثورة المجيدة مبتدأً لخلق استراتيجيات،متسمة ببعد النظر وحراسة الصالح العام، بعد أن أنفقنا عقودًا ونحن أسرى لسوء التخطيط، ولنزوات الفئات،والأفراد، وإيثارهم لذواتهم.

 

 

المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

جريدة التيار

جريدة التيار

تعليقات