السودان الان

قام البرهان بزيارة مفاجئة لمصر أمس في توقيت مهم ودقيق تمر به البلاد اختار فيه رئيس مجلس السيادة أن تكون القاهرة محطته الخارجية الأولى لمزيد من التشاور حول القضايا المهمة وسط تساؤل الخبراء عما تعكسه هذه الزيارة ومآلاتها على العلاقة بين البلدين وعلى الواقع الإقليمي والمنطقة.. تفاصيل ودلالات

مصدر الخبر / صحيفة اليوم التالي

 

القاهرة: صباح موسى
وصل رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان القاهرة أمس (الثلاثاء) في زيارة مفاجئة استغرقت عدة ساعات استقبله خلالها الرئيس عبد الفتاح السيسي، وذلك بحضور الدكتور محمد شاكر وزير الكهرباء والطاقة المتجددة، وعباس كامل رئيس المخابرات العامة، والسفير المصري بالخرطوم، كما قام البرهان بزيارة سريعة لمولانا محمد عثمان الميرغني زعيم الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل، للتشاور حول آخر مستجدات الأوضاع على الساحة السياسية بالبلاد، وخاصة في موضوع التطبيع مع إسرائيل في إطار تنوير القوى السياسية بما تم وماسيتم في هذا الصدد.

تفاصيل اللقاء
السفير بسام راضي المتحدث الرسمي للرئاسة المصرية صرح من جانبه عقب اللقاء بأن الرئيس السيسي رحب بأخيه الفريق البرهان بالقاهرة، مشيراً إلى الروابط الأزلية التي تجمع شعبي وادي النيل، والترابط التاريخي بين مصر والسودان، ووحدة المصير والمصلحة المشتركة التي تربط بين الشعبين الشقيقين، مؤكداً الموقف المصري الإستراتيجي الثابت الداعم لأمن واستقرار السودان وشعبه الشقيق، وحرص مصر على مواصلة التعاون والتنسيق مع السودان في كافة الملفات محل الاهتمام المتبادل، والدفع نحو سرعة تنفيذ المشروعات التنموية المشتركة، كالربط الكهربائي وخط السكك الحديدية، من أجل شعبي البلدين، كما أشار السيسي إلى متابعته الحثيثة لكافة التطورات الراهنة على الساحة السودانية إقليمياً ودولياً، مؤكداً مساندة مصر لإرادة وخيارات القيادة السياسية في السودان في صياغة مستقبل بلادهم، ومرحباً بكافة الجهود التي من شأنها مساعدة السودان على مواجهة الأزمة الاقتصادية لما فيه صالح الشعب السوداني، بالإضافة إلى تحقيق الإستقرار والسلام الإقليميين.

التنسيق المشترك
من جانبه أكد الفريق البرهان على متانة الروابط التاريخية المتأصلة بين مصر والسودان، مشيداً في هذا السياق بالجهود المتبادلة لتعزيز أواصر التعاون المشترك بين البلدين، ومؤكداً حرص السودان ومصر على مواصلة التنسيق مع مصر في كافة الملفات محل الاهتمام المتبادل، كما استعرض رئيس مجلس السيادة تطورات الأوضاع في السودان والجهود المبذولة للتعامل مع المستجدات في هذا الصدد، بما فيها التوقيع مؤخراً في جوبا على اتفاق السلام بين الحكومة الانتقالية وعدد من الحركات المسلحة، معرباً في هذا الخصوص عن تقدير بلاده للدعم المصري غير المحدود للحفاظ على سلامة واستقرار السودان ومؤازرته للنجاح في المرحلة الانتقالية الراهنة.

سد النهضة
وأضاف المتحدث الرسمي للرئاسة المصرية أن اللقاء شهد التباحث حول مجمل القضايا الاقليمية ذات الاهتمام المتبادل، كما تم استعراض تطورات ملف سد النهضة في ضوء الموقف الحالي للمفاوضات الثلاثية بين مصر والسودان وإثيوبيا تحت رعاية الاتحاد الأفريقي، حيث تم التوافق حول الأهمية القصوى لقضية المياه بالنسبة للشعبين المصري والسوداني باعتبارها مسألة أمن قومي، ومن ثم تمسك البلدين بالتوصل إلى اتفاق قانوني ملزم يضمن قواعد واضحة لعملية ملء وتشغيل السد، ويحقق المصالح المشتركة لجميع الأطراف.

توقيت مهم
تأتي زيارة البرهان المفاجئة للقاهرة في وقت دقيق يمر به السودان، كما تأتي كأول زيارة خارجية لرئيس مجلس السيادة الإنتقالي بعد إعلان ترامب رفع إسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وبعد الإتفاق على تطبيع العلاقات بين الخرطوم وتل أبيب، وأيضا بالتزامن مع جولة جديدة من المفاوضات بين مصر والسودان وأثيوبيا تحت رعاية الاتحاد الأفريقي أمس (الثلاثاء) والذي أكد السيسي والبرهان في لقائهما على تمسك البلدين بالتوصل إلى اتفاق قانوني ملزم يضمن قواعد واضحة لعملية ملء وتشغيل السد، ويحقق المصالح المشتركة لجميع الأطراف. فما هي دلالات الزيارة في هذا التوقيت المهم؟ وما أهمية أن تكون القاهرة أول محطة خارجية يتم إطلاعها بهذه التطورات المهمة التي يشهدها السودان هذه الأيام؟ وماهي انعكاسات هذا التنسيق المشترك حول سير مفاوضات سد النهضة الجارية حاليا؟

الاستفادة من التجربة
في الوقت نفسه يرى عدد من خبراء العلاقات بين البلدين أن الهدف الرئيس من زيارة البرهان للقاهرة أمس (الثلاثاء) هو إطلاع السيسي على ماتم إتخاذه في اتفاق العلاقات مع إسرائيل، للإستفادة من التجربة المصرية الطويلة في هذا الصدد والذي نجح تطبيع العلاقات فيها بين القاهرة وتل أبيب على المستوى الرسمي والدبلوماسي ولكنه فشل تماما على المستوى الشعبي، خاصة مع وجود تيارات كبيرة وكثيرة داخل السودان ترفض التطبيع مع إسرائيل، كما لفت الخبراء إلى أن لقاء السيسي والبرهان من المؤكد أنه تطرق أيضا للتصريحات النارية التي أطلقها الرئيس الأميريكي دونالد ترامب حول سد النهضة قبل أيام، وأهمية التنسيق المشترك بين البلدين في هذا الملف المهم والحساس والذي يمس أمن مصر والسودان المائي.
زيارة هامة
السفير عبد المحمود عبد الحليم سفير السودان السابق بالقاهرة يؤكد أن الزيارة هامة من حيث التوقيت والمضمون. وقال عبد المحمود لـ (اليوم التالي) إن زيارة البرهان للقاهرة تأتي تطورات مهمة على المستوى الثنائي بين البلدين، وإنها تعكس التنسيق الكبير بين البلدين في الفترة الأخيرة في العديد من القضايا والحراك الكبير الذي تشهده العلاقات بعد زيارة رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي للخرطوم مؤخرا، والدعم الكبير الذي تقدمه مصر للسودان بعد الفيضانات التي شهدتها البلاد في الفترة الأخيرة، وكذلك الأمراض التي تفشت في الولاية الشمالية، مضيفا أن لقاء الرئيسين تطرق إلى قرار إزاحة السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، مؤكدا أن الانعكاسات الإيجابية التي ستأتي على السودان ستنعكس أيضا بالإيجاب على مصر للإرتباط الوثيق بين أمن واستقرار البلدين، وتابع أن الزيارة أيضا جاءت بعد إعلان (تأسيس) العلاقات بين السودان وإسرائيل بما لهذا الاتفاق من أبعاد كبيرة ليس فقط على الجانب المحلي، ولكن على مجمل الأوضاع في المنطقة، وكذلك تطورات المشهد فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، لافتا إلى أن زيارة البرهان للقاهرة بعد هذا القرار يعكس مدى خصوصية العلاقات بين البلدين، وإدراك القيادة في البلدين لضرورات التنسيق المشترك بما يختص بقضايا تهم أمن واستقرار البلدين، مضيفا أن الزيارة تأتي أيضا بعد توقيع اتفاق السلام النهائي بين الحكومة الانتقالية والجبهة الثورية في جوبا في الثالث من أكتوبر الجاري، وكانت مصر شاهدة على التوقيع فيها، إضافة إلى استضافتها للحركة المسلحة في العين السخنة قبيل بداية المفاوضات للتنسيق وتبادل الرؤى وتوحيدة الأجندة فيما بينها، وقال أتوقع أن تلقى كل هذه القضايا تفهم مشترك بين البلدين، مع تعزيز آليات التعاون المشترك، وكذلك تبادل الآراء حول مايجري على الساحة الليبية والأثيوبية.

تطابق الرؤى
ولفت خالد محمد علي نائب رئيس تحرير صحيفة الأسبوع المصرية والخبير في الشأن السوداني إلى أن الزيارة شهدت وربما لأول مرة تطابق الرؤى بين مصر والسودان حول سد النهضة واعتبار أن القضية أمن قومي للبلدين معا مع التمسك بضرورة وجود اتفاق قانوني ملزم لإثيوبيا وهو ما كانت تطالب به مصر دائما في المفاوضات حول السد. وقال خالد لـ (اليوم التالي) إن الزيارة أكدت على أن مصر مع مصالح السودان أيا كانت خيارات الشعب السوداني، مما يبطل دعاوى البعض بأن مصر ضد المصالح السودانية، مشيرا إلى حضور وزير الكهرباء المصري للقاء، مضيفا أن هذا يعكس استمرار البلدين في موضوع الربط الكهربائي بينهما حتى لا تستغل أثيوبيا الإحتياج السوداني للكهرباء وتلعب عليه لصالح مصالحها في سد النهضة، وتابع أن الزيارة أيضا في هذا التوقيت وبعد إعلان التطبيع مع إسرائيل مباشرة، تعكس تطمينات سودانية للقاهرة بأن العلاقات مع إسرائيل لن تكون على حساب الأمن القومي المصري وأن السودان يمثل عمقا إستراتيجيا حقيقيا لمصر.

حراك ملحوظ
يذكر أن العلاقات السودانية المصرية قد شهدت حراكا ملحوظا بعد الزيارة الأخيرة التي قام بها رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي للخرطوم والتي شهدت العديد من الاتفاقات الثنائية المشتركة، وتلاها الكثير من ترجمة هذه الاتفاقات على أرض الواقع هذه الأيام، وكان أبرزها لقاء وزيري النقل في البلدين قبل يومين عبر تقنية الفيديو كونفرانس، حيث ناقش اللقاء بينهما بنود وثيقة التعاون المشترك فى مجال الربط السككي، والتى تهدف إلى توفير التمويل اللازم، لبدء دراسة الجدوى الاقتصادية والاجتماعية والبيئية لمشروع الربط السككي بين مصر والسودان، والذى يمتد في مرحلته الأولى من مدينة أسوان وحتى جنوب وادي حلفا، حيث سيكون هذا التمويل من خلال التنسيق والتعاون بين كل من مصر والسودان والصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية، وقام الفريق مهندس كامل الوزير وزير النقل المصري خلال اللقاء بتوقيع الوثيقة، وتسليمها إلى السفير السودانى بالقاهرة، لتوقيعها من جانب وزير النقل والبنية التحتية، كما تباحث الجانبان حول عدد من مشروعات الطرق، مثل دراسة تنفيذ الطريق البرى بين مصر وتشاد مروراً بالسودان، ليكون بوابة للتجارة بين البلدين وبين تشاد ودول غرب إفريقيا، وكذلك طريق القاهرة / السودان / كيب تاون المار بعدد 9 دول أفريقية، وأكد الوزير أن مصر تقوم حاليا بتنفيذ جزء المحور داخل الأراضي المصرية (القاهرة/أرقين)، حيث يمر الطريق بمحافظات الفيوم وبنى سويف والمنيا وأسيوط وسوهاج وقنا والأقصر وأسوان، ثم يمتد الطريق من أسوان وحتى الحدود المصرية مرورا بمفارق توشكي، وحتى أرقين عند خط عرض 22 ومنها إلى السودان، مشيرا إلى أن هذا المشروع له أهمية كبيرة فى تحقيق الربط البري وزيادة حركة التجارة مع الدول الأفريقية، وكذلك خدمة المواطن المصري والأفريقي، وفتح آفاقاً جديدة لفرص العمل، وتحقيق التنمية الشاملة، كما طلب الجانب السوداني التعاون مع الجانب المصري فى مجال النقل البحري، وتدريب الكوادر البحرية فى الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري، حيث أكد الوزير على أن مصر ستوفر كافة إمكاناتها لتدريب الكوادر الفنية السودانية، سواء فى الأكاديمية العربية أو فى الموانئ المصرية والهيئة المصرية لسلامة الملاحة البحرية، واتفق الجانبان على عقد لقاء مشترك لمتابعة التقدم فى كافة مشروعات التعاون، وبحث تطوير هيئة وادي النيل للملاحة النهرية، حيث أكد الوزير على أن الفترة القادمة لابد أن يتم خلالها تنفيذ خطط عاجلة لتطوير الهيئة، وإعادة تأهيل الوحدات النهرية الحالية، وإعادة تأهيل العاملين ودعم الهيئة بكوادر فنية متخصصة، لتحقيق نقلة نوعية كبيرة للهيئة فى مجال نقل الركاب والبضائع.

تفعيل التعاون
كما التقى إلياس وزيرة التجارة والصناعة المصرية نيفين جامع قبل أيام، وذكر أن السفارة في القاهرة تبذل جهودا مقدرة لإضفاء الحيوية للعلاقات السودانية المصرية خاصة في مجالات التجارة والصناعة التي تعتبر المؤشر الحقيقي للعلاقات بين البلدين، وكذلك تفعيل القطاع الخاص ومجلس رجال الأعمال المشترك ليقوم بدوره المنشود في زيادة التبادل التجاري والإستثماري بين البلدين، كما قدم الدعوة للوزيرة للمشاركة الفاعلة في فعاليات الدورة (38) لمعرض الخرطوم الدولي والتي ستقام خلال الفترة 21-28 يناير القادم، من جانبها عبرت الوزيرة عن تقديرها للسودان واهتمام القيادة المصرية بزيادة التعاون مع السودان في المجالات كافة بالتركيز على الجوانب التجارية والصناعية، وقالت إن اللجان الفنية ستعقد اجتماعاتها في القريب العاجل لبلورة الرؤى لزيادة التعاون وتخطي العقبات من أجل علاقات أكثر متانة، وذكرت الوزيرة بأنها خلال زيارتها الأخيرة للسودان لمست آفاقا رحبة للتعاون بين البلدين في المجال التجاري والصناعي بالتركيز على بعض المجالات الحيوية مثل إعادة تأهيل بعض المصانع في السودان، والتقدم في مشروع اللحوم الاستراتيجي وصناعة الدواء كبرنامج للمدى القصير يتم تنفيذه بين البلدين.

يمكنك قراءة الخبر ايضا من المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

صحيفة اليوم التالي