السودان الان

بعد رحيل الامام  الصادق  رئاسة  حزب الامة القومي هل تخرج من بيت المهدي ام تنتصر فرضية التوريث ويصعد عبد الرحمن او الصديق ؟ مستقبل الأمة

صحيفة اليوم التالي
مصدر الخبر / صحيفة اليوم التالي

الخرطوم – وليد النور
بعد رحيل إمام الأنصار ورئيس حزب الأمة القومي الصادق المهدي الخميس الماضي، بدأت التوقعات باختيار رئيس للحزب وإمام الأنصار، ورغم أن الرحيل المر سبب جرحًا غائرًا وسط قواعد الحزب، بيد أن بعض قادته، لاسيما أبناء الصادق مريم وعبدالرحمن أبديا رباطة جأش وصبر عند الشدائد، مريم قدمت خطبة قوية في اليوم الأول للتشييع، ودعت الأنصار للتماسك والوحدة، بينما ردد اللواء عبد الرحمن أن أبناء وبنات الإمام على قلب رجل واحد وامرأة واحدة.
واعتبر المحلل السياسي بروفيسور صلاح الدومة الأنباء التي تخرج من دهاليز الحزب غير مريحة وتتجه لتوريث اللواء عبدالرحمن الصادق المهدي رئاسة الحزب، وكانت وكالة السودان للأنباء قالت: إن الحزب عهد إلى اللواء فضل الله برمة ناصر قيادة الحزب  خلفاً للمهدي، وكان الراحل الصادق المهدي عين 5 نواب، حيث يشغل برمة ناصر منصب النائب الأول لرئيس الحزب، ليكون بذلك صاحب الحق في خلافة المهدي، وفقاً للنظم المؤسسية. وأكد برمة قوة ووحدة عضوية حزب الأمة وتماسكها وتطبيقها لرؤية الإمام الصادق المهدي عبر المؤسسية، مشيراً إلى جديتهم في قيام المؤتمر العام للحزب قريباً، وقال إنه سيتم أولاً التأكيد على قيام المؤتمرات القاعدية بدءاً من الإداريات ثم المحليات ثم الولايات بالتصعيد للمؤتمر العام، وأيضاً التصعيد من الكليات المختلفة، مؤكدًا أن المؤتمر العام يؤمه من يمثلون قواعدهم فعلياً.
و بشأن إمامة الأنصار قال برمة: إن الأمين العام الحالي لهيئة شؤون الأنصار عبد المحمود ابو، سيخلف المهدي على إمامة الأنصار لحين قيام المؤتمر. وكان المهدي يجمع بين رئاسة الحزب وإمامة طائفة الأنصار، وانتقد الدومة الداعمين من أعضاء الحزب لتوريث اللواء عبد الرحمن لرئاسة الحزب، مشيراً إلى أن عبدالرحمن لا يملك الأفكار التي تؤهله لقيادة الحزب.
وكان عبد الرحمن وصل صباح الجمعة إلى قبة المهدي؛ على صهوة جواد كما كان يفعل والده عند مخاطبته لحشود الأنصار، ثم تلا بيان الأسرة أمام المعزين، وبحسب مصادر أكدت لليوم التالي، أن همساً يدور بأن يخلف عبد الرحمن والده، وسيكون إماماً لطائفة الأنصار، وزعيماً جديداً لحزب الأمة القومي، وأن هناك توافقاَ في العائلة على ذلك.
بيد أن مصدرًا رجح أن قبل قيام المؤتمر العام الثامن المزمع قيامه ستجري مشاورات لفصل منصب رئيس الحزب من إمامة الأنصار، وأن الصديق الصادق ربما يخلف والده في إمامة الأنصار.
ويرى الدومة أن التوريث ربما يضعف الحزب ويبعد عنه شريحة كبيرة من الشباب، مضيفاً أن التوريث في قيادة حزب الأمة سيحظى بمقاومة من القواعد، لا سيما شريحة الشباب التي تشدد على ضرورة قومية حزب الأمة، وفك احتكار رئاسته لآل المهدي.
وكان اللواء عبدالرحمن الصادق مساعداً لوالده بالحزب، واعتقل في تسعينات القرن الماضي وخرج مع والده في عملية تهتدون ألى إريتريا، قبل أن يعود للخدمة بالجيش  ويصبح مساعداً للرئيس المعزول عمر البشير، وبعد عزل البشير، عاد اللواء عبدالرحمن إلى صفوف حزب الأمة القومي، وتقدم بالاعتذار للشعب السوداني عن مشاركته في حكومة الإنقاذ.

الأمين العام لهيئة شؤون الأنصار، عبد المحمود كشف خلال خطبة الجمعة الماضية، عن أنه حينما سئل الإمام الصادق المهدي عن خليفته، قال “تخلفني المؤسسات”. وشدد عبدالمحمود على أن الإمام الراحل عمل على بناء مؤسسات، سواء كانت دينية أم دعوية أم سياسية. وأكد أن الراية لن تسقط، خاصة أن الحبيب الصادق كان مدرسة متفردة لن تندثر، وأن الراحل ترك ذرية صالحة ستحافظ عليها، مضيفاً: “رسالة الصادق المهدي في الحياة اكتملت وسطورها أبناؤه في الكيان”.

من حسن حظ هذه البلاد أنها في صبيحة أعياد ميلاد المسيح من العام 1935  ولد فيها الصادق الصديق عبد الرحمن المهدي، ومن سوء أقدارها أنه في مساء الخامس والعشرين من نوفمبر للعام 2020 كانت البلاد تستقبل النبأ بمنتهى البساطة يخبرونك (مات الإمام) ويا للفجيعة لم يعد السيد جزءًا من الحراك اليومي للسياسة السودانية، وبموته انطوت صفحة عمرها 65 عاماً. من ليل (ملتخ) بالكوابيس والسهر تستيقظ أمدرمان، ولكن على كابوس آخر لن يكون صاحب (الملازمين) ملازماً للشوارع، فقد انتهت الرحلة، رحلة بطلها إمام الأنصار زعيم حزب الأمة القومي وآخر رئيس وزراء للسودان، والبطل لا يموت بحسب فلسفة (الفيلم) الهندي، وبالطبع فإن أي كاتب سيناريو لحكاية الصادق سينتهي الى ذات النتيجة، فمثل الصادق يغادرون الحياة ولا تغادرهم ويستمر مشوارهم فيها.
ضد الاستلاب
هل بزمكان أحدكم تصور مشهد الحياة السياسية دون السيد الصادق المهدي ؟ وإجابة السؤال: هذا الأمر على درجة كبيرة من الصعوبة (الزول) المولود في حي العباسية الامدرماني بالتزامن مع ذكرى ميلاد المسيح، كان قد نقش اسمه في تاريخ البلاد السياسي بكسبه، نعم كان قدره أن يولد وفي فمه ملعقة من ذهب السلطة، كيف لا والمولود ينحدر من صلب الإمام المهدي مؤسس أول دولة مستقلة في السودان الحديث، لكن حين تتفرس في سيرة السيد الصادق تجد نفسك أمام حقيقة واحدة مفادها أن الزعيم هو من صنع زعامته وحده، من كان في الناس سيدًا بفعله وباستجابته لمطلوبات مجتمعه وبقدرته الفاعلة على خلق التوازن بين الحديث والقديم، لم تكن اكسفورد التي درس فيها لتسلبه إيمانه بشعبه، وببساطته كان المهدي رجلاً ضد الاستلاب.
سوداني جد
وأنت هناك في (الراكوبة) التي وضعت قواعدها من شعب السودانية في البيت الفاتح دون أن تغلق أبوابه مثل قلب صاحبه تماماً، كل التفاصيل تخبرك أنك داخل كوكب سوداني داخل منزل الإمام ترتشف أكواب (الكركدي) المجلوب من فيافي كردفان، تستطعم جبنة الدويم وفول السليم وزيت سمسم القضارف السودانية، هناك سلوك يخرج أول ما يخرج من لسان صاحب الدار حين  يهمس لك بلغة سودانية حنينة وراسخة (من وين في الأهل)، عبارة ما إن تسمعها حتى تخرج بها في تظاهرة صاخبة بهتاف (ما أجمل الصادق المهدي، وما أرفع سودانيته، وما أروع عباراته)، تخرج في تلك التظاهرة، وتظن أنك وحدك فيها، لتكتشف أنها عبارة متحركة بين الإمام الصادق المهدي وكل السودانيين، يريد إشاعة عبارة (من وين في الأهل)لتهزم كل صوت غير صوتها الوطني الحقيقي والجميل، يكفي الإمام الصادق المهدي هذه العبارة التي يضعها في وجدان كل سوداني أو سودانية في زمان يحتاج لها، وفي حلم بها، وهل نحن إلا في  أشواق لتكن عبارة مثل هذه في مناهج مدارسنا، جامعاتنا، حركتنا الثقافية والإبداعية كلها، تلك العبارة الرامزة (من وين في الأهل، كل الأهل) يمكنك التلخيص لحكمة، نضال، رؤية وطنية خالصة ومخلصة للبلد كلها من نمولي إلى حلفا، ومن الجنينة إلى كسلا.
مِرق البيت
ولأن المهدي كان متسقاً للحد الكبير مع ما يؤمن به لم تكن عبارة أننا أهله مجرد عبارة قائد يبحث عن مزيد من الأنصار، بل كانت عبارة زول لا يريد أكثر من أن يكون هو (المرق) الذي يحمي البيت خطر السقوط، وهو الذي قال ذات حوار: إنه لم يكن ليتمني شيئا أكثر من أمنية أن يكون له بنات بعدد مكونات السودان ليزيد من رباط الأمة ويبعد عنها شرور الانقسام والتشرذم والتفتت، لذلك فإن موقف الزعيم السياسي لم يكن لينفصل عن موقف (الكبير) الذي عليه أن يحافظ على البيت وقواعده، لذلك فإن ما كان يراه البعض تردداً كان بالنسبة للمهدي تروياً يحافظ على المسبحة من أن تتناثر حبيباتها، حيث يصعب بعد ذلك جمعها، لذلك كان يصرخ في آذانهم عند كل الملمات (الفش غبينتو خرب مدينتو)، لذلك فإن الصفة الوحيدة التي ظلت ملازمة له (الوفاقي) والحكيم والذي يمثل مجرد غيابه أن ينهد ركن كان السودانيون يلوذون به حين تشتد المخاطر، تحت مبرر ( الما عندو كبير يشتريهو) ويقول رئيس الوزراء عبد الله حمدوك: كان الإمام الصادق المهدي دالةً للديمقراطية، ونموذجاً للقيادة الراشدة، وصفحةً من الحلم والاطمئنان في زمان نُحت فيه السخط وتوالت الخيبات على صدر كتاب التاريخ، وبرحيله انطفأ قنديلٌ من الوعي يستغرق إشعاله آلاف السنين من عمر الشعوب.
الوسطي المتسامح
في خطبة العيد كان المهدي في وسط أنصاره يخطب فيهم قائلاً (اعفوا مني انا عافي عن كل من آذاني) التسجيل الذي تم تداوله بكثافة على مستوى وسائط التواصل الاجتماعي؛ كان في حقيقة الأمر هو المعبر عن السلوك الذي اتبعه المهدي طوال حياته، وكأنه يتبنى بيت الشعر العربي القديم:
لا أحمل الحقد القديم عليهم… وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا
فقد كان الرجل متسامحاً لأقصى حد مع أعدائه في المشهد السياسي، ويملك قدرة كبيرة في التعاطي مع الآخر، والرؤى المتعارضة مع أطروحاته، منطلقاً في كل ذلك من رصيد معرفي كبير ومن إيمان عميق بالوسطية التي تتماهى مع سلوك السودانية، التي كان يؤمن بها الرجل، وكانت إحدى المنطلقات الرئيسية في نقاشه مع الآخرين، وهي نفسها التي جعلته يقف من الجميع في نقطة منتصف القبول، كان ايضاً بالنسبة لسودانيين آخرين مستودعا للحكمة والمعرفة غير المحدودة، عاش المهدي طول عمره داعية للديمقراطية، وممتشقاً  سيف الدفاع عنها، وإن اختلف كثيرون حول مواقفه على المستوى السياسي؛ لكنهم ظلوا على الدوام معترفين بأن الحبيب يغلق أمامك كل الطرق؛ غير طريق أن تحبه وتحترم اختلافك معه كما يفعل تماماً.
الحبيب الأولاني
في اللحظة التي كان يطالب فيها حزب الأمة السودانيين بالتضرع بالدعاء لأجل شفاء الإمام من داء كورونا، كان كثيرون يضعون أياديهم في قلوبهم، وهم يتفكرون في أوضاع المؤسسات الحزبية ما بعد غياب الإمام، فلأكثر من أربعين عاماً للوراء لم يتفق الأنصار على شيء أكثر من اتفاقهم على النشيد (لن نصادق غير الصادق). كان هو مسمار النص القادر على جمع كل شتيت، كان يكفي أن يقول قوله ليرد الجميع سمعًا وطاعةً. فالحكمة والرأي السديد يخرج من عباءة الرجل المهموم بالبلد وناسها، كان على طريقته بقادر على جمع المواقف المختلفة، وكان وحده من يستطيع الحفاظ على تماسك الحزب والابتعاد به عن الانشقاقات، وحتى تلك التي حدثت في أوقات متباعدة كان من الممكن أن  تقضي على كل شيء لولا وجود الصادق حبيب الكل والمتفق عليه من كل جموع الأنصار، وبالطبع من قبل قيادات الحزب، اتفاقاً تجاوز البنية الحزبية والطائفية لصالح التحالفات السياسية مع القوى الأخري، لكنه غاب في وقت الحوجة له، رحل رمز الوسطية والاعتدال في أوان اشتداد العاصفة على بنيان البلاد الهش؛ الذي لا يحتمل مغامرات صغار الأنفس والعقول، ورحل رمز الديمقراطية الذي ارتبطت باسمه فتراتها القصيرة في السودان .. رحل سمح السجايا الذي لم يفجر في خصومة قط، دون تفريط في الموقف الصميم مما يراه صحيحاً .. رحيل الإمام موجع لكل صاحب قلبٍ مشفقٍ على تماسكنا الوطني وسيرنا في طريق التحول الوعر.
الديمقراطي الصميم
هكذا أزاح الإمام الصادق رَهَقَ الدنيا عن كتفيه.. مضى إلى جوار ربه، ومضى مستقراً في ذاكرة شعبه حكايةَ إنسانٍ كتب بسيرته بعضاً من صفحات تاريخنا المعاصر بحضورٍ ساطعٍ في كل فضاءات المشهد الوطني. كان ذلك الإنسان الذي لم تتجرأ عليه السنوات، فعاش ترحاله الصعب ومسيره المضني في دروب العمل الوطني والإنجاب الفكري حتى أدركته المنية وهو في قمة عطائه وحكمته واعتداله وسماحته ونبل كبريائه وسمو مناقبه، ومحتفظاً بالوَشْم الذي وَسَم ضميره الوطني، خرج من رَحِمِ واقعنا وصميمِ طينتنا، حمل سودانيته بين جوانحه وعاشها وجداناً والتزاماً.. طوى عقود السنين بين سجنٍ ونفيٍ وتشريدٍ وملاحقة أوان الشموليات، وما بينها جلس فتراتٍ على مقعد الحكم محمولاً إليه على أكتاف الإرادة الشعبية الحرة، لا على سنان رمحٍ أو ظهر دبابة.. كان في اجتهاده وحراكه يبتغي مصلحة شعبه الذي وهبه عمره وكرّس كل ما يملك من طاقة لخدمته، وقدم ولم يستبق شيئًا.

المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

صحيفة اليوم التالي

صحيفة اليوم التالي