كتابات

عبدالله علي ابراهيم يكتب (سلمية سلمية: بقوة لا بالقوة)

جريدة التيار
مصدر الخبر / جريدة التيار

 

 وقفت عند طبيعة المقاومة التي شنها شعبنا ضد نظام الإنقاذ ناظراً لمأثور القس مارتن لوثر كنق (1929-1968) زعيم حركة الحقوق المدنية للسود الأمريكيين. فلم تكفِ حكومة الإنقاذ، ولدرجة الإملال، عن وصف ثورة ديسمبر بالعنف بينما يخوضها الشعب بوعي مصابر “سلمية سلمية”. وأردت في مناسبة ذكرى الاعتصام الثانية أن نلقي ضوءاً على ثورتنا يفيد في العلم بديناميكيتها معتبرين بسيرة مناضل في مقام القس كنق من أرسى قواعد “سلمية” النضال، ومارسه، واستشهد في سبيله.   

قَلّ أن يذكر القس كنق بغير ذكر تأثير المهاتما غاندي، الزعيم الذي كان طليعة استقلال الهند في 1948، عليه. فقد تبنى القس خطة غاندي في المقاومة السلمية في حين اختارت المقاومة العنيفة حركات معاصرة له مثل القوة السوداء، ومالكوم إكس والفهود السود.

قلت إن خطة غاندي هي المقاومة السلمية. وهي تسمية لم يسعد بها غاندي نفسه في زمانه. ومتى عرضنا لأوجه اعتراضه عليها لربما وقفنا على طبيعة مقاومتنا السلمية للإنقاذ. فغاندي أراد لأسلوب كفاحه ألا يوصف ب”السلمية” أو “اللاعنف”. فالكفاح “السلمي” في قوله تقليد بريطاني جرى وصفه ب”سلاح الضعفاء”. ومأخذ غاندي عليه أنه سينقلب، متى سنحت السانحة للضعفاء، إلى العنف.  غير أن تقليد غاندي في المقاومة السلمية خلاف ذلك رغم أنه قد يستخدم أساليبها من إضراب وتجمهر وهلمجرا.

لغاندي مصطلح لمقاومته هو ال “ساتياقراه”. وقد سأل غاندي الناس أن يسموا نهجه السلمي هذا في مسابقة. وفاز من قال له سَمِها “ساتياقراه”. ويتكون المصطلح من “ساتيا” وهي “الحق” بلغة الهنود و”قراه” وهي “البأس”. ولذا كان معنى المصطلح: “البأس الذي يتولد من التزام الحق والحب والسلم”. فخلافاً للمقاومة السلبية فالساتياقراه لا تتحين فرصة للعنف فتغتنمها. إنها بالأحرى تربية في الشوكة ينشأ بها المرء على أنه ذكي قوي مهاب طالما كان على جادة الحق. وسيبلغ المرء غايته من الحق مُقاوماً جَلِداً وليس بإيذاء الظالم صبراً على النقص في الأنفس والثمرات حتى ينهد عرش الظالمين. أما المرء الذي يتبع المقاومة السلبية، ويتربص بخصمه حتى يقوى على العنف فلن يحقق شيئاً من أمره لأن نفسه ذاتها قد خلت من البأس. فالساتياقراها حسب غاندي سلاح القوي الذي يستبعد العنف بالكلية. واستبعادها للعنف لا يعني ضعفها بل هي شوكة تتولد من الحقيقة والحب واللا عنف. وسماها شوكة الحب وشوكة الروح.      

وجدت التفريق بين الساتياقراها والنضال العنيف في قوله تعالى “يا يحيى خذ الكتاب بقوة” مشتملاً على معنى الساتياقراها الدقيق المطلوب. وقد نبهني إليه الشيخ القاضي علي عبد الرحمن زعيم حزب الشعب الديمقراطي في السودان. فقد دعا أنصاره في 1965 إلى مقاطعة انتخابات ذلك العام. ونهض أنصاره من البادية في شرق السودان بهمة في الأمر، والتحموا بخصوم لهم، وقتلوا منهم جماعة. وعَلِقت تهمة التحريض على القتل بعنق الشيخ القاضي. ومَثل أمام المحكمة. وقال شاهد إنه سمعه يقول لأنصاره قاطعوا الانتخابات بالقوة. فاعترض الشيخ قائلاً لربما لم تسمعني جيداً. فما قلته لهم، متأسياً بالقرءان، أن يقاطعوها بقوة لا بالقوة. وبناء عليه فالفارق بين المقاومة العنيفة أو السلمية ليس في توظيف القوة بل في منزلة تلك القوة: هل هي مما تتنزل في الفؤاد فيصبح بها حديداً غلاباً أم مما تتنزل في الأيدي تنال بها الحق من فوهة البندقية؟

وعودة إلى القس: اجتهد كثيراً للتمييز بين ممارسته السياسية، التي سماها “شوكة المنبر” وبين ممارسة حركة القوة السوداء بأطيافها. وشوكة المنبر من قبيل الدعوة إلى الحق والثبات عنده بالحكمة والموعظة الحسنة. فبرغم أن القس كنق وافق القوة السوداء في وجوه عديدة من وجوه قناعاتها مثل فساد النظام الأمريكي في جوهره، والطبيعة الإمبريالية لحرب فيتنام، وصواب فكرة العزة بالسواد، إلا أنه لم يكُف عن القول إن حركة القوة السوداء حركة عدمية. وأراد بذلك أنها خلو من برنامج جاذب بَنّاء تستبدل به النظام الفاسد متى أنهار على عرشه. فكنق إعتقد أن حركة القوة السوداء سلكت سكة فرانز فانون الطبيب النفس الثوري المارتنيكي صاحب كتاب “معذبو الأرض” وكتب أخرى ألهمت غضبة الستينات المعروفة. ومما أخذه كنق على فانون قوله إن الثوري يتطهر من رجس الخنوع متى سلك طريق العنف لرد المظالم. فالكائن الواقع تحت الاستعمار، بحسب فانون، لا يتحرر إلا بالعنف وعن سبيله. وكان كنق على خطة غاندي كما تقدم في النهج السلمي في رد الظالم.

إذاً أنصفت الإنقاذ شباب السودان في ثورته، كما لم تنصفه خلال اصطباره الأبدي عليها، لقالت إنهم، ما شاء الله، قاوموني بقوة لا بالقوة. فجسدوا الساتياقراه بنبل وفدائية. إنهم “البأس الذي يتولد من التزام الحق والحب والسلم”. 

 

المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

جريدة التيار

جريدة التيار

أضف تعليقـك