السودان الان

السوق الموازي لـ(الدواء).. أزمـــــة (الضمير)!

صحيفة الانتباهة
مصدر الخبر / صحيفة الانتباهة

تحقيق: أم النصر محمد
ألمت بي وعكة صحية مفاجئة نقلت إثرها  للمستشفى وكنت أشعر بكثير من الألم  ولكن كانت المفاجأة الأشد وقعا من الألم علي أنني  قضيت ليلتي تلك أتلوى دون دواء ولا حتى مسكن سوى درب البندول ،هنا تساءلت كم من المرضى يعانون مثلي وأكثر خاصة من  أصحاب الامراض المزمنة ودعوت الله كثيراً أن تكون هذه حالة نادرة بالمستشفى التي انا طريحة فراشها ولكن وبعد جولة قامت بها (الإنتباهة)   تيقنت  من وجود أزمة حقيقية في الأدوية  تسببت في معاناة للمواطنين و حتى الأصناف الموجودة  غالية ومن ثم فقد ذهبنا نتحسس مواضع الألم علنا نسهم في تسكينها.
(قاطع)
البداية كانت مع مواطنين ومنهم «عبدالله محمد محمود» الذي وصل الصيدلية رقم خمسة ولم يجد الدواء إضافة لارتفاع أسعاره إن وجد وان الكيس الذي معه يحتوي على مضادات حيوية وحقن وثلاث فراشات يقول بـ  1200 جنيه متعجباً ويقاطعه آخر بان الدواء في عامة الصيدليات معدوم  بالإضافة لارتفاع أسعاره.
أما «أم سلمة» فتبحث عن دواء لابنة اخيها التي تعاني من صديد في المعدة حيث بحثت في كثير من الصيدليات ولم تجده وذهبت للإمدادات الطبية وقالوا لها (قاطع) ولم تحصل عليه حتى الآن وتتمنى أن تهتم وزارة الصحة بالمواطنين وتوفر الدواء للصيدليات.
«محمد عيسى داؤود» أتى بابنه المصاب بانيميا والتهاب في العظم من الضعين بشرق دارفور فبحث في  كل الصيدليات ولم يجد الأدوية وذهب للإمدادات الطيبة ولم يجده ايضاً وأدوية القطاع الخاص غالية إن وجدت  خاصة أدوية الأطفال يقول 🙁 ابني طريح الفراش ولا يوجد بالمستشفى سوى السرير وكتابة الروشتة وقد أكمل أربعين يوما  والصرف عالي جداً فهو يبحث عن الدواء يوما كاملا ولا توجد لديه وسيلة للتنقل إضافة لارتفاع الأسعار» ويناشد الجهات المسؤولة بتوفير الدواء وتخفيض أسعارها.
أما «حسام الدين عبدالحفيظ» فقال إنه في ظل ندرة وانعدام الدواء لا يتقبل المواطنون الأدوية ذات الصناعة السودانية وانه شخصياً قام بإرجاعه لعدم استخدام مريضه له فهناك من يرى انها تسبب آثارا جانبية أو غير فعالة ويرى أن هذه الإشكاليات تقع على عاتق وزارة الصحة.
جولة في الصيدليات
الصيدلاني «محمد الحافظ» يقول إن شح الدواء بدأ منذ العام 2016م -2019م وعندما بدأت 2020م لم تستطع الشركات استيراد الادوية لعدم توفر الدولار. وفي هذا العام لا يوجد أي تحويل إلا بعد فتح الاعتمادات وأغلب الاعتمادات كانت للتصنيع المحلي ولم تغط   كل الأصناف الدوائية. ويتحدث الحافظ عن شح في المضادات الحيوية يصل لـ70% وكذلك أدوية الملاريا (قاطعة ليها سنة) بالإضافة لأدوية السكري والأزمة، فالإمدادات الطبية وفرت للشركات ولا تستطيع أن توفر للصيدليات وكذلك لا تستطيع الامدادات ان توفر الدواء الحصري عليها  أما الصناعة المحلية  فتغطي 30% فقط من الحاجة .
تجار الشنطة
ويرى الحافظ ان السوق الموازي (عن طريق المطار أو تجار الشنطة) والتصنيع الوطني أحد أسباب عدم انهيار الدواء. فقد حل تجار الشنطة المشكلة  بصورة كبيرة في الأعوام 2019م و2020م لان المريض وصل مرحلة لا يستطيع الوصول لهذه الأدوية ويقول الحافظ (انا اشتريت درب معوض السيومين في الدم من تجار الشنطة بسعر 1000 جنيه ونفس هذا الدرب اشتريته من الامدادات الطبية بـ 2000 جنيه (اتجهت الامدادات لتحرير الاسعار).
أما الصيدلانية سماح ضياء  فتتحدث عن غياب  الرقابة على الادوية وفوضى التسعيرة  فأي صيدلية تسعر(على كيفا) .
إحجام الشركات
ويقول  مدير إدارة الصيدلة والإمداد الدوائي في مستشفى شرق النيل دكتور منتصر أحمد الجلولي إن هناك نقصا عاما في الأدوية خاصة المستوردة بنسبة 80%. ويضيف: في السابق كان الدواء مدعوما بحصائل الصادر قبل توقفها وأصبحت الشركات تشتري من السوق ولكن المجلس القومي للأدوية والسموم حدد سعرا معينا يضع الربح عليه لشراء الدولار بـ 250 جنيها ويسعر الدواء بـ 55 جنيها وبموجبه يتم تسعير الأدوية. أما الشركات فلا يتوفر لها الدولار بهذا السعر لذا فهي تشتري من السوق الموازي مضطرة لان عليها التزامات مع الشركات المصنعة الخارجية، مما تسبب في خسارتها لذلك أحجمت تلك  الشركات عن الاستيراد. ويصف سياسة الحكومة تجاه الدواء بغير الواضحة فإما أن تحرر السعر أو تدعمه حتى يكون في متناول يد المواطن .
(ما غالي)!
تجار الأدوية كذلك لهم مبرراتهم لندرة الأدوية  وغلاء أسعارها  حيث يقول رئيس شعبة مستوردي الأدوية الدكتور يوسف شكاك إن  الدولة تقوم بتسعير الدواء بالعملة الأجنبية وفي حالة عدم توفر الدولة لهذه العملة وعدم السماح للشركات بأن تبيع بالسعر الأسود هنا تنشأ أزمة الدواء لذلك لابد أن تضع الدولة سياسات للدواء وفي ظل عدمها لا يمكن استيرادها ، وأضاف:أن الادوية المستوردة لم تنزل بعد والندرة أدت لدخول ادوية مغشوشة ومهربة وغالية  فمن أين تأتي؟ وبين أن الوفرة انخفضت نسبتها إلى 7% في ظل الأزمة الدوائية.
شكاك ربط انفراج الازمة بتوفير النقد الأجنبي وانسياب عملية الاستيراد وكذلك من خلال محفظة السلع الاستراتيجية وتوفير الادوية عبر القنوات الرسمية وأضاف أن الدواء بأسعاره الحالية ليس غاليا بل أسعاره مناسبة جداً فهي مدعومة من الدولة بنسبة 60%.
سبب الندرة
مدير شركة رينج الطبية المحدودة المستوردة للأدوية الدكتور زايد  خيري يتفق مع الجميع أن المعوق الذي يواجه الدواء واحد في كل العمليات الاقتصادية في السودان، وهي ندرة العملة الحرة وإن لم يتم توفير العملة الحرة لن يكون هناك استيراد، ومن الأشياء التي تجعل السلع الأخرى متوفرة شراء التجار لتلك السلع بشراء الدولار من السوق الحر وهذا ما لا نستطيعه نحن كموردين لأننا محكومون بتسعيرة مجلس الصيدلة والسموم والمجلس يسعر حسب تسعيرة بنك السودان المركزي للدولار (55 جنيها) ويضيف (انا كمورد لما اشتري من السوق الحر واجيب بضاعتي بسعر 55  جنيها هذا يعني انني خسران بنسبة 400%، والموردون لا يستطيعون التوريد ما لم يعطهم  البنك المركزي دولار والفترة الماضية كلها لم يمنحنا البنك دولارا وهذا الذي خلق الندرة والأزمة في الدواء).
الصيادلة مظلومون
وبخصوص  ارتفاع سعر الأدوية الجنوني يضيف زايد أن المواطنين يظلمون الصيادلة وفي رأيي أن الصيادلة هم المظلومون حيث يبين أن المجلس يقوم بضرب الدولار بـ 55 جنيها وهذا هو دولار بنك السودان المركزي والدولار الذي تم اعطاؤه لنا داخل فيه نسبة أرباح الصيدلة وكذلك نسبة أرباح الموردين التي تم تحديدها من قبل المجلس والتي تمثل أرباح الصيدلية 20% وأرباح الموردين كانت 27% وتم تخفيضها إلى 23% وحسب زايد فقد تعرضوا لخسائر وهنالك شركات كثيرة أوقفت الاستيراد لأنها  مرتبطة بعقودات مع الشركات العالمية وأصبحوا لا يستطيعون  الوفاء  بها. ويضيف: (أنا متضرر أكثر من المواطن انا قاعد أخسر والمواطن ما قاعد يخسر لأنني خلال سنة كاملة ما بكون وردت وعلى ايجار مقر ورواتب موظفين لذلك ليس لدينا مصلحة في الندرة.)
إحصائيات صادمة
في آخر إحصائية كانت في 2017م كان الإنتاج المحلي يغطي 18% من حاجة السوق و60% يغطيها الاستيراد و22% تأتي عن طريق الامدادات الطبية وهي أيضاً تواجه نفس المشكلة بانها أصبحت ليس لديها إمكانيات والاستيراد لا يغطي أكثر من 10%،حسب زايد الذي  يعتقد  ان الإنتاج المحلي زاد وأصبح يغطي بين 30-32% من حاجة السوق ويقول إن هناك فجوة بنسبة 60% كما أنه في العامين 2018م و2019م لم تكن هنالك سياسات دوائية  واضحة وكذلك في العام 2020م بسبب أحداث الثورة.
صعوبة اللوائح
يقول عارف عوض صاحب شركة (عارف فارما المحلية) : إن أصحاب المعامل يواجهون صعوبة لوائح المجلس الأعلى للصيدلة والسموم وحاليا لا يوجد معمل مصدق وطالب بمراجعة اللوائح والتصديق حتى يستطيعوا العمل والتصدير خارج السودان مما يعود على البلاد  بجلب العملة الصعبة. ويضيف: أن المنتجات المحلية ساهمت في تغطية النقص الدوائي بصورة كبيرة.
مشاكل حقيقية
أما مدير الإعلام  بشركة أمفارما الوطنية لصناعة الادوية محمد إبراهيم أن هناك مشاكل حقيقية لصناعة الدواء الوطنية تضعها خارج دائرة الإنتاج حيث يلجأ  المصنعون لتمويل استيراد مدخلات الإنتاج من السوق الموازي باستمرار مع ارتفاع سعر صرف الدولار ورغم ذلك تنافس تلك المصانع المستورد بدولاره المدعوم فهو أرخص كثيرا رغم ارتفاع تكلفة مدخلات الإنتاج المحلية والتي فاقت الـ300%. وأضاف محمد أن ارتفاع العملة الأجنبية مقابل الوطنية يؤثر سلباً على انتاج الأدوية في السودان لان المواد الخام وقطع الغيار يتم استيرادها من الخارج بالعملة الأجنبية والحكومة لا تمنح شركات الادوية الوطنية دولارا لاستجلاب مدخلات الإنتاج مما أثر مباشرة على الصناعة الدوائية الوطنية وأدى لخروج كثير من مصانع الأدوية الوطنية من السوق وتوقفها عن الإنتاج.
مراراً وتكراراً
ويبرر المدير التنفيذي للصندوق القومي للإمدادات الطبية  الدكتور أيمن علي أن المشكلة وراء ندرة وانعدام الدواء بعدم توفر العملة  الصعبة. وقال إن الإمدادات  تخاطب  وزارة الصحة بصفة دورية واسبوعية لبيان الموقف الدوائي وكم تبلغ حاجة الصندوق للنقد الأجنبي وكذلك يتم مخاطبة وزارة المالية وكل جهات الاختصاص.وقال إن  هناك زيادة في أسعار النقد الأجنبي اسبوعياً متزامنة مع النقص في المخزون إضافة   لمافيا الدواء التي تظهر بشكل أكبر عند انعدام الأدوية فتتعامل معها مثل أي سلعة أخرى  ولكن ليست هي السبب الرئيسي وراء ندرة وانعدام الدواء.
مجانية ولكنها تباع !
وعن انعدام أدوية الملاريا في عدد من المستشفيات والصيدليات يقول  أيمن ان  أدوية الملاريا عموماً المتكفل بـ 70% منها على هو برنامج الدعم العالمي، وتوزع على المراكز الصحية لنوزعها مجاناً والمفترض أن تكون متوفرة في كل المراكز الصحية على مستوى السودان. في الفترة الماضية كانت هنالك زيادة في حالات الملاريا لذلك ظهرت هذه الأزمة في أدويتها أما الجزء المتبقي من هذه الأدوية فيقوم الصندوق بتوفيره عبر الشراء من السوق المحلي وهذا ما تم فعلاً في الفترة الماضية. وأضاف: أكثر الأدوية انعداماً يكون في الأدوية الأساسية.
ستفرج!
ويوضح أيمن أن أكثر الأدوية انعداماً خارج الامدادات تكون هي أدوية الأمراض المزمنة والوفرة كانت تتراوح بين 80 ـ 90% ولكنها انخفضت إلى 60% ولكن سوف يكون هناك انفراج قريب جدا بتوفر العملة الصعبة بعد رفع اسم السودان من قائمة الإرهاب.
ويوضح أن  الإمدادات الطبية تغطي أكثر من 80% من المراكز الصحية على مستوى السودان بالأدوية الأساسية وأدوية البرامج ومن ضمن خطة الصندوق توفير الأدوية بنسبة أكثر من 90% على مستوى المراكز الصحية، إضافة لذلك انخفاض أسعار الادوية لدى الإمدادات لأنها مدعومة من وزارتي المالية والصحة، أيضاً التأمين الصحي يساهم في تغطية وتوزيع هذه الأدوية وبدون هذا الدعم يمكن أن ترتفع الأسعار. أما بالنسبة لشركات الأدوية فإن وزارة المالية تكفلت بسداد 150 جنيها من الدولار وهي بهذا داعمة لدواء الشركات بنسبة  60% من قيمتها  وإذا استمر الدعم سيكون سعر الدواء ثابت ومنخفض.
تحويل مسار الدعم
مصدر من بنك السودان المركزي أوضح لـ(الإنتباهة)  أن سبب إحجام البنك المركزي عن إعطاء شركات الأدوية دولارا بالدفع القديم هو استغلاله من بعض الشركات لأغراض أخرى غير الدواء كشراء الملبوسات والحلويات مما خلق إشكاليات وتم التحري مع  عدد من الشركات والصيدليات لذلك تدنت نسبة منح الدولار لشركات الأدوية .
وهنا تذكرت الـ10%من حصيلة الصادر المخصصة لدعم الأدوية ولكن بعض الصيدليات حولت مساره لشراء مستحضرات تجميل لتجميل وجه السودان الذي أرهقه المرض.
مبادرون للخير
وأثناء وجودي بشارع الحوادث التقيت بنزار ضوء البيت ومحمد أنور وهما من مبادرة غيث الخيرية وداخل هذه المبادرة مشروع يسمى بنك الدواء يعمل على تجميع الأدوية غير المستخدمة في المنازل لمساعدة المحتاجين. يقول نزار ان هناك العديد من الشركات لديها خلاف مع الدولة وتوقفت عن العمل لعدم توفر أرباح مجزية لها لذلك نحن نقوم بسد النقص ما استطعنا. وأضاف أن هنالك أدوية غير متوفرة لدى الصيدليات ولكنها موجودة داخل المستشفيات الخاصة على وجه الخصوص ولا يتم إعطاؤها للمريض الخارجي لأنها تلزمه بفتح ملف لديها  .

المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

صحيفة الانتباهة

صحيفة الانتباهة