السودان الان

السودان من ضمن قائمة أصدقاء إسرائيل، الخرطوم مزقت وثيقة لاءاتها الثلاثة ودخلت إلى نادي (التطبيع) بعيداً عن سؤال الإجبار أو الطواعية فإن وقائع جديدة ستظهر في أرض النيلين وسيناريوهات ستتم كتابة حروفها في دفتر (سودان التطبيع)

صحيفة اليوم التالي
مصدر الخبر / صحيفة اليوم التالي

الخرطوم – بهرام عبد المنعم
بعد كثير من التسريبات والتوقعات، شيعت العاصمة السودانية الخرطوم مبدأ “اللاءات الثلاثة” الذي التصق بها لسنوات، وتحولت مجبرة أو طواعية، إلى قائمة “أصدقاء إسرائيل”.
فالخرطوم، التي خرجت منها القمة العربية في 1967، بالتأكيد على أنه “لا صلح، لا اعتراف، لا تفاوض مع إسرائيل”، حتى أنها اشتهرت بـ”عاصمة اللاءات الثلاثة”، انضمت، لركب الدول المطبعة، لتكتب حقبة جديدة في تاريخ المنطقة.
وأعلن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، الجمعة، أن السودان وافق على تطبيع العلاقات بالكامل مع إسرائيل، عقب اتصال مشترك مع رئيسي الوزراء السوداني عبد الله حمدوك، والإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
وقال ترامب، في مؤتمر صحفي بالبيت الأبيض، إن “اتفاق التطبيع بين السودان وإسرائيل، تم من دون قطرة دم على الرمال”، بحسب وكالة “أسوشيتد برس” الأمريكية.
من جانبه قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، “نعلن اليوم عن تحقيق انفراج دراماتيكي آخر للسلام حيث دولة عربية أخرى تنضم إلى دائرة السلام وهذه المرة يتم تطبيع العلاقات الإسرائيلية السودانية. يا له من تحول هائل”.
وأضاف: “في العاصمة السودانية الخرطوم تبنت الجامعة العربية في العام 1967 ثلاثة لاءات: لا للسلام مع إسرائيل، لا للاعتراف بإسرائيل ولا للمفاوضات مع إسرائيل.. ولكن اليوم الخرطوم تقول نعم – نعم للسلام مع إسرائيل، نعم للاعتراف بإسرائيل ونعم للتطبيع مع إسرائيل. هذا هو عصر جديد. عصر السلام الحقيقي. هذا هو سلام يتوسع ليشمل دولا عربية أخرى – ثلاث منها صنعت السلام معنا خلال الأسابيع الأخيرة.
وأضاف: “بعثات سودانية وإسرائيلية ستجتمع قريبا من أجل بحث التعاون في العديد من المجالات، ومن ضمنها الزراعة والتجارة ومجالات مهمة أخرى بالنسبة لمواطنينا”.
وتابع: “السماء السودانية مفتوحة الآن أمام إسرائيل. هذا يسمح بتسيير رحلات جوية مباشرة واقصر بين إسرائيل وأفريقيا وأمريكا الجنوبية. أشكر رئيس المجلس السيادي السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان ورئيس الوزراء السوداني عبدالله حمدوك. وأود ان أشكر مرة أخرى الرئيس ترامب وفريقه على دورهم في هذا الحراك التاريخي المهم. نوسع دائرة السلام. أشعر بانفعال كبير ويا ليت تتوسع دائرة السلام أكثر”.
وتتوافق أحزاب البعث والشيوعي والناصري والأمة القومي والمؤتمر الشعبي وحركة الإصلاح الآن على مناهضة أي علاقة بين الخرطوم وتل أبيب.
لكن “الجبهة الثورية” “المبادرة الشعبية للتطبيع” في السودان، أعلنتا تغريدة للمتحدث الرسمي بإسمها أسامة سعيد، وبيان للمبادرة الشعبية التي ظهرت للمرة الأولى الأحد الماضي، دعمهما موافقة بلادهما على إقامة علاقات رسمية مع إسرائيل.
وقال سعيد في تغريدة: “نرحب ترحيبا كبيرا بالقرار الشجاع الذي اتخذته حكومة الثورة الانتقالية بإعلاء مصالح الشعب السوداني والقيام بخطوة مهمة نحو التطبيع الكامل مع دولة إسرائيل”.
من جانبها، ثمنت “المبادرة الشعبية للتطبيع” ما سمتها “الجهود المتعاظمة” التي بذلتها الحكومة السودانية.
وأكدت “الدعم الكامل لانضمام الخرطوم للنظام الإقليمي الجديد، وتوقيع اتفاق سلام مع إسرائيل، ليعود السودان عضوا فاعلا في محيطه”، وفق البيان.
والمبادرة التي عقدت أول مؤتمر لها في 18 أكتوبر الجاري، ويرأسها أمير فايت، دعت إلى تطبيع العلاقات مع إسرائيل “لتحقيق مصالح الخرطوم، والخروج من الأزمات المتلاحقة”، على حد تقديرها.
ويرى محللون أن محاولة تمسك الخرطوم بفكرة “اللاءات الثلاثة” حتى اليوم لم تعد واقعية، لأن الزمن تغير، وأصبحت المصالح هي السائدة وليست المبادئ.
ويعتبر المحللون، أن إقدام الحكومة السودانية على كسر موقف ظل ثابتا، أمر طبيعي، في ظل تهافت عربي نحو إسرائيل، كما أنه يجب أن ينظر إليه باعتبار أنه ليس نشازا، إذ أن دولا أخرى سبقت السودان.
وبتطبيع السودان، يصبح الدولة العربية الخامسة، التي تتفق رسميا على السلام مع إسرائيل، بعد البحرين والإمارات (2020)، وقبلهما الأردن (1994) ومصر (1979).
** أوضاع صعبة
ويبحث السودانيون عن مخرج من أزماتهم الاقتصادية، لكن هذه المرة من بوابة إسرائيل، بهدف الانفتاح على العالم الخارجي، عقب الإطاحة بنظام الرئيس عمر البشير (1989: 2019).
ومنذ فبراير الماضي، ساد جدل حول إمكانية التطبيع بعد لقاء تم بين رئيس المجلس السيادي السوداني، عبدالفتاح البرهان ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وتأثير العلاقات مع تل أبيب على أوضاع الخرطوم.
وينقسم الشارع السوداني بين من يرى في التطبيع مع إسرائيل، مكسبا اقتصاديا يساعد على التخفيف من حدة الأزمات المعيشية، وبين من يرى أنه سيفرض مزيدا من القيود على البلاد، لكن من نوع آخر.
ويرى خبراء سودانيون، أن هناك مكاسب اقتصادية يمكن أن ينالها السودان، باتخاذ قرار التطبيع، بينها الاستفادة من التقنيات الحديثة لإسرائيل في مجال الزراعة، والتي من شأنها أن تساهم في تحقيق طفرة إنتاجية كبرى بالسودان.
إضافة إلى التوليد الكهربائي والاتصالات والمجالات البحثية، غير أن الخبراء شددوا أيضا، على أن الاستفادة الاقتصادية القصوى، ستكون لصالح إسرائيل، لبحثها المستمر عن دولة لتكون بوابتها إلى القارة الأفريقية.
ويعاني السودان أزمات متجددة في الخبز والوقود وغاز الطهي؛ بسبب ارتفاع سعر صرف الدولار مقابل الجنيه في السوق غير الرسمية، إلى أرقام قياسية.
** خلاف محتمل

وطغى خبر التطبيع السوداني مع إسرائيل، على رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، إذ أعلن البيت الأبيض، أن ترامب، أبلغ الكونغرس، نيته رفع السودان من قائمة الإرهاب.
وتدرج الولايات المتحدة، منذ عام 1993، السودان على هذه القائمة، لاستضافته آنذاك الزعيم الراحل لتنظيم “القاعدة”، أسامة بن لادن.
ولعل التزامن بين رفع اسم السودان من قائمة الإرهاب وإعلان تطبيعه مع إسرائيل، أظهر حكومة الخرطوم وكأنها رضخت للضغوط الأمريكية، والقبول بالتطبيع كشرط لإزالة اسم السودان من القائمة، التي تفرض على السودان عزلة دولية إلى حد كبير.
وكان اللافت، ترحيب العديد من المسؤولين السودانيين بخبر رفع العقوبات عبر صفحاتهم الرسمية على موقعي “تويتر، وفيسبوك”، ثم صمتهم عن الحديث بعد إعلان التطبيع مع إسرائيل.
ويرى مراقبون، أن هذا الصمت من المسؤولين السودانيين، يظهر أن قرار التطبيع سيكون له عواقب داخلية واسعة، بسبب الاعتراضات المتوقعة، علاوة على أن السودان ليس مستقرا في الأساس، ويشهد حوادث أمنية ويعاني من أزمات اقتصادية طاحنة.
إضافة إلى ذلك، يشير خبراء إلى أن التطبيع، قد يحدث بلبلة حتى داخل الحاضنة السياسية للحكومة، فأحزاب الأمة القومي والشيوعي والبعث (أحزاب الائتلاف الحاكم في إعلان قوى الحرية والتغيير) أعلنت رفضها مسبقا لعملية التطبيع مع إسرائيل”.
وهذا بالتأكيد، “قد يؤدى إلى حدوث انقسام في قمة سلطة الفترة الانتقالية”، حسب الخبراء.
ويقول الأستاذ الجامعي محمد محجوب هارون، إن “العلاقة مع إسرائيل بكونها بلدا مطعونا في مشروعية وجوده في الأساس، تحركه في علاقاته مع العالم قضية أمنه القومي، يجب أن ينظر إليها من منطلق استراتيجي، حتى لو كانت منطلقات الحكومة السودانية بشقيها التنفيذي والسيادي، منطلقات براغماتية تعلي من إمكان تحقيق مصلحة السودان”.
وأوضح هارون في تغريدة “نظرية الأمن القومي الإسرائيلي تقوم، وفقا لمنظرئها الإسرائلييين، على إضعاف دول المحيط العربي والمسلم، إلى حد التفكيك. وبالتالي يعتبر تبني التطبيع باعتباره مدخلا لتحقيق مصالح السودان (الاقتصادية والتجارية خاصة في الزراعة) تبسيطا بالغا لموضوع شديد التعقيد، وابتذالا للمسؤولية الأخلاقية للنخبة الحاكمة، وكسلا فكريا لا يليق بها وبمجموع النخب المؤيدة للتطبيع”.
وفي 21 أغسطس 2019، بدأت بالسودان، فترة انتقالية تستمر 39 شهرًا وتنتهي بإجراء انتخابات، ويتقاسم خلالها السلطة كل من الجيش وتحالف “إعلان قوى الحرية والتغيير”، قائد الحراك الشعبي.
وقال حزب المؤتمر الشعبي إنه يرفض التطبيع وإسرائيل دولة معادية، فيما أعلن حزب “البعث” السوداني (اشتراكي)، عن اتصالات سياسية ومجتمعية لتشكيل جبهة ضد التطبيع مع إسرائيل.
كما هدد حزب الأمة القومي، بسحب تأييده للسلطة الانتقالية في البلاد، إذا أقدمت على التطبيع، لأنه ليس من حقها ذلك، بحسب أن القضايا الخلافية الكبرى تتطلب حكومة ديمقراطية، وليست من مهام حكومة انتقالية.
** قمع وثورة
ويرى محللون أن اتفاق السودان مع إسرائيل وأمريكا، سيفتح الباب أمام موجة جديدة من القمع في البلاد، باعتبار أن الحكومة وجدت لها سندا دوليا يمكنها من ممارسة القمع وكبت للحريات، لاسيما للرافضين للاتفاق أو معارضيها.
ويقول الصحفي محمد عمر، إن “الموقف السياسي لحكومة السودان، الذي مثله مجلسا الوزراء والسيادي، بالموافقة على التطبيع مع إسرائيل، لا يخرج عن كونه بحثا عن مصالحهم في حكم السودان وليس للشعب السوداني”.
ويضيف عمر، لـ”اليوم التالي”: “المؤيدون للتطبيع مع إسرائيل من أحزاب سياسية وعسكر، يعبرون عن موقف سياسي واحد، يتمثل في مصالحهم وليس مصلحة السودان”.
يضاف إلى ذلك، أن حكومة عبدالله حمدوك، ظلت لآخر لحظة تتمسك بأن إزالة السودان من قائمة الإرهاب مسار مختلف عن التطبيع، إلا أن ما حدث من تطبيع عقب رفع السودان مباشرة، يجعل مصداقية حكومة حمدوك على المحك.
هذه الانتقادات لحكومة حمدوك، تضعها في مواجهة مع الشعب، وتعيد إلى الأذهان خروجه في تظاهرات ضد نظام عمر البشير، وإسقاطه في أبريل 2019، بسبب عدم شفافية نظامه، وفرضه سياسة الأمر الواقع على الشعب.
وفي 28 سبتمبر الماضي، قال حمدوك، إن قضية تطبيع بلاده للعلاقات مع إسرائيل “معقدة، وتحتاج إلى توافق مجتمعي”، ورفض حمدوك، آنذاك، “ربط عملية التطبيع (مع إسرائيل)، بقضية شطب اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب”.
وينتظر السودانيون، ما ستسفر عنه الأيام المقبلة، وسط توقعات الخبراء بتفاقم الأوضاع السياسية والاقتصادية والأمنية خلال الفترة المقبلة، ووعود الولايات المتحدة وأوروبا بالانفتاح على إسرائيل ودعمه بمليارات الدولارات.

يمكنك قراءة الخبر ايضا من المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

صحيفة اليوم التالي

صحيفة اليوم التالي