السودان الان السودان عاجل

جريدة بريطانية : ما مدى جدية إعلان الجيش السوداني نيته الانسحاب من الحياة السياسية؟

“يؤسس المنطق الذي تقوم عليه الدولة الديمقراطية لأن تكون القوات المسلحة بعيدة عن التعاطي السياسي”

ظلت مشاركة الجيش السوداني في الحكم مثار جدل لسنوات طويلة، باعتبار أن حكمه تغلب عليه الشمولية والديكتاتورية والتضييق على الحريات العامة في البلاد، ما يتنافى مع الأعراف والتقاليد السائدة في دول العالم المتحضر. وواجهت الشراكة الحالية بين المكونَين العسكري والمدني، تقاطعات وانتقادات واسعة من قبل الشارع السوداني، الذي ظل يطالب بإبعاد العسكر من السلطة، وبسط مدنية الدولة في أجهزة الحكم، لكن مع إعلان رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح برهان أن هناك ترتيبات تجري لخروج القوات المسلحة في المستقبل من الساحة السياسية تماماً، تبرز تساؤلات عدة حول مدى جدية هذا القرار، ومآلاته، وآثاره على استقرار السودان.
ويشير الناطق الرسمي الأسبق للقوات المسلحة السودانية الفريق ركن معاش محمد بشير، إلى أن “المنطق والواقع السياسي الحقيقي الذي تقوم عليه الدولة الديمقراطية يؤسس لأن تكون القوات المسلحة في أي دولة في العالم بعيدة من التعاطي السياسي، وأن تلتزم واجبها الأساسي المتمثل في حماية الأمن القومي، ووفقاً لقانون ودستور المؤسسة العسكرية في السودان، فإن القوات المسلحة قومية الهدف والمنشأ، كما من واجبها أن تتبع المعادلة القائمة على أن تكون حيادية بمعنى ألا تميل إلى السلطة، ولا تعضد في ذات الوقت المعارضة ولا تقف ضدها”.
واعتبر بشير، حديث البرهان عن انسحاب القوات المسلحة من المسرح السياسي، بأنه “عين الحقيقة إذا كان بالفعل جاداً في ما يقول، لأنه إذا لم تكن هذه القوات محايدة في إطار المفهوم العام، فإن أي حزب يصل إلى السلطة سيقوم بتسريح الجيش القائم ويلجأ إلى تكوين جيش تابع له، لكن ليس هكذا تؤسَس الجيوش القومية، لذلك لا بد أن يكون هناك توازن في تعامل ونهج القوات المسلحة مع السلطة المنتخَبة والمعارضة، بالتالي حتى إذا وصلت المعارضة إلى الحكم لن تسعى إلى إجراء أي تغيير في سلوك ونهج القوات المسلحة”، مؤكداً أنه “إذا سار الأمر على هذا النحو، فإنه سيكون عملاً جميلاً، وستكون المؤسسة العسكرية محل احترام وتفاخر، وهو ما يعضد المفهوم الأصيل للديمقراطية، ويجب أن ينطبق على الإعلام والقضاء والمؤسسات الأمنية والعدلية”.

إصلاح سياسي

وتابع الفريق محمد بشير، “على هذا المنوال تمضي الدولة السودانية في مسار الديمقراطية، لكن لا بد أن يكون هناك إصلاح سياسي حقيقي على مستوى الدولة ومؤسساتها وأحزابها، كذلك من المهم عقد مؤتمر قومي جامع يحدد الأهداف الاستراتيجية لكل القضايا الحساسة، ومن أهمها التأكيد على عدم اختراق القوات المسلحة أو استقطاب أي فرد من منتسبيها، فضلاً عن تضمين كل ما هو خط أحمر وتثبيته في الدستور، على أن تتم محاسبة كل مَن يخترق أي نص في الدستور”، منوهاً بأنه “في ضوء هذه المحاذير وحياد المؤسسة العسكرية، يجب ألا يترشح أي شخص ينتمي لهذه المؤسسة في الانتخابات العامة سواء على مستوى رئاسة الجمهورية أو البرلمان، فالقوات المسلحة مسؤولة عن سلامة الانتخابات وتأمينها فقط، وهذا أيضاً ينطبق على أفراد الشرطة والقطاعات العسكرية والأمنية والاستخباراتية المختلفة”.
ووصف الناطق الرسمي الأسبق للقوات المسلحة السودانية، مشاركة المكون العسكري في السلطة الانتقالية الحالية، بأنها “ممارسة انقلابية فيها إساءة صريحة للمنظومة العسكرية في البلاد، واختلال في المفهوم وتجاوز للأعراف المتبعة، فكان من الأفضل لهذه المؤسسة أن تكون مستمرة في قوميتها، وبعيدة من السلطة، إذ كان يجب أن تساند الجسم المدني السياسي الذي ظهر مع بدء اعتصام القيادة العامة في 6 أبريل (نيسان) 2019، مع التأكيد له بأنها تظل محايدة، لكن مسؤوليتها الآن هي الحفاظ على الأمن القومي، والمساعدة في إنجاح تجربة التحول الديمقراطي بكل نزاهة وشفافية، في إطار البعد القومي والمسؤولية الأمنية في كل مساراتها”.

تدخلات حزبية

في سياق متصل، أكد الباحث السوداني في الشؤون العسكرية، اللواء معاش أمين إسماعيل مجذوب، أن “مشاركة القوات المسلحة في الحياة السياسية في السودان كانت على مر تاريخ الدولة السودانية خارج إرادتها، بمعنى أن هنالك بعض التداخلات الحزبية أدت إلى مشاركة هذه القوات في السلطة السياسية، ففي حكومة الرئيس السوداني الأسبق إبراهيم عبود (1957 -1964) تم تسليم السلطة للجيش بواسطة عبدالله خليل، سكرتير حزب الأمة القومي السوداني، الذي كان يتقلد منصب رئيس مجلس الوزراء في البلاد، بعدما اشتد الصراع داخل الجمعية التأسيسية (البرلمان) آنذاك، واتجه نحو سحب الثقة من الحكومة، ما جعله يتخذ هذه الخطوة الجريئة”. وتابع مجذوب، “أما استلام الجيش للسلطة في المرة الثانية كان في مايو (أيار) 1969، بعد حادثة معهد المعلمين الشهيرة وطرد نواب الحزب الشيوعي من البرلمان، وحدوث اختناقات كبيرة جداً أدت إلى تدخل الأحزاب اليسارية مثل الحزب الشيوعي وحزب البعث والقوميين العرب لحسم هذه الخلافات لصالحهم عن طريق تحريض عناصرهم في القوات المسلحة لاستلام السلطة، وهو ما حدث فعلاً باستيلاء الرائد آنذاك جعفر نميري على الحكم بواسطة انقلاب عسكري ليصبح رئيساً للسودان في الفترة بين العامين 1969 و1985. وفي المرة الثالثة جاء استلام الجيش السوداني للسلطة في يونيو (حزيران) 1989 بواسطة انقلاب عسكري نفذه العميد آنذاك عمر البشير بإيعاز من حزب الجبهة الإسلامية بزعامة حسن الترابي، وذلك بعد مذكرة الجيش الشهيرة وخروج الجبهة الإسلامية من الحكم الائتلافي مع حزبَي الأمة والاتحادي الديمقراطي”.
ومضى قائلاً “إذاً فإن مشاركة القوات المسلحة في الحياة السياسية لثلاث مرات كانت بإيعاز وتدخلات حزبية، وفي ذات الوقت نجد أن هذه القوات سبق أن انحازت ثلاث مرات أيضاً للحراك السياسي والثورات الشعبية في البلاد، أولها في ثورة 21 أكتوبر (تشرين الأول) 1964، وثانيها في انتفاضة أبريل 1985، وأخيراً في ثورة ديسمبر (كانون الأول) 2018، حيث وقف الجيش ضد استخدام القوة اتجاه الشعب السوداني، وأعلن انحيازه إلى رغبة الشارع. والآن يشارك الجيش في الحكم إلى جانب المكون المدني ممثَلاً بقوى الحرية والتغيير بموجب الوثيقة الدستورية الموقَعة بين الطرفين في 17 أغسطس (آب) 2019، بالتالي نجد أن مشاركة القوات المسلحة لم تكن برضى ورغبة منها، وإنما نتاج ضغوط وحراكات سياسية لتأمين البلاد”.

مطالب الثورة

وبيّن الباحث السوداني أنه “قانونياً، نجد أن قانون القوات المسلحة السودانية يحظر انتماء الضباط والأفراد العسكريين لأي حزب ويمنع عليهم ممارسة السياسة، فيما يحتم الدستور على هذه القوات حماية الحدود وأمن البلاد القومي، وأن تتدخل عند أي تعد على السيادة الوطنية، مثل حدوث أي اختراق للداخل السوداني أو إهمال في تأمين الشعب وحدود الوطن، وابتعاد التحالفات الخارجية عن المصالح الوطنية، وغيرها من الأفعال التي تؤثر على الأمن الوطني”. وأضاف “أما في ما يتعلق بتصريح البرهان بأن الاستعدادات تجري لخروج القوات المسلحة من الساحة السياسية، فهي تصريحات تتماشى مع خطط ورغبة هذه القوات في عدم الدخول في أي تقاطعات مع الحكم المدني، وهي واحدة من مطالب الثورة الشعبية (مدنية الدولة)، لكن من المعلوم أن بنود الألفية الثالثة تؤكد على رفض الحكم العسكري بأي شكل من أشكاله، وفي الوقت ذاته تعضيد الحكم الديمقراطي. والآن يشهد السودان إقبالاً من قبل المجتمع الدولي لدعمه ومساعدته في هذه المرحلة الانتقالية وصولاً إلى الانتخابات العامة والتحول الديمقراطي السلس، وهو ما يستوجب من القوات المسلحة مناصرة هذه الجهود ومؤازرتها والاحتكام لهذا التوجه”. وقال مجذوب “في نظري لا خوف ولا سلبيات من خروج القوات المسلحة من المشهد السياسي والتنفيذي، فهذه شعارات الثورة السودانية، وكذلك متطلبات العالم إقليمياً ودولياً، وأحد بنود الألفية الثالثة، من أجل تأسيس دولة ديمقراطية بعيدة من كل الإشكاليات التي تُخرج البلاد من الدائرة الجهنمية المتمثلة في حكم عسكري، ثم حكم مدني، ثم إجهاضه بانقلاب عسكري، بالتالي نلحق بركب الدول الأخرى، ولدينا تجارب وأمثلة مشهودة في تركيا، وأميركا اللاتينية، وغيرها، التي تخلصت جميعها من الأنظمة العسكرية”.

مدنية الدولة

في السياق، قال عضو اللجنة المركزية في الحزب الشيوعي السوداني صديق يوسف إن “ما صرح به البرهان لا نأخذه موضع الجد، فقوله يحتاج إلى البيان بالعمل، وأعتقد أن تدخل المكون العسكري في شؤون السلطة التنفيذية الانتقالية كان سبباً رئيساً في تعطيل مهمات فترة الانتقال الحالية، وإذا هناك فعلاً جدية بانسحاب هذا المكون من مسرح السياسة، فلماذا لم يتخذوا هذه الخطوة الآن؟ بخاصة وأن الشارع السوداني ظل يطالب بمدنية الدولة منذ أول يوم لاندلاع ثورة ديسمبر 2018، لكن في الحقيقة أنه ظهر جلياً بالتجربة أن العسكريين ارتكبوا خطأً كبيراً في مشاركتهم في الحياة السياسية القائمة حالياً”. وتابع يوسف، “وضح تماماً بما لا يدع مجال للشك، أن ما يحدث الآن من ترد في الأوضاع الاقتصادية، وفشل السياسات الحكومية، فضلاً عن انعدام الديمقراطية في البلاد، وراءها هذا المكون العسكري، فهو جزء أساسي من هذه الحلقة الضعيفة والحالة المتردية، وأحد أسباب ضعف العمل الثوري وتراجعه الكبير”، لافتاً إلى أن “القوات المسلحة في كل دول العالم ليس لها دور في السياسة، كما أن الاتحاد الأفريقي سبق أن أصدر مرسوماً يمنع ممارستها السلطة في القارة، على أن يتركز دورها على حماية الوطن بعيداً من العمل السياسي، لكن ما يحصل في السودان هو العكس تماماً، فالجيش سلطاته ومهماته معروفة، وأي ممارسة سياسية له تعني أن نظام الحكم شمولي وديكتاتوري”.

عن مصدر الخبر

جريدة اندبندنت البريطانية

جريدة اندبندنت البريطانية