السودان الان

في الآونة الأخيرة، بدأ يتبلور بشكل واضح تقارب سوداني مصري، مع أحاديث من مسؤولين في البلدين العربيين عن أن العلاقات بينهما أزلية (قريب منك)

صحيفة اليوم التالي
مصدر الخبر / صحيفة اليوم التالي

الخرطوم- بهرام عبد المنعم
في ظل تصعيد سياسي وعسكري بين السودان وإثيوبيا، لم تكسر الخرطوم قاعدة ثابتة منذ سنوات، وهي أن “كل من يقترب من القاهرة يبتعد عن أديس أبابا، والعكس”.
ففي الآونة الأخيرة، بدأ يتبلور بشكل واضح تقارب سوداني مصري، مع أحاديث من مسؤولين في البلدين العربيين عن أن العلاقات بينهما أزلية، وأن الجارتين تسعيان لمزيد من التعاون.
توقيت التقارب تزامن مع توترات حدودية بين السودان وإثيوبيا، عقب إعلان الحكومة السودانية أنها استعادت أراضي منطقة “الفشقة” التي ظل مسلحون إثيوبيون يعتدون عليها لأكثر من عشرين عامًا.
واختتم وفد سوداني رفيع المستوى زيارة للقاهرة مؤخرًا، عقد خلالها لقاءات مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ومسؤولين آخرين.
ولا يمكن النظر إلى العلاقات بين الخرطوم والقاهرة بمعزل عن أديس أبابا، فلا زالت قضية سد “النهضة” الإثيوبي عصية على الحل بين الدول الثلاث، رغم مرور 9 سنوات منذ بدء التفاوض، في ظل مخاوف سودانية مصرية من تأثيرات سلبية محتملة للسد على حصتهما المائية.
الملفت في التقارب الراهن بين الخرطوم والقاهرة أنه بدأ عسكريًا، عندما أجرت السودان ومصر مناورات جوية منتصف نوفمبر الماضي، هي الأولى من نوعها بين البلدين.
وتزامنت المناورات مع مواجهات بين الجيش الفيدرالي الإثيوبي وقوات “الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي” في الإقليم الإثيوبي الحدودي مع السودان.
وسبق تلك المناورات زيارة رئيس أركان الجيش المصري، محمد فريد حجازي، للخرطوم في الأول من نوفمبر الماضي، حيث اجتمع مع نظيره السوداني محمد عثمان الحسن.
آنذاك، صرح حجازي في الخرطوم، بأنه “خلال الفترة المقبلة ستشهد العلاقات العسكرية بين البلدين طفرة نوعية” على أصعدة عديدة، وخاصة التدريب وتأمين الحدود.
هذا التحول الإيجابي في علاقات مصر والسودان تزامن مع تصعيد في الاتجاه الآخر، إذ انتشر الجيش السوداني في أراضي “الفشقة” بولاية القضارف المتاخمة للحدود الإثيوبية في 19 ديسمبر الماضي.
وفي 31 ديسمبر الماضي، أعلن وزير الخارجية السوداني المكلف عمر قمر الدين، سيطرة الجيش، على كامل أراضي بلاده الحدودية مع إثيوبيا.
فيما تقول أديس أبابا إن الجيش السوداني سيطر على أراضٍ إثيوبية، وهو ما تنفيه الخرطوم.
ولا يمكن النظر إلى التعاون العسكري والأمني بين مصر والسودان بمعزل عن التطورات السياسية، لاسيما في قضية سد “النهضة”، باعتبارها أحد قضايا الأمن القومي للبلدين.
ويرتبط ذلك باحتجاج الخرطوم لدى إثيوبيا والاتحاد الإفريقي، راعي المفاوضات، بشأن إعلان أديس أبابا مؤخرا أنها ستبدأ الملء الثاني لسد “النهضة” في يونيو المقبل، بينما لم يتم التوصل حتى الآن إلى اتفاق ثلاثي بشأن السد.
وأعلن وزير الخارجية السوداني في 11 يناير الجاري، عن تقديم بلاده اشتراطات للاتحاد الإفريقي للعودة إلى مفاوضات “ذات جدوى” في ملف السد، ملوحا بأن لدى الخرطوم “خيارات” أخرى.
وفي 4 يناير الجاري، رفضت الخرطوم المشاركة في اجتماع ثلاثي عبر تقنية الاتصال المرئي مع مصر وإثيوبيا حول السد، وقالت إنه لم يتم إقرار مطلبها بخصوص تعظيم دور خبراء الاتحاد الإفريقي والمراقبين عبر اجتماعات ثنائية‎.
رفض الخرطوم للخطوات الإثيوبية، بحسب محللين، يعتبر مكسبا لمصر في صراعها مع إثيوبيا في معركة السد؛ فالخرطوم ظلت لسنوات قريبة من إثيوبيا في ذلك الملف.
** مواقف متناقضة
وطبقا لتحليلات سياسية فإنه لا يوجد تنسيق يذكر بين الخرطوم والقاهرة بشأن السد، فمواقف البلدين في آخر اجتماعات التفاوض كانت متناقضة، وأن موقف السودان هو إعطاء دور أكبر لخبراء الاتحاد الإفريقي، بينما مصر ترفض إعطاءهم دورًا أكبر، وهنا يكاد يكون الموقف المصري أقرب إلى إثيوبيا.
ووفقًا لذات التحليلات فإنه لا يوجد تنسيق وتعاون سوداني مصري في ملف السد، وكل ما تم هو زيارة وفد إماراتي للخرطوم، مؤخرا، وإجراء مباحثات مع السودان وإثيوبيا ومصر، في محاولة لتحقيق تقارب بين الدول الثلاث.
وأطلع الوفد السوداني، خلال زيارته إلى القاهرة، الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، على تطورات الأوضاع على الحدود بين السودان وإثيوبيا.
وصرح السيسي، بأن موقف مصر تجاه السودان ينبع من الترابط التاريخي بين شعبي وادي النيل، وهو الموقف الذي لم ولن يتغير تحت أي ظرف، على حد قوله.
** حلايب وشلاتين
بجانب ملف سد “النهضة”، فإن التقارب السياسي والعسكري بين السودان ومصر، وفق مراقبين، قد ينهي خصومة تتجدد بينهما من آن إلى آخر حول قضايا، أبرزها النزاع بشأن السيادة على منطقة حلايب وشلاتين الحدودية.
إلا أنه من المستبعد أن نعتبر ما يجري بين السودان ومصر تنسيقًا أو تعاونًا، فحكومتي البلدين طالهما التغيير، لا سيما السلطة الانتقالية في الخرطوم.
وبدأت بالسودان في 21 أغسطس 2019 مرحلة انتقالية تستمر 53 شهرا تنتهي بإجراء انتخابات في يناير 2024، ويتقاسم خلالها السلطة كل من الجيش وائتلاف “قوى إعلان الحرية والتغيير”.
وقاد هذا الائتلاف احتجاجات شعبية منددة بتردي الأوضاع الاقتصادية دفعت قيادة الجيش، في 11 أبريل 2019، إلى عزل عمر البشير من الرئاسة (1989 – 2019).
حسنا.. الحكومة الانتقالية في السودان ليس لها موقف موحد، فهي مؤلفة من مكونين مدني وعسكري، والتباين بينهما واضح حتى في العلاقات الخارجية.
والتقارب المصري ربما يكون مع المكون العسكري بالسلطة الانتقالية (5 عسكريين بمجلس السيادة الحاكم) باعتبار أن خلفية الجانبين عسكرية”، خاصة وأن السيسي كان وزيرًا للدفاع.
وسبق أن قال المتحدث الرسمي باسم مجلس السيادة الانتقالي، محمد الفكي سليمان، خلال مؤتمر صحفي عقده الجمعة الماضية، إن المسؤولين السودانيين عقدوا لقاءات في مصر وإريتريا وجنوب السودان وتشاد لتوضيح موقف السودان من الانتشار داخل أراضيه.
وشدَّد الفكي، على أن المواقف السياسية للسلطة الانتقالية يتم اتخاذها داخل سلطة موحدة سياسيًا وعسكريًا.
والراجح أن مصر قد تدعم تحرك السودان على الحدود مع إثيوبيا، لأن القاهرة ضد أديس أبابا فيما يلي سد النهضة وتطوراته على أرض الواقع، وتضامن مصر مع السودان عقب الاعتداء من طرف مسلحين إثيوبيين على قوات الجيش السوداني.
وفي 17 ديسمبر الماضي، قالت وزارة الخارجية المصرية في بيان، إن “مصر تؤكد تضامنها الكامل مع السودان، وحقه في حماية أمنه وممارسة سيادته على أراضيه، وتشجب هذه الاعتداءات غير المبررة”.
بكن بشكل عام، ما يمكن أن يُقال عن خلاف الحدود بين السودان وإثيوبيا، هو أن القاهرة وأديس أبابا، ومنذ زمن، تتصارعان على زعامة المنطقة لاعتبارات الثقل التاريخي والكثافة السكانية الكبيرة للبلدين.
ومؤشرات ذلك واضحة ضمن الصراع بين إثيوبيا ومصر، حيث تتواجد الأخيرة في جنوب السودان بشكل كبير ولها قاعدة عسكرية غير معلنة في إريتريا.
وفي ظل تلك التعقيدات، التي تسود علاقات السودان ومصر، وتأثيرات التوترات الإقليمية، يبدو مصير التعاون والتنسيق بين البلدين رهين بمصالحهما ودوافعهما وقدرتهما على تجاوز بؤر التوتر.

المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

صحيفة اليوم التالي

صحيفة اليوم التالي