السودان الان

في الطريق نحو العبور والانتصار يحتاج السودانيون لإنجاز العدالة الانتقالية كأحد أهم مطلوبات إنهاء المرارات السابقة وتصفية النفوس من ما علق بها من أدران النزاع المتطاول؛ فهل ينجحون في ذلك ؟ (التحدي الأكبر)

مصدر الخبر / صحيفة اليوم التالي

الخرطوم ” الزين عثمان

يصفها البعض بقوله إنها ليست حكومة الثورة بل هي حكومة ما بعد الثورة، بالنسبة لأخرين فإن حكومة حمدوك والبرهان ليست حكومة مدنية وإنما هي حكومة شراكة افترضتها ظروف ما بعد فض الاعتصام؛ هي (التسوية) التي وجد الجميع أنفسهم مجبرين للخضوع لها؛ لكن كل هذه الاختلافات تنتهي عند نقطة واحدة، وهي توصيف الحكومة بأنها حكومة انتقالية أعقبت سقوط نظام الرئيس المخلوع عمر البشير، ويجب عليها تحقيق (الصعود) فوق إخفاقات الماضي ومراراته، وتمهيد التربة السودانية من أجل زراعة ثمرة التحول الديمقراطي؛ الذي يفضي الى الاستقرار السياسي الاقتصادي والاجتماعي، وقبل ذلك تحقيق المصالحة بين المكونات كافة.
1
حسناً.. في الطريق نحو المصالحة يحتاج السودانيون إلى ضرورة إنجازات ما اصطلح على تسميته: العدالة الانتقالية؛ كأحد أهم مطلوبات إنهاء المرارات السابقة وتصفية النفوس من ما علق بها من أدران النزاع المتطاول الذي انتهى قبل عشر سنوات لانفصال جنوب السودان، في ذات الوقت الذي كانت نيران الحرب تستعر في المنطقتين ودارفور، مقروناً ذلك بمعاناة آخرين في جغرافية السودان الكبير، وهو أمر يرده الكثيرون إلى سياسات النظام المخلوع الذي ظل يستثمر في تفرقة المكونات السودانية من أجل ضمان استمراره في حكمهم، وهو عهد انتهى بحلول الحادي عشر من ابريل؛ حين أعلن سقوط البشير وحكومته، مما يعني انتصار ثورة من كانوا يحتلون الشوارع بهتافات مطالبتهم بالسلام – الحرية والعدالة يستظلون تحت هتاف ثورتهم الأشهر (يا عنصري ومغرور كل البلد دارفور).
2
بالطبع فإن متابعة مشهد الحراك السياسي السوداني ما بعد الثورة يمكن تصنيفه إلى حقبتين: حقبة حكومة الثورة الأولى، والحقبة الثانية التي أطلق عليها حكومة السلام؛ والتي جاءت كمخرجات موضوعية لاتفاقية سلام جوبا التي تم توقيعها بين الحكومة الانتقالية وبين مكونات الجبهة الثورية في مساراتها الخمسة، والتي تم على أساسها إدخال تعديلات على الوثيقة الدستورية؛ مما جعل للاتفاقية الحاكمية، وجعل من الحكومة التي تم تشكيلها مؤخراً؛ مجرد أداة لتنفيذ ما تم التوافق عليه في اجتماعات فنادق عاصمة جنوب السودان المتطاولة، ومن المطلوبات ساعتها كان ضرورة تحقيق العدالة الانتقالية مع التأكيد على أن العدالة نفسها كانت أحد مطلوبات الثورة التي تفقد معناها إن لم تنجح في إزالة المظالم.
3
من ضمن هياكل السلطة الانتقالية المنتظر أن يتم إكمالها المفوضيات والتي تشمل – في ما تشمل – مفوضية للعدالة الانتقالية التي يقول عنها المحلل السياسي وأستاذ العلوم السياسية بجامعة النيلين الدكتور عوض احمد سليمان إنها تمثل رأس الرمح في سبيل تحقيق أهداف وغايات الثورة؛ والتي انطلقت أساساً كعملية قطيعة تامة بين ما جرى في سودان السنوات الماضية وبين ما يجب أن يحدث في سودان الثورة، يردف عوض في حديثه لليوم التالي: أن أهمية تحقيق العدالة الانتقالية تتجاوز فكرة إنصاف الضحايا؛ بالرغم من أهمية هذا الأمر لإعلاء قيمة الرغبة في التعايش المشترك مستقبلاً، كما أن بتحقيق العدالة الانتقالية يمكن العبور نحو معالجة القضايا الأخرى.
4
وأقر اتفاق جوبا للسلام وثيقة للعدالة الانتقالية وجبر الضرر، وهي من القضايا التي لم يأخذ التوافق عليها وقتاً طويلاً وهو ما اعتبره عضو مجلس السيادة والناطق الرسمي لوفد السلام الحكومي محمد الحسن التعايشي تعبير عن توافر الإرادة من أجل إعادة بناء الوطن على أسس جديدة، وبالطبع فإن ملف العدالة والانتقال في مسار دارفور تحديداً؛ يرتبط بضرورة حصول الضحايا على العدالة ومعاقبة المتورطين في الحرب التي امتدت لعقد ونصف من الزمان، مما يفرز – بدوره – تساؤلات حول آليات تحصيل العدالة والمحاكم. هل سيتم الأمر بالداخل أم تسليم الجناة للمحكمة الدولية في لاهاي، والتي بدأت مسيرتها بتوقيف كوشيب أحد المتهمين، بينما تمضي خطوات تسليم الآخرين على قدم وساق في انتظار اكتمال تفاصيلها الأخيرة.
5
وبحسب الناشط المدني ومدير مركز الخاتم عدلان للاستنارة الباقر العفيف، يشكّل نقل كوشيب إلى لاهاي خطوة مهمّة في البحث عن العدالة والمساءلة على الساحة العالمية، في وقت ما زالت الأسئلة مطروحة حول عملية العدالة الأوسع في السودان. وفي الوقت الذي تتعاون فيه الحكومة الانتقالية مع المحكمة الجنائية الدولية على التنسيق للمحاكمات في المستقبل، من المهم التذكّر أنّ التغيير الطويل الأمد يفرض على السودان تخطّي المحاكمات الدولية، عبر الاستفادة من الوضعَين السياسي والاجتماعي الداخليَّين الراهنَين؛ للحثّ على الإصلاح المؤسّساتي ويطالب العفيف بضرورة أن تمضي استراتيجية داخلية اجتماعية لإقرار العدالة الانتقالية، مستفيدة من البيئة المتاحة، وتقوم بتوظيف الإمكانيات، ورصيد الثورة نفسها في سبيل انجاز هذا الهدف عبر الجداريات وغيرها، الأمر الذي يتطلب المحاكمات والتعويضات ولجان تقصّي الحقائق ومبادرات المصالحة ونشاطات تخليد الذكرى.
6
يفسر كثيرون مغادرة رئيس تنظيم مجلس الصحوة الثوري موسى هلال لمحبسه بعد ثلاث سنوات من السجن أنه يأتي في سياق تمهيد التربة الدارفورية للمصالحة، وهي خطوة يمكن البناء عليها في الطريق نحو المستقبل، لكن الأمر بالنسبة لآخرين لا يبدو كذلك، المصالحة بين رئيس مجلس الصحوة والنائب الأول لرئيس مجلس السيادة عند فريق ثانٍ هي مجرد تصالح بين من اوردوهم المهالك ومعسكرات النزوح، في وقت سابق من خلال تنفيذهم لما يطلبه نظام التصفية العرقية وفقاً لتعريفهم، وبالتالي فإن الأمر هنا لا يمكن أن يستقيم ولن يحقق طموحات الطرف الآخر في العدالة التي تتطلب أن يدفع كل متورط فاتورة ما اقترفت يداه في الوقت السابق؛ لكن في ذات الوقت الذي تخرج فيه مثل هذه التصريحات فإن قيادات حركات الكفاح المسلح ممن واجهوا هلال ساعة تمثيله للحكومة يهبطون في منزله يباركون له سلامة الخروج ويمدون أياديهم بيضاء من أجل قطف ثمار المستقبل لسودان تتحقق فيه العدالة ويعبر مرحلته تلك نحو مراحل أخرى.
7
لا يفتأ رئيس مجلس وزراء الحكومة الانتقالية عبد الله حمدوك يكرر ضرورة تحقيق العدالة باعتبارها مطلوباً ثورياً في المقام الأول وباعتبارها ايضاً الأساس الذي يمكن البناء عليه في الطريق نحو العبور والانتصار في لقاءاته مع لجان المقاومة؛ يؤكد على اهتمام حكومته بملف العدالة وأنه لا تراجع ولا تنازل عن تحقيقها، وهو ذات الأمر الذي كرره مع أسر الشهداء، ليست في ثورة ديسمبر وحدها وإنما كل الذين سقطوا في مسيرة مقاومة النظام المخلوع، لكن إعلان الحكومة عن تحقيقها للعدالة تقابله في الجانب الآخر رؤية الشارع الذي يرى أن الحكومة غير جادة في هذا السياق، وأن الطريق لإنجاز العدالة يبرز في مؤسسات تحقيقها، وهي المؤسسات التي تعاني من مجموعة من المشكلات، مقروناً ذلك ايضاً بما يرى فيه الشارع تطاولاً للجان التحقيق التي يبدو أنها مجرد آليات لشراء الوقت لا أكثر ولا أقل، عليه فإن الطريق يجب أن ترصفه الحكومة في المقام الأول وبعدها يأتي دور الشعب.
8
بالرغم من أنها مطلوب على درجة كبيرة من الأهمية في راهن السودان إلا أن عملية الوصول إلى العدالة الانتقالية في الوقت الراهن أمر تعترضه مجموعة من الصعوبات ، بعضها يتعلق ببنية السلطة وتعاطيها مع العدالة نفسها، أمراً عبر عنه بصراحة والد الشهيد عبد الرحمن الصادق (الصادق سمل) الرجل الذي لطالما اعتبر أن وفاة ابنه والآخرين يجب أن تكون هي القربان الذي يجرد السلطة من آليات قتلها المصوبة نحو الشعب، وكذلك الثورة لكن الأمر لا يبدو كذلك، فبعد الثورة لم نفعل أكثر من استبدالنا قاتلاً بآخر، ووجدنا أنفسنا في مواجهة سلطة آخر ى ما يحرك ساكنها دماء الشعب، ويدلل على ذلك بأن الوفود الرسمية هبطت على جناح السرعة في بنك الخرطوم من أجل متابعة قرار تنفيذ سياساتها النقدية المتعلقة بالتحويلات المالية، بينما ذات السلطة لم يفتح الله بصيرة أفرادها للوصول إلى مشرحة ود مدني لمعرفة مصير وهويات من دفنوا بلا هوية؛ لا يمكننا تحقيق انتقال إلا بالوصول إلى صيغة مفادها أن دم السوداني حرام، وأن روحه أغلى من كل أموال الدنيا. السلطة التي لا تفعل ذلك تبدو مثل الذي يسير في الشارع عارياً ولا شيء يمكن ان يستر عورته.
9
ايضاً من العوامل التي بإمكانها التأثير سلباً على عملية العدالة الانتقالية هي بنية السلطة الراهنة، والتي تقوم على الشراكة بين المدنيين والعسكر، خصوصاً وان كثيرين يشيرون بأصابع الاتهام نحو عضوية المجلس العسكري الانتقالي بالولوغ في دماء من ماتوا ساعة فض الاعتصام، وهم أنفسهم الذين تحولوا ليصبحوا أعضاء في مجلس السيادة الانتقالي يطاردون من يتهمونهم بفض الاعتصام في المحاكم، المفارقة أن هؤلاء هم من قام بالتوقيع على اتفاقية السلام التي نادت بضرورة تحقيق العدالة الانتقالية، وأن عليهم أيضاً القيام بتنفيذ هذا الأمر،
بينما يبرز معوق آخر قد يقف حجرة عثرة أمام تحقيق العدالة الانتقالية في إحساس مجموعات إقليمية أخرى في البلاد؛ بتهميشها لصالح أقاليم أخرى، وهو ما بدأ يظهر جلياً في مطالب من اهل الشمال والوسط والشرق؛ ممن يرون في مخرجات اتفاق جوبا ظلم بين لهم، وأن عليهم أن يدفعوا فاتورة إسقاط نظام البشير؛ مثلما دفعوا مع الآخرين فاتورة بقائه، وهو ما لا يمكن تصوره واحتماله في آن واحد.

المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

صحيفة اليوم التالي