السودان الان

مع ذالك//عبدلله علي ابراهيم “د. آدم الزين: الذي يصلحك”

مصدر الخبر / جريدة التيار

 

 

(أعيد نشر هذه الكلمة عن البروف آدم الزين الذي رحل عنا وقد بلغت الدماء الحلقوم في دارفور. وربما أغمض عينيه للمرة الأخيرة وعزاؤه أنه لم يدخر وسعاً يهدى للتي هي أقوم بين أهله وفي وطنه في حين طارت عقول مثله شعاعاً في دياجير العنف. رحمة الله عليك يا شجاع الخاطرة)

مما أثلج صدري مؤخراً إصغاء الأذن الوطنية هذه الأيام لآراء زميلنا الدكتور آدم الزين، أستاذ العلوم السياسية بجامعة الخرطوم. فقد ميزت الأستاذة مريم تكس مساهمته في ندوة قريبة بجريدة الصحافة (الصحافة 20 يناير 2009) ونشرت قوله بتوسع.

ولعل المصطلح الذي جذبني في حديث آدم  أكثر من غيره هو “الاحتواء بالبحث”. ويقصد بذلك أنه لا مهرب من البحث العلمي الصميم إذا أردنا أن نهتدي إلى حل يبطل فتيلة النزاع في دارفور. وهذا قول لا يصدر إلا من أكاديمي رجيح ذي خلق مهني رفيع. فقد نعيت على كثير من زملائي الأكاديميين أنه حين جاء الوقت لتستعين البلد بخبرتهم في احتواء النزاعات بالبحث وجدناهم تأبطوا البندقية واختاروا جيش التحرير. وسميت تلك بظاهرة “دكتور صلاح” الذي حمل السلاح في أغاني البنات بينما الذي كشف على البنت المغنية هو “دكتور لؤي”. وحاشا آدم الزين. فقد دوام على ما يحسنه من البحث الأكاديمي وما تدرب عليه من فنونه ليحتوي مسألة دارفور بالنظر الشامل المفضي إلى حل مستدام. لم ينتهز حقيقة أنه دارفوري ليديها سوط وهي عايرة فيكسب الصيت وغير الصيت في الزائلة. وأظن أنه صبر صبراً جميلاً على من استبخسوا مطلبه في احتواء النزاع بالبحث والسهر عليه من أهل النفرة بفهوة البندقية. والصبر ظل النبي والأكاديمي بقرينة الدعوة إلى الحق في كليهما. وقد جازاه الله على صبره بهفو الأفئدة الآن لما يقول بعد أن باخ السلاح وصديء الرصاص  وتمحن غمار أهل دارفور وتماسك برجوازيو دارفور الصغار الحزز.

ظل رأي آدم الذي لم يحد عنه أن لمسألة دارفور جانبين. فهي من جهة  صراع سلطة وثروة مع المركز وهي من الجهة الأخرى صراع موارد بين القبائل. وفي اعتقاده أن الشق الأول من المسألة  غطى على الشق الثاني. فمن شق أن جوهر صراع دارفور هو الذي بين دارفور وحكومة الخرطوم خرج علينا مفهوم حرب الزرقة والعرب. وهذا الجانب هو الذي استرعى العالم الخارجي لأسباب خصت كل مهتم بالأمر. وأنبنى التدخل الدولي (خيرة وشره) على حماية السودان من البيضان في الولاية. ويخطيء آدم هذا التدخل الدولي لتبسيطه النزاع وحصره بين عرب وأفارقة. وصح نظره. فدارفور الآن ساحة لعراك امتاز بعمى الألوان قتلاً وفتكاً.

ونظر آدم إلى زاوية عجيبة من بؤس هذا التدخل. فقد اعتمد أصحابه على فرض العدالة بالولاية على قاعدة العصا والجذرة. ومعنى ذلك أن تُرغب في الصلح بالعطايا حيناً وبالعقوبة حيناً آخر. ولكن آدم الزين يعتقد أن هذا المنهاج بخلاف ما تعود عليه أهل دافور. فعدالة دارفور التقليدية هي أن تجعل المعتدي يندم على فعلته وأن يعوض المجنى عليه. وهذه التسوية والمصالحة تقطع دابر أي إثارة جديدة للانتقام. وقد راوح السيد علي حسن دوسة على هذا المعنى في نقده لأساليب الحكومة نفسها في التسوية والمصالحة. وذهب للقول إن تلك التسويات تُعقد بعجلة لأن من عقدوها من رجال الحكم يريدون العودة للخرطوم بأسرع ما تيسر بغير موالاة لها  لينسوا مستحقات تلك التسويات في جبر الضرر وتطييب الخواطر.

 

وككل أكاديمي طويل الباع رشيق الفكر استفتى آدم الزين التاريخ واستصحب مجازاته في نظرته لمسألة دارفور والحكم. فقد سمى المحنة الماثلة في الولاية ب “أم كواكية” الثانية بالنظر إلى أم كواكية الأولى. وهي فترة انفلات وفوضى وقعت بين 1874 (وهو تاريخ إخضاع دارفور بواسطة الترك المصريين وغطت فترة المهدية وعهد على دينار. ومن رأي آدم أن الحل للنزاع في دارفور (بشقيه) يستوجب حكماً قوامه عقيدة سياسية هي حماية المواطنين وفض النزاع والحيدة في النزاع الداخلي. ومن رأيه أن الإنجليز، الذي ضموا دارفور لأملاكهم السودانية في 1916، وفروا عناصر الولاية التي وصفها فأنهوا أم كواكية الأولى. وأخذ على حكومة الإنقاذ قصورها عن ذلك. فهي رغم زعمها امتلاك تلك العقيدة الحكومية إلا أن الانطباع بين الناس غير ذلك. فهي مثلاً حولت الإدارة الأهلية (المفروض فيها الحيدة) إلى ذراع منها.  علاوة على أنها لم تتفوق على السكان المنفلتين أو الثائرين من حيث السلاح كما فعل الإنجليز. ولذا صارت عقيدة دارفور “بندقيتي حكومتي”.

 

ومع سداد الاستعانة بالتاريخ طلباً للحكمة إلا أنني اتحفظ نوعاً ما حين تجري المقارنة بين حكم الإنجليز وحكم قائم افتراضاً على الاستقلال والمواطنة وحقوقها. فالإنجليز بشعون حين تتهددهم الخطر. فأنظر كيف حصدوا النوير الثائرين من عل بالبوارج الطائرة. علاوة على أنهم تصرفوا في الإدارة الإهلية كما شاءوا حين لم تأت على خاطرهم. فأنظر حتى كتاب السيد حسن نجيلة “ذكرياتي في البادية” لتقرأ عن كيف أزاحوا مهدويين عن سدة الحكم بين شعب حمر في كردفان وجاءوا بمن انتخبوه. كما لك أن تراجع كتاب أبوسليم “الشخصية السودانية” لترى كيف كيف يمكن لنا رد نزاع شعبي الرزيقات والمعاليا البغيض في دارفور إلى حيل الإنجليز.

وأقترح آدم الزين حلاً لمسألة الحكم في دارفور في سياق طي سجل المحنة. فقد دعا إلى قيام حكومة انتقالية من محايدين. وتكون مهمة هذه الحكومة إجراء مصالحات بينية (أي بين الجماعات المتنازعة) بتهيئة المناخ الاجتماعي للسلام. ثم تضع أسس التنمية وتحل مسألة الحواكير وتتتحول بالإقليم إلى الدمقراطية. وهذه فنطازيا الأكاديمي. ولأنها مما جاء على لسان آدم الزين من دون الناس استحقت الاعتبار النابه. فلمثل أدم كشف. إن لأمثاله من صفاء البصيرة ما يزيح الحجب نظراً في فنجان المستقبل وخطوط كفة أيدينا المعروقة بالغضب والظلم.

 

المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

جريدة التيار