السودان الان

يشهد منحنى الصعود على الحدود السودانية الأثيوبية نوعا من الهدوء الملحوظ بتصريحات دبلوماسية من البلدين ترفض الحرب وترحب بالحوار في وقت دخلت فيه جوبا على خط الأزمة بتقديم مبادرة للحل فإلى أي مدى ستنزع ورقة الحل الدبلوماسي شرارة الحرب على الحدود.. هدوء متبادل

صحيفة اليوم التالي
مصدر الخبر / صحيفة اليوم التالي

القاهرة: صباح موسى
بعد أن ازدادت حدة التوترات والتصريحات المضادة بين الخرطوم وأديس أبابا حول اشتباكات الحدود بينهما في الأيام الأخيرة، بدأ منحنى التوتر في الهبوط مرة أخرى بتصريحات هادئة من الطرفين، يؤكد فيها كل اتجاه على عدم رغبته في الحرب، وتجنب المزيد من اشتعال الأزمة التي أكد الخبراء انعكاساتها السالبة على العلاقة بين البلدين وعلى منطقة القرن الأفريقي برمتها في هذا التوقيت الحرج.

وساطة جوبا
السودان من جانبه أعلن مساء أمس الأول (الأحد)، موافقته على وساطة جوبا لحل النزاع الحدودي مع إثيوبيا والذي تفاقم خلال الأسابيع الأخيرة، جاء ذلك خلال لقاء رئيس الوزراء الدكتور عبدالله حمدوك بتوت قلواك مستشار رئيس جنوب السودان رئيس فريق الوساطة لمحادثات سلام جوبا بالخرطوم، وأوضح قلواك أن لقاءه بحمدوك تناول مبادرة رئيس جنوب السودان سلفاكير ميارديت لحل قضية الحدود بين السودان وإثيوبيا، وأكد أن جوبا ستعلب دورا مهما جداً لخفض التوتر بين الخرطوم وأديس أبابا كون الحرب ليست خيارا وإنما الحوار هو الطريق الأمثل لكل الشعوب، موضحا أن مبادرة الرئيس سلفاكير تهدف إلى إتاحة الفرصة للحوار والحل الدبلوماسي بين السودان وإثيوبيا، مشددا على ضرورة أن يتم هيكلة جديدة للعلامات الموجودة على الحدود بين البلدين، وقال للمواطن الحق في الزراعة والتجارة على أن يعرف أنه موجود في أراضي سودانية أو إثيوبية، وكشف قلواك أن رئيس مجلس السيادة الفريق عبدالفتاح البرهان، أكد له التزامه بإتاحة الفرصة للعمل الدبلوماسي، وأضاف أن حمدوك أكد أيضاً التزام الحكومة بإتاحة الفرصة لدولة جنوب السودان لتلعب دور الوساطة الحقيقية للوصول إلى سلام نهائي بين السودان وإثيوبيا بخلاف طريق الحرب.
حفظ الحقوق
كما أكد حمدوك، على موقف السودان الثابت بعدم خوض الحرب مع أي دولة، وشدد فى تصريحات صحفية، على أن الأراضي التي أعاد الجيش انتشاره فيها ليست محل نزاع ولا يجب أن تكون، وأمن على مبادرة سلفاكير لنزع فتيل التوتر بين السودان وإثيوبيا، وقال قلواك إن اللقاء مع حمدوك تناول مبادرة سلفاكير لحل قضية الحدود بين السودان وإثيوبيا، باعتبار أن الدولتين جارتان لدولة جنوب السودان، مشيراً إلى أن بلاده ستلعب دوراً مهماً جداً لخفض التوتر بين الخرطوم واديس كون الحرب ليست خياراً وإنما الحوار هو الطريق الأمثل لكل الشعوب، في وقت شدد فيه البرهان على رغبته في التوصل لحدود تحفظ حقوق الطرفين، ويتم فيها وضع العلامات على الأرض. على الجانب الآخر أكدت السلطات الإثيوبية حرصها على العلاقة مع السودان، مشددة على أنها تتحرك بقوة لإيجاد حل لأزمة الحدود بين البلدين، وقال رئيس هيئة الأركان الإثيوبي برهانو جولا، إن إثيوبيا ليست بحاجة للحرب مع السودان بأي حال من الأحوال، وأضاف أن هناك جهات تريد جرّ إثيوبيا لإتخاذ قرار خاطئ لمعاداة السودان، واصفا العلاقة بين البلدين بالمترابطة والتاريخية.

نزع الفتيل
حسنا.. يبدو أن الطرفين أيقنا أن إشعال الحرب بينهما لن تؤدي إلى مكسب أي طرف، خصوصا أن كل دولة لديها من المشاكل الداخلية ما يمنعها للقيام بحرب خارجية، فأثيوبيا التي تعاني صراعا داخلية وحرب أهلية بين الحكومة الفيدرالية وإقليم التيجراي ليس في مصلحتها تصعيد التوتر على الحدود مع السودان، ورغم أن كفة الخرطوم قد تكون راجحة في هذه الحرب لأنها تدافع عن أراضيها، إلا أن تكلفة الحرب الباهظة في ظل هذا الوضع الإقتصادي القاسي الذي يشهده السودان بعد الانتقال ربما يكون فاتورة باهظة تعوق مسيرة التحول الديمقراطي بالبلاد، ولذلك استجابت كل من الخرطوم وأديس أبابا لهدوء التصريحات بينهما، ورحب السودان من جانبه بمبادرة سلفاكير فهل ستفعلها جوبا أيضا هذه المرة باحتواء التوتر بين الجارتين، كما فعلتها من قبل بإحداث سلام داخلي في السودان بين الحكومة الانتقالية والجبهة الثورية؟ أم أن هدوء الأوضاع يعد هدنة لقراءة الطرفين للأوضاع على الأرض بدقة، ومن ثم عودة الاشتباكات مرة أخرى في ظل إصرار أثيوبيا وتراجعها عن اتفاقيات ترسيم الحدود ؟

مخاوف إقليمية
الدكتورة أماني الطويل مديرة البرنامج الأفريقي بمركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية ترى من جانبها أن تصاعد التوتر بين السودان وإثيوبيا يثير مخاوف إقليمية ودولية بشأن إمكانية الانزلاق إلى مواجهات مسلحة واسعة النطاق أو حرب معلنة في المناطق الحدودية. وقالت الطويل في تحليل لها عن الأوضاع على الحدود بين البلدين إنه على الرغم من تأكيد الخرطوم وأديس أبابا على المستوى الرسمي ضرورة احتواء التوتر، والزيارات المتبادلة التي يجريها المسؤولون العسكريون لهذا الغرض، والتزام السودان بغلق حدوده أمام العناصر العسكرية التيجرانية خلال نوفمبرالماضي، فإن عدداً من المعطيات ربما تُسهم بالفعل في الانزلاق إلى الحرب، مرشحة للتأثير في المعادلتين الداخليتين للبلدين، ورصدت ذلك في تفاعلات سد النهضة، التي شهدت تحولاً في الموقف السوداني من التحالف مع إثيوبيا ضد مصر وقت الرئيس المخلوع البشير إلى إنتباه سوداني لمصالحه الاستراتيجية وطبيعة المخاطر المحيطة به، نتيجة ممارسة أديس أبابا عمليات ملء بحيرة السد بلا اتفاق، الخطوة التي أسهمت في انكشاف الخرطوم في محطات المياه وخروجها عن العمل، فضلاً عن التأِثيرات المتوقعة في سلامة سد الروصيرص من افتقاد التنسيق مع إثيوبيا، مضيفة أن المشكلة الأساسية في التحول السوداني تكمن في قراءته من الجانب الإثيوبي على أنه تحالف مع القاهرة ضد أديس أبابا، خصوصاً أن مصر والسودان أجريا مناورات عسكرية بالمشاركة مع دول الخليج، استجابة للتحديات الأمنية في البحر الأحمر، ومن غير المتوقع في ضوء مكونات الذهنية الإثيوبية وطبيعتها غفران هذا التحول وقراءاته ضمن الضرورات السودانية.
مخاوف متبادلة
وزادت كما تشكل منطقة القضارف سيولة في ملف الحدود بين البلدين، نظراً إلى تأثير قومية الأمهرة في صناعة القرار السياسي الإثيوبي، التي تعتقد بأحقيتها في مناطق من إقليم تيجراي ومنطقة الفشقة، وبالفعل أقدمت الأمهرة على رفع أعلام لها على مناطق التيجراي بعد نجاح الجيش الفيدرالي في اجتياح مناطقهم، وهو أمر يثير مخاوف السودان، خصوصاً أن خط الحدود طويل نسبياً لمسافة 744 كيلومتراً، وأضافت والمعطى الثالث خبرة التفاعل السياسي بين الدولتين في مراحل الخلاف سلبية، ذلك أن الخرطوم أسهمت بشكل فعّال في إنجاح التمرد على هيلا مريام منجستو، ودعم التيجراي في الوصول إلى الحكم، كما دعمت أديس أبابا الحركة الشعبية في جنوب السودان بزعامة جون جارانج، وزادت وفي التسعينيات من القرن الماضي، ساند السودان الجماعات الإسلامية المتشددة، بينما دعمت إثيوبيا المعارضة السودانية. من هنا فإن السيولة الداخلية لكل منهما ترشح عودة هذا النوع من الدعم المتبادل للمعارضات، في ضوء أوضاع كل من التيجراي وإقليم أعالي النوبة السوداني، وقالت أما على مستوى المعادلات الداخلية للبلدين، فتوجد مصالح قد تدفع إلى الحرب. منها أن المكون العسكري السوداني يحتاج إلى دعم وزنه السياسي في هذه المرحلة، خصوصاً مع الضغوط الأميركية المتوقعة عليه من إدارة بايدن، لأنها سوف تكون معنية بدعم المدنيين في الخرطوم، ويثبته شروع الكونجرس في إصدار قانون من المفترض أن يجيزه مجلس الشيوخ قريباً بشأن ملكية المؤسسة العسكرية السودانية أكثر من ثلثي الهياكل الاقتصادية في البلاد طبقاً لتصريحات حمدوك بهذا الصدد، وزادت في ما يخص الجانب الإثيوبي، فإن التحالفات السياسية الداخلية قد تجعل رئيس الوزراء آبي أحمد يندفع نحو اتخاذ قرار الحرب، في ضوء تحالفه مع قومية الأمهرة ثاني أكبر قومية في إثيوبيا، وفقدانه قواعد التأييد في قومية الأورومو الأولى، وتحت مظلة خسرانه المؤكد للتيجراي بعد حربه ضدهم، ورأت أن قرار الحرب الإثيوبي ضد السودان قد ينعكس إيجاباً على حظوظ آبي أحمد الانتخابية، في سباق مقرر خلال مايو المقبل، بعدما فقد الرجل كثيراً من الأوراق، لاعتقاله جوهر محمد منافسه السياسي، ولخوضه الحرب ضد التيجراي، وقالت على مستوى آخر، فإن إشعال الحرب الإثيوبية السودانية أشهراً يحقق هدفه في إنفاق الوقت من دون ضغوط في ملف سد النهضة، ذلك أن حساباته قد تذهب إلى أن الحرب يمكن حسمها في شهور، وقالت من هنا يستطيع الإقدام على الملء الثاني بلا اتفاق، لافتة إلى أن كوابح الحرب المحتملة، قد تتبلور إذا نجح السودان في تحقيق إسناد عسكري مصري سريع، وهو أمر مرجح الحدوث، نظراً للتحالفات السابقة بين البلدين والممتدة منذ حرب 1967 إلى حرب 1973، التي تتعزز دائماً في حال تعرض أي من البلدين لمخاطر استراتيجية.

السودان أكثر تماسكا
من جانبه يرى عبد الجليل سليمان الكاتب والمحلل السياسي أن كل المعطيات والحيثيات التي تحيط بالأزمة على الحدود تؤشر بوضوح إلى أن احتمال نشوب حرب حدودية بين البلدَين أصبحت وشيكة، ما لم يحدث اختراق دبلوماسي مفاجئ، يُعيد الأمور إلى نصابها، ويُعيد الطرفَين إلى طاولة الحوار. وقال عبد الجليل لكن من الواضح أن الحكومات الإثيوبية المتعاقبة لا تمتلك ما يكفي من الإرادة السياسية والرغبة، لتستجيب لطلبات السودان المتكررة بالانسحاب من أراضيه المحتلة، رغم أنها ظلت تقر دائماً باعترافها رسمياً باتفاقية الحدود لعام، فضلاً عن ذلك تعترف إثيوبيا  ببروتوكول الحدود لسنة 1903 واتفاقية 1972، مضيفا في المقابل نجد موقف السودان أكثر تماسكاً رغم سيولة الأوضاع السياسية في المرحلة الانتقالية التي يمر بها، فعلاوة على استعادته سيادته على أراضيه المحتلة، فإن موقفه القانوني يبدو أكثر صلابة من جارته، كما موقفه العسكري، خصوصاً أن قواته المسلحة غير مشغولة بحروب أهلية ونزاعات داخلية، كما جرت العادة، خصوصاً بعد توقيع حكومته الانتقالية اتفاقية سلام مع الحركات المتمردة في جوبا، الأمر الذي سيجعل القوات المسلحة السودانية في وضع أفضل نسبياً من الإثيوبية، إذا ما اندلعت الحرب بينهما، وتابع رغم أن الظروف الموضوعية تُرجح خسارة إثيوبيا الحرب المحتملة مع السودان، فإن الأخير لن ينجو من الإيذاء أيضاً، فالأوضاع السياسية والاقتصادية الماثلة في الخرطوم، شديدة السيولة والهشاشة، ويُمكن لإثيوبيا استغلال التناقضات بين الفرقاء السياسيين في السودان، لخلق معارضة مُسلحة، تنطلق من أراضي إريتريا، حليفتها في الحرب على إقليم تيجراي، أو عبر خلق نوع من التوترات والصراعات القبلية في شرق السودان، الأمر الذي يمكن أن يمثل تهديداً محتملاً للمرحلة الانتقالية برمتها، ويشجع المغامرين العسكريين على القيام بانقلابٍ عسكري يطيح بعملية التحول الديمقراطي الجارية الآن، ويعيد السودان إلى حكمٍ استبدادي جديد، ورأى أن فرص السودان في الصمود وتحقيق الأفضلية تبدو أكبر من إثيوبيا، لا سيما إذا ما دعمته جارته الشمالية مصر سياسياً واستخبارياً وعسكرياً.

المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

صحيفة اليوم التالي

صحيفة اليوم التالي