السودان الان

تمديد وتحديات قرار مجلس الأمن بالتمديد لقوات (مينوس) في جنوب السودان لعام آخر؛ يعكس أن الأوضاع الأمنية بالجنوب مازالت خارج السيطرة؛ في وقت تستؤنف فيه المباحثات بين جوبا وباقي الفصائل المتمردة في كينيا، بجانب عدم استكمال بنود مهمة من اتفاق السلام بين سلفاكير ومشار.. فإلى أي مدى يمكن للخرطوم أن تقوم بدور للوساطة في الجنوب يٌمكنه من الوصول إلى سلام شامل؟

مصدر الخبر / صحيفة اليوم التالي

 

القاهرة: صباح موسى

في الوقت الذي وافق فيه مجلس الأمن الدولي على إنهاء مهمة بعثة الأمم المتحدة المشتركة مع الاتحاد الأفريقي لحفظ السلام في دارفور؛ على انتهاء مدتها في 31 ديسمبر الماضي، وتبنى المجلس القرار 2559 الذي ينهي عمل (يوناميد)، ويسلم مسؤولياتها في حفظ السلام والأمن في دارفور للحكومة الانتقالية في السودان، وإنهاء المهمة التي تم نشرها منذ عام 2007 ووصل عدد أفرادها الى 16 ألفاً ، وجاء بطلب من حكومة السودان وبتوصية من الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة، سمح المجلس بتمديد مهمة حفظ السلام في جنوب السودان (مينوس)، دون تغيير في عدد هذه القوّة، حتى 15 مارس 2022. فهل يعكس ذلك أن الأوضاع الأمنية في دارفور أصبحت أكثر استقراراً من جنوب السودان الذي يعيش مرحلة انتقالية هو الآخر؛ بعد توقيع اتفاق السلام بين الرئيس سلفاكير ميارديت ونائبه رياك مشار، على أثره تم تشكيل الحكومة في الجنوب قبل عام من الآن؟

تمديد المهمة
مجلس الأمن الدولي – وافق قرار التمديد في جنوب السودان الأيام القليلة الماضية – أعرب عن استعداده للنظر في إجراء تعديلات على مستويات قوات (مينوس)، ومهامها على أساس الظروف الأمنية على الأرض، وأشار إلى وضع سلسلة معايير يتوجب على السلطات التزامها، بما في ذلك إيقاف أي عقبة تواجه العمل الذي تؤديه القبعات الزرق في البلاد، وأكد المجلس في قراره أن تفويض (مينوس) يستند إلى رؤية استراتيجية على مدى ثلاث سنوات تهدف إلى منع عودة الحرب الأهلية في جنوب السودان، وإحلال سلام دائم محلياً، وعلى الصعيد الوطني، ودعم حوكمة شاملة وإجراء انتخابات حرة ونزيهة وسلمية.

جولة جديدة
وفي الوقت الذي أعلن فيه مجلس الأمن تمديد مهمة قواته (مينوس)؛ واصلت حكومة جنوب السودان جولة جديدة من مباحثات السلام مع فصائل رافضة للتوقيع على اتفاق السلام، وهي الحركة الشعبية الأصل بقيادة باقان أموم أوكيج، والجبهة المتحدة بقيادة فول ملونق أوان في كينيا، وبعد يوم من المحادثات، (الثلاثاء) الماضي وقعت حكومة جوبا والفصيلان المعارضان وثيقة التزام بوقف أعمال العنف ضد المدنيين. وقال بيان صادر عن الطرفين: لقد اتفقت الحكومة الانتقالية والحركة الشعبية الأصل إلى جانب الجبهة الشعبية المتحدة على الالتزام بإعلان روما الموقع في يناير 2020 إلى جانب وثيقة إعلان المبادئ الموقعة في فبراير 2020، وتعهدوا بالابتعاد عن جميع أشكال العنف ضد المدنيين.

وقف القتال
وأعلن برنابا مريال بنجامين؛ رئيس وفد الحكومة لمباحثات السلام؛ التزام الحكومة بوقف الحرب والاقتتال وتحقيق السلام لشعب جنوب السودان، في ظل ضغوط دولية للتوصل لاتفاق سلام شامل، وأضاف برنابا – في تصريحات صحفية من مقر المفاوضات في كينيا الأسبوع الماضي – سنبذل قصارى جهدنا من أجل تحقيق السلام ووقف معاناة شعب جنوب السودان، وكانت مجموعة الأزمات الدولية قد طالبت – الشهر الماضي – المجتمع الدولي بالضغط على الحكومة والمعارضة المسلحة في جنوب السودان للجلوس على طاولة التفاوض، ووقف أعمال العنف والقتال التي يشهدها إقليم الاستوائية، محذرة – في الوقت نفسه – من أن عدم استقرار الأوضاع في الاستوائية سيقود إلى انهيار عملية السلام برمتها. من جهتها؛ أكدت جمعية سانت إيغيدو التابعة للكنيسة الكاثوليكية؛ والتي تتوسط في مباحثات السلام بين الحكومة والمعارضة، أن أطراف المباحثات توافقت على معظم القضايا السياسية التي تم طرحها منذ انطلاق جولة نيفاشا الكينية الأسبوع الماضي، موضحة أن الأطراف ستوقع على وثيقة إعلان المبادئ في القريب العاجل.

شبح الحرب
في الوقت نفسه؛ وبعد عام على تشكيل حكومة الوحدة الوطنية في جنوب السودان، ما زال شبح الحرب الأهلية ماثلاً، والذي مازال يعاني من نزاعات على رأس السلطة نفسها، وذلك لعدم تنفيذ بنود مهمة من اتفاق السلام الذي وقع في 22 فبراير 2020، وتحت ضغط دولي؛ وبعد عام من المفاوضات والمماطلة بين سلفا كير ورياك مشار بالحكم معاً، للمرة الثالثة منذ استقلال البلاد في 2011، على أن يكون الأول رئيساً والثاني نائباً للرئيس، لكن بعد مرور عام، فالبرلمان لم يجتمع وما زالت هناك مناصب وزارية تثير خلافات، ولم يتم توحيد قوات كل من كير ومشار في جيش واحد مشترك، وفق الترتيبات الأمنية المنصوص عليها في الاتفاق، وسط تحذيرات دولية من أنه مع مواصلة الرجلين قيادة قواتهما يمكن أن تنزلق البلاد إلى الحرب بسرعة، كما تعاني المراكز التي كان يفترض أن تضمن تدريب القوات من نقص كبير في الأغذية والأدوية، بينما فر عدد كبير من الجنود الحكوميين والمتمردين، علاوة على اشتداد الحرب في جنوب خط الاستواء، حيث تقاتل القوات الحكومية المتمردين الذين يرفضون عملية السلام، وتتصاعد الاشتباكات بين المجموعات السكانية في العديد من الولايات التي انتشرت فيها الفوضى بانتظار أن يتفق في جوبا المعسكران المتناحران على تعيين حكام.

أزمة إنسانية
وبجانب عدم استقرار الأوضاع الأمنية في جنوب السودان وصلت الأزمة الإنسانية إلى مستويات كارثية؛ حيث يحتاج أكثر من 8.3 ملايين شخص، أي حوالي ثلاثة أرباع السكان، إلى مساعدات عاجلة، وفقاً لاتحاد المنظمات غير الحكومية العاملة في البلاد، وبحسب ما أوردته وكالة بلومبرج للأنباء، قال منتدى المنظمات غير الحكومية، الذي يضم 414 منظمة وطنية، و119 منظمة دولية غير ربحية، في بيان عبر البريد الإلكتروني، إن أجزاء من البلاد وصلت لحالة حرجة بسبب استمرار العنف، بالإضافة لعامين من الفيضانات التي أدت إلى أسوأ نقص في الغذاء خلال السنوات القليلة الماضية، ووفقاً للبيان فإن مصدر القلق الأكبر هو أنه من المتوقع أن يصل أكثر من 100 ألف شخص إلى مستويات (كارثية) من انعدام الأمن الغذائي خلال الأشهر المقبلة، ويصبحوا معرضين لخطر الموت جوعاً، وسوء التغذية والأمراض ذات الصلة. وتقول الأمم المتحدة إن أكثر من ألف شخص قتلوا وخطف 400 آخرون في نزاعات بين مجموعات سكانية بين مايو ونوفمبر 2020 لا سيما في ولايتي واراب (شمال) وجونقلي (شرق)، وحذر المبعوث الخاص للأمم المتحدة لجنوب السودان ديفيد شيرر قائلاً نخشى أن يؤدي بطء الإصلاحات المقررة في اتفاق السلام إلى تفاقم الوضع، بينما يتدخل أطراف على المستوى الوطني بأعمال العنف المحلية ويغذونها.
إلى جانب العنف عانى المدنيون من الجفاف والفيضانات وغزوات الجراد التي دمرت المحاصيل.

تطمينات للشارع
ورأى مراقبون في خطوة استئناف المفاوضات؛ محاولة لبث بعض التطمينات للشارع في جنوب السودان والمجتمع الدولي، خاصة بعد فشل الأطراف الموقعة على الوثيقة خلال الفترة الماضية في احترام وثيقة وقف العدائيات بينهما، بل إن القتال لا يزال مستمراً في مناطق عديدة بإقليم الاستوائية الواقع جنوبي البلاد، كما أثارت المباحثات بين الطرفين، الكثير من التساؤلات حول إمكانية إتمام عملية السلام بجنوب السودان مع الحركات غير الموقعة، والتي يبلغ عددها ثلاث حركات، وهم الحركة الشعبية الأصل بقيادة باقان أموم، والجبهة الشعبية المتحدة بقيادة ملونق أوان، وجبهة الخلاص الوطني بقيادة الجنرال توماس سريك أوساكا.

وجود تحديات
رغم تفاؤل الخبراء من الوصول إلى التوقيع على اتفاق سلام بين الطرفين، وذلك في ظل الضغوط الأخيرة التي تمارسها جهات دولية مثل الاتحاد الأوروبي ومجموعة الأزمات الدولية، وفي ظل الاتصالات المكثفة بين الحكومة وفصيلي باقان أموم، وبول ملونق، والتفاهمات الكبيرة التي حدثت على الأرض بجلسات سرية أفضت – في نهاية المطاف – للتوقيع على مسودة روما لوقف إطلاق النار وتجميد العدائيات وخارطة طريق، إلا أن بعض الخبراء تحدثوا عن وجود بعض التحديات التي قد تواجه مباحثات نيفاشا، تتمثل في عقبة المشاركة في السلطة، لأن المباحثات جاءت في وقت فرغت فيه الأطراف بالداخل من تقسيم السلطة ولم يتبق إلا البرلمان ومجالس الولايات، لافتين إلى أن المباحثات لن تقود لتحقيق السلام الشامل بسبب غياب الجنرال توماس سريلو؛ الذي يقود فصيل جبهة الخلاص الوطني، لأن هذه المجموعة تتمتع بثقل عسكري كبير عن الجلسات الجارية في كينيا، وأن غياب هذا الرجل يمكن أن يقود لفشل أي جهود للتسوية السلمية بسبب ضعف فصيلي باقان وملونق، وافتقادهما للقوة العسكرية التي يمكن أن تجبر النظام في جوبا على تقديم تنازلات سياسية.

مباحثات نيفاشا
المباحثات التي استؤنفت الأسبوع الماضي بمدينة نيفاشا الكينية جاءت بعد أن تم تأجيل الجولة التفاوضية لعدة مرات خلال الأشهر الثلاثة الماضية، وفي يناير الماضي، اقترح مسؤول أفريقي نقل مباحثات روما بين الحكومة الانتقالية بجنوب السودان والفصائل الرافضة لاتفاق السلام لواحدة من الدول الأفريقية، وفي 2019 انطلقت في العاصمة الإيطالية روما مباحثات للسلام بين الحكومة ومجموعة من الفصائل الرافضة لاتفاق السلام في جنوب السودان؛ بقيادة توماس سريلو رئيس حركة جبهة الخلاص وفول ملونق أوان رئيس الجبهة المتحدة، وفاقان أموم أوكيج رئيس الحركة الشعبية، وجرت المباحثات بوساطة من جمعية سانت أيديغو التابعة للكنيسة الكاثوليكية، بهدف إلحاق تلك المجموعات بعملية السلام.

مصير مشترك
ويبقى أن حكومة جنوب السودان التي تلاقي نفس تحديات المرحلة الانتقالية في السودان، قد قامت بمجهود كبير في الوساطة بين الحكومة الانتقالية بالسودان والجبهة الثورية، ونجحت في توقيعهما على اتفاق سلام في أكتوبر الماضي تحت ضيافة سلفاكير ودولة الجنوب، وكان قد توسط محمد حمدان دقلو (حميدتي) نائب رئيس مجلس السيادة الانتقالي بين سلفاكير ومشار الموقعين على اتفاق سلام بينهما بأديس أبابا عام 2018 في الخلاف الذي كان بينهما حول تشكيل الحكومة، ونجح في ذلك أيضا، ويبدو أن دولتي السودان وجنوب السودان هم الأقرب لبعضهما البعض على مستوى الجوار الإقليمي، وأن كل طرف يعرف تماماً التحديات السياسية والأمنية التي تواجه الآخر، بحكم أن البلدين كانا بلداً واحداً قبل عشر سنوات من الآن، ومن الواضح أن النوايا للوصول إلى اتفاق سلام متوفرة في الدولتين، إلا أنها قد تواجهها عقبات وقت التنفيذ على أرض الواقع، ويمكن لكل طرف مساعدة الثاني في الوصول إلى استقرار شامل ببلاده، ومن ثم ينبغي على السودان الدخول بقوة لمزيد من الوساطة في جنوب السودان سواء بين مكونات الحكومة نفسها، أو بينها وبين الفصائل التي لم توقع على السلام، كما ينبغي أن يتفهم الجانبان أن أمنهما القومي مرتبط ببعضهما البعض، وأن أي تدخلات دولية ربما لا تفيد أكثر من ضررها، وعلى جوبا والخرطوم أن تنظر كل منهما إلى تحديات الأخرى وتساعدان معاً في تذليل هذه العقبات من منطلق المصير الواحد والمستقبل المشترك.

المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

صحيفة اليوم التالي