السودان الان

بعد ثلاث سنوات؛ يغادر هلال محبسه، وتتابع الأسئلة حول التسوية في المستقبل، وهل انتهت (الاسطورة) التي صنعتها الحكومة التي خلعها الشعب؟، وفي كل الأحوال انتم في مواجهة زعيم مثير للجدل. (قصة موسى )

مصدر الخبر / صحيفة اليوم التالي

الخرطوم ” الزين عثمان
نهار الأحد الخامس والعشرون من نوفمبر للعام 2017 بدت (مستريحة) وكأنها تضيق بشيخها زعيم المحاميد؛ يجلس وسط مناصريه وهو يتلقى العزاء في رحيل والدته..
كان وقتها قلب موسى خالياً مما يمكن أن يحدث، فلا أحد كان يمكنه الجزم برسم تفاصيل مشهد للمنطقة ساعتها، ولم يكن أحد يتصور أصوات البنادق وهي تحيل هدوء خيمة العزاء إلى صخب، كانت خاتمته مزيداً من الصخب. وسنوات قضاها الرجل وأربعة من ابنائه خلف جدران سجن النظام الذي صنع أسطورة هلال، وقدم له موسى كل ما يستطيع إليه سبيلاً.
في العام 2019 سقط النظام لكن ظلت القيود ملتفة حول معصم الرجل ومناصريه من منسوبي مجلس الصحوة الثوري، حتى عقب نجاح الثورة؛ والتي صعدت هي بأسهم قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان حميدتي إلى منصب الرجل الثاني في مجلس السيادة وهو الرجل الذي يمثل غريماً لهلال، وهو ما جعل الجميع يؤكدون أن موسى خلف القضبان تنفيذاً لرغبة حمدان، ورغماً عن أنف النداء : حرية سلام وعدالة
1
حسناً… يوم الخميس كان الجميع على موعد مع تغيير جديد في المشهد، موسى من ضيق الزنزانة الى رحاب الحرية، الإبل في انتظار وصول الشيخ إلى منزله في أركويت من أجل ان يتم ذبحها كرامة وسلامة لمغادرة هلال ورفاقه محبسهم، وهو ما يعني تدشيناً لمرحلة جديدة في سودان يطلق عليه البعض سودان العدالة الانتقالية، سودان يمكن ان تكتب فيه صفحة جديدة بدأها هلال نفسه بتصريحاته (لم أخرج لأنتقم) وهي ذات العبارة التي تعيد الجميع الى الماضي متسائلين ممن يريد هلال الانتقام ؟ وهي الإجابة التي يمكن تحصيلها من خلال متابعة حكاية موسى نفسه، الحكاية التي تحتوي على درجة كبيرة من المفارقات، فموسى غادر السجن بأمر من الحكومة للاستفادة منه في الصراع الدارفوري، وعاد إليه محمولاً فوق ذات سيارات الحكومة.
2
في العام 1961 وفي مستريحة التي كانت تسمى دامرة الشيخ ولد موسى، الرجل الذي ارتبط اسمه في الغرب بزعيم الجنجويد الذين جندتهم الحكومة لكنه هو والنظام الذي جنده كانوا ينكرون هذه الصفة، وبعيداً عن الحقيقة وإنكارها فإن ما لم يكن العبور فوقه هو أن هلال صار (اسطورة) دارفورية صنعتها الحكومة قبل أن تضع قوات الدعم السريع في نوفمبر 2017 آخر فصولها؛ حين وضعت الأغلال في يد الرجل وحملته أسيراً إلى الخرطوم.
حسناً.. فكرة الانتقام استدعتها ظروف اعتقال الرجل يومها، والمواجهات ما بينه وقائد قوات الدعم السريع النائب الأول لرئيس مجلس السيادة حميدتي والذي خرج في ذات يوم الاعتقال ليصف هلال بالمغرور؛ والذي لم يقدر الخدمات التي نالها من الحكومة التي فكت عنه قيود السجن ومنحته السلطة والثروة والسلاح، وحين سأله الطاهر حسن التوم يومها: هل سيقابل موسى؟ رد بالنفي والاستنكار معاً، وهو أمر يبدو منطقياً حينها، لأن الرجل وبحسب ما نقلت الأنباء كمن لقوات الدعم السريع واغتال 15 رجلاً على رأسهم العميد عبدالرحيم جمعه عبدالرحيم قائد القوات حينها.
3
المتتبع لمسيرة زعيم المحاميد، إحدى أكبر البطون في مجموعة الرزيقات، يكتشف أنه قد صعد إلى إمارة المجموعة في العام 1985، عقب وفاة والده المحسوب ساعتها على حزب الأمة، ولكنه اختار طريقاً غير ذلك الذي مشى فيه والده، في الفترات الأولى
واجه هلال أولى متاعبه مع السلطة في ديسمبر 1989، عندما قررت لجنة الأمن الإقليمي في الفاشر بالإجماع تعليق زعامته للمحاميد، متهمة إياه على حد تعبير الحاكم في ذلك الوقت، التيجاني سيسي، بالتحريض على الكراهية وإشعال الصراع القبلي. وبعد ذلك بثلاث عشرة سنة، أبعده الجنرال إبراهيم سليمان من دارفور للسبب نفسه.
تقول بعض المصادر إنه كان بسجن بورتسودان، وأخرى تشير إلى أنه كان قيد الإقامة الجبرية قبل اندلاع العنف بدارفور، ومن ثم أطلق سراحه. فيما يؤكد كثيرون على أن صعود الرجل إلى التأثير بدأ عقب اندلاع التمرد في عام 2003 في دارفور، وأنه كان أحد السباقين في تلبية نداء الحكومة في تكوين منظومات للدفاع الشعبي لتواجه حراك النشاط المسلح للحركات في ذلك التوقيت.
4
كان نشاط هلال في مواجهة التمرد مدخلاً لفرض عقوبات أممية عليه، تعلقت بحظره من السفر وتجميد أمواله قبل أن يرفع عنه الحظر لاحقاً ، بعدها صار الزعيم القبلي ركناً أساسياً من أركان تثبيت الحكومة والدفاع عنها، وهو الأمر الذي دفع برئاسة الجمهورية لاستيعابه في منصب المستشار بديوان الحكم الاتحادي، قبل أن يلتحق الرجل بعدها بعضوية البرلمان كنائب منتخب من دائرته، وهو المشهد الذي يرسم بدوره التحولات في مشهد الرجل من زعيم قبلي إلى رجل سياسة يملك السلطة والمال في آن واحد، وربما يقوم بتوظيفهما في مواجهة من صنعوه. وهو امر حدث بالفعل في وقت لا يستبعد كثيرون خروجه الأخير بأنه يأتي في سياق صفقة أخرى مع المجتمع الدولي، يتحول بموجبها هلال لشاهد ملك في محكمة الجنائيات الدولية التي تنظر الآن القضايا المتعلقة بالعنف والتطهير العرقي والتصفية أثناء الحرب في الإقليم.
5
لاحقاً بدأ الصراع بين الحكومة المركزية وهلال الذي أصبح صهراً لإدريس ديبي، رئيس تشاد ، يتخذ أبعاداً جديدة ومختلفة، فلم تعد وظيفة المستشار والبرلماني تكفي طموح الرجل الذي بدأ يرفع مطالب جديدة تعلقت بإعادة تقسيم السلطة على أسس جديدة. حكومة الرئيس المخلوع البشير توصلت معه إلى تسوية سياسية حول قضايا تقاسم السلطة والثروة وفقاً لمعايير التعداد السكاني لدارفور، قائلاً: “إذا رفضت الحكومة مطالبنا فإن الخيارات أمامنا مفتوحة”. خطوة جاءت بعد أن قام الزعيم القبلي بتوجيه نقد لاذع للحكومة في تسجيل صوتي منسوب له في الخامس من سبتمبر،2017 حيث هاجم الحكومة واتهمها بالفساد وممارسة الإقصاء والتهميش وتجييش القبائل بدارفور، قبل أن يعود الرجل لينفي التسجيل المنسوب إليه والذي حوى هجوماً شخصياً على بعض قيادات السلطة، وهو ما اعتبره البعض تلويحاً من زعيم تيار (الصحوة) بإمكانية تحالفه مع الحركات المسلحة ضد المركز، وهو ما حدث بالفعل حين مضى تيار هلال في توقيع مذكرات التفاهم مع معظم القوى السياسية، لدرجة أن التيار وقع على إعلان الحرية والتغيير الذي أسقط حكم البشير.
6
عقب غضبته الأولى، ينتهي الأمر بهلال للانحناء للعاصفة والعودة مرة أخرى عقب لقاء جمعه بالقيادي في الحزب المحلول إبراهيم غندور في مدينة الجنينة، وترك الرجل بعدها البقاء في أوساط جنوده في منطقة كبكابية، لكن عودة هلال إلى المركز لم تكن تكفي لنزع فتيل المواجهات المشتعلة بينه وبين والي شمال دارفور السابق، عثمان كبر، وهي المواجهات التي راح ضحيتها عدد من المواطنين، وكان مسرحها جبل عامر الغني بالذهب. وتقول مصادر: إن موسى هلال يسيطر على الجبل، وهو ما دفع به إلى الدخول في مواجهة مع وزارة المعادن. لم ينتهِ جدل جبل عامر الذي وصل إلى البرلمان، وتحدث البعض عن وجود أجانب في الجبل الذي كانت تسيطر عليه قوات هلال، وانتهت معركة (كبر- هلال)، بانتصار هلال وغادر كبر منصب الوالي، لكن مؤكداَ أن معارك هلال لم تنتهِ بعد.
الجبل الذي أل في آخر المطاف لشركة الجنيد التي يديرها عبد الرحيم دقلو شقيق حميدتي. قد يقود إلى فهم آخر لسياق معركة موسى التي انطلقت في الأساس احتجاجاً على وضع قوات حرس الحدود التي يتزعمها تحت إمرة قوات الدعم السريع التي يقودها حميدتي الذي تمت ترقيته وتكليفه بملف نزع السلاح في دارفور.
7
اندفع هلال في مقاومته لسلطة المؤتمر الوطني الذي صنعه، مدفوعاً من غضبته بسبب تفضيل الأخيرة قائد قوات الدعم السريع عليه، ووضعه في مصاف قيادات الدولة وهو لا يزال شاباً حديث التجربة، ودخل بسبب ذلك في ملاسنات.
عقب ذلك كان الشعب وعبر سلمية ثورته ينهي اسطورة الإنقاذ نفسها ويسقطها، يمضي رئيسها ايضاً إلى السجن مخفوراً هذه المرة بواسطة القائد الثاني لقوات الدعم السريع عبد الرحيم دقلو وعقب دور مفصلي لعبه القائد الاول حميدتي.
عقب ذلك كان الجميع يغادرون سجن السلطة الا هلال الذي يمثل تحالفه أحد مكونات قوى التغيير لكن كان للأمر حسابات أخرى تم دفعها أخيراً وخرج الرجل إلى الحرية
8
في الإجابة على : كيف حدث ذلك يمكنك متابعة هذه التفاصيل: أصدرت المحكمة العسكرية المشكلة من رئاسة الأركان المشتركة اليوم الخميس قراراً يقضي بإدانة المتهم الأول نمرة ١٧٤١٨٦١٣٠ جندي موسى هلال عبدالله النسيم والمتهم الرابع النقيب حبيب موسى هلال والمتهم السابع هرون محمود مديخير تحت المادة (٢١/ ١٣٠) الاشتراك الجنائي والقتل العمد حيث أصدرت حكماً بالقصاص على المدانين والطرد من خدمة القوات المسلحة إلا أن أولياء الدم وعلى لسان محاميهم الأستاذ عيسى عبيد الناس وتقديمه المستندات التي تبين تنازل أولياء الدم عن حقهم في القصاص بعد أن توصلا إلى تسوية تقضي بدفع الديات لأولياء الدم.
وقد قاد المبادرة النائب الأول لرئيس مجلس السيادة ، قائد قوات الدعم السريع الفريق أول محمد حمدان دقلو وذلك في أول سابقة حقيقية تطبق في العدالة الانتقالية على أرض الواقع، وبعد أن تنازل أولياء الدم، قامت المحكمة بإصدار عقوبة في الحق العام وهي السجن ٣ سنوات و٤ أشهر و١١ يوم وهي المدة التي قضاها المدانيين في السجن من تاريخ القبض عليهم في ١٧ نوفمبر ٢٠١٧، كما أن هناك حقاً خاصاً لقوات الشرطة وهو تعويضهم عن المركبات والأسلحة التي نهبتها قوات المدان الأول موسى هلال وهي مبلغ وقدره ٩٢.٨١٦.٢٤٠ مليون جنيه.
وفي قضية قتلى الدعم السريع فإن الأمر حدث عبر ضمانة من ناظر عموم الرزيقات وهي الحادثة الأولى أن يقوم أحدهم بضمان متهمين في قضية قتل، لكن ذلك حدث لأن الجميع يرغب في فتح صفحة جديدة وطي أحزان الماضي، ولعل الأمر ظهر في وصول قائد ثاني قوات الدعم السريع عبد الرحيم دقلو إلى منزل موسى عقب إطلاق سراحه.

المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

صحيفة اليوم التالي