السودان الان

عاشت شوارع العاصمة أمس حالة من الاستقطاب الحاد أدت إلى إفراغ مسيرات الواحد والعشرين من أكتوبر من محتواها وضياع مطالبها الحقيقية بتحسين الأوضاع ما أعطى انطباعا بأن الجماهير لم تعد على قلب رجل واحد وسط ارتباك كبير على كافة المستويات أدى إلى عدم الخروج بصورة حضارية.. انقسام واستقطاب

صحيفة اليوم التالي
مصدر الخبر / صحيفة اليوم التالي

القاهرة: صباح موسى
شهدت العاصمة الخرطوم وبعض الولايات أمس (الأربعاء) تظاهرات تلبيةً لدعوات الخروج في ذكرى ثورة 21 أكتوبر، والتي تعد رمزية قومية لثورة (64) التي قادتها جماهير الشعب لإسقاط حكومة عبود، وتصادف هذه المرة الذكرى (55) لثورة أكتوبر التي تأتي في ظروف قاسية وحرجة يمر بها الشعب السوداني من معاناة اقتصادية وسياسية واجتماعية.

دعوات مختلفة
مسيرات الأمس دعت لها مجموعة من الأحزاب السياسية وقِوى الحرية والتغيير وتجمُّع المهنيين، بهدف إصلاح الحكومة ودعم الثورة، كما دعت جماعات مختلفة محسوبة على النظام السابق للخروج من أجل إسقاط الحكومة، وأحرق المحتجون إطارات السيارات في بعض الطرق، مطالبين بتصحيح مسار الثورة والإسراع في تنفيذ متطلبات الثوار، وعلى رأسها محاسبة المسؤولين عن قَتَلة المتظاهرين خلال الثورة. تزامن ذلك مع خروج تظاهرات للمعارضين، وطالبوا بسقوط الحكومة في ظل نُدرة الخُبز والوقود. وردّد بعض المتظاهرين (الجوع الجوع ولا الكيزان). بينما حمل البعض، شعارات (يا حمدوك جاينك دغري تقفل شارع تقفل كوبري)، و(حال البلد مقلوب حتى الرغيف معدوم).
وكانت لجنة الأمن بولاية الخرطوم، قد استبقت الدعوات لتظاهرات21 أكتوبر بإغلاق الجسور الرابطة بين مدن العاصمة الثلاث وإغلاق الطرق المؤدية لمقرات قياة الجيش بوسط الخرطوم بحواجز أسمنتية، فضلاً عن إخلاء منطقة وسط الخرطوم وأمر التجار في السوق العربي بإغلاق المحال التجارية، وحذّرت ولاية الخرطوم أمس، من أنّ لديها معلومات تكشف أن هناك من يسعى لاختراق هذه المسيرات لإحداث فوضى.
إغلاق الجسور
وقبل انطلاق المسيرات أغلقت السلطات السودانية منذ منتصف ليل الثلاثاء جميع الجسور التي تربط وسط الخرطوم ببقية أجزاء العاصمة، وكان تجمع المهنيين قد دعا إلى تظاهرات جديدة ضد الأوضاع الاقتصادية التي واصلت تدهورها منذ الإطاحة بالبشير، وفي بيان نشر أمس الأول (الثلاثاء)، قال التجمع إن السلطة الانتقالية أكملت منذ تشكيلها العام، والأزمات في تزايد مخيف كل يوم والأداء الحكومي مضطرب وضعيف لا يرتقي لمستحقات ثورة ديسمبر العظيمة، وأضاف أن “الضائقة المعيشية ما عادت محتملة ويهدر شعبنا سحابة يومه لاهثا خلف أبجديات حاجاته في الخبز والوقود”، واصفة أداء الحكومة بأنه ضعيف.

مؤيد ومعارض
المسيرات دعت لها أيضا سكرتارية اللجنة المركزية للحزب الشيوعي، وقال الحزب في بيان له إن المليونية احتفال بالذكرى الـ 55 لثورة أكتوبر المجيدة والمطالبة بتحقيق شعارات الثورة واستكمالها. كما دعا البيان للتوجه إلى مجلس الوزراء مع الالتزام بالسلمية ورفع المطالب التي تدعو لتشكيل لجنة تحقيق دولية لفض اعتصام القيادة العامة وتفكيك التمكين والكشف عن المفقودين، فيما أعلن حزبُ الأمةِ القومي رفضه القاطع للمشاركة في المليونية، وأوضح الحزب في بيان له أنَّ الخروج في هذا التوقيت يدعمُ مخططات قوى الرِّدة والتآمر على الثورة، وقد تنادت إليه بالفعل تلك القوى، بكلّ طوائفِها، وطالب البيان كافةَ الثوار، لتفويتَ الفرصة على المتربصين بالثورة، والعملَ على تحقيق مطالب الانتقالِ الثورية عبرَ الحوار البنَّاء مع الحكومة، التي أتوا بها وارتضوها، وإن تطلب الأمرُ تعديلها أو إعادة تشكيلِها، ودعم البيان المطالب التي تنادي بإصلاح الحكومة وهياكلها وحاضنتها السياسية والوضعين الاقتصادي والسياسي بالحوار بين جميعِ قوى الثورةِ ومكوناتِها.

التظاهرات والتغريدة
وجاءت التظاهرات والتي أعد لها مبكرا بعد تغريدة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب مساء (الاثنين) الماضي عبر فيها عن استعداد واشنطن لشطب السودان من اللائحة الأمريكية للدول المتهمة برعاية الإرهاب، ورغم إن إعلان ترامب ليس قرارا رسميا برفع اسم السودان من القائمة السوداء إلا أن الجماهير السودانية استقبلتها بترحاب كبير، معتبرين أنها بداية للخروج من الضائقة الاقتصادية الخانقة التي تعيشها البلاد لأكثر من عام من عمر المرحلة الانتقالية.

انقسام الشارع
وفي وقت رأى فيه البعض أن تغريدة ترامب نزلت بردا وسلاما على المسيرات، رأى بعض آخر أن هذه التغريدة والإحتفاء الإعلامي بها ماهو إلا تخدير للشارع وقطع الطريق أمام المنددين بسياسات الحكومة، ما انعكس على المسيرات وأدى إلى إنقسام كبير في الشارع مابين مؤيد لإستمرار حكومة حمدوك ومابين المعارض لاستمرارها بعد أن تفاقمت الأوضاع بشكل كبير على المستوى الاقتصادي والأمني في شرق البلاد.
غياب الرؤية
الصورة التي شهدتها العاصمة أمس عكست حالة من الانقسام الحاد والاستقطاب الكبير بالشارع، وعبّرت في جانب منها عن الفوضى وغياب الرؤى الواضحة لمستقبل السودان، بداية بنقسام الثوار وشعارتهم مرورا بالاشتباكات التي حدثت فيما بينهم نهاية باستخدام العنف من جانب السلطات الأمنية فيها، ماجعل الهدف منها يضيع ويتوه وسط تضارب المطالب، ومابين دعوات تصحيح المسار بسبب غلاء العيش والأوضاع الاقتصادية المتردية وهؤلاء دعوا لتغيير وتصحيح المسار من داخل النظام وتغيير الحكومة بأخرى أكثر ثورية وإصلاحاً، وبين دعوات إسقاط الحكومة لمواجهة مايرونه علمانية الدولة بصورة كبيرة أفرغت المسيرة من محتواها وفشلت أهدافها.
الضائقة المعيشية
الحالة الاقتصاديه الخانقة والضائقة المعيشية التي فاقت الحد كانت كفيلة بخروج عفوي من الجماهير برفع شعارات محددة لتحسين الأوضاع إلا أن الأجندات السياسية التي تقود الشارع جعلت المشهد يسير في اتجاه مخالف أعطى صورة مرتبكة وعنيفة، لأن المسيرات لا تكون سلمية إلا بتوحيد الرؤى والمسارات، في وقت رأى فيه مراقبون أن مسيرة (21) أكتوبر أشبه بعربة تجرها أربعة خيول في اتجاهات مختلفة. هناك مجموعة غير مرئية وهي المجموعة الرابحة من انفراط الأمن والفوضى.
رسالة مغايرة
ورغم أن انقسام المسيرات أمس أضاع أهداف كل طرف إلا أنها أعطت رسالة في اتجاه آخر مفادها أن الشارع السوداني منقسم على نفسه وليس على قلب رجل واحد، وهذا مؤشر قد يكون خطيرا في ظل الأوضاع التي تعيشها البلاد، وعلى الحكومة أن تعي أن الخروج عليها سواء لتصحيح المسار أو لإسقاطها دليل قاطع على أنها لم تسر في الطريق الصحيح وعليها أن تغير ثوبها بتحديد رؤى محددة لمواجهة التحديات الجسيمة، وأن تدرك الحكومة أن عليها التغيير من تلقاء نفسها بتغيير السياسات و الأشخاص لأن الأوضاع لم تعد تحتمل الاستمرار بهذه الطريقة.
إخفاقات كبيرة
المتابع لسير المرحلة الانتقالية يرى أن هناك إخفاقات كبيرة في الأوضاع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وعلى رأسها توفير حوائج الناس لأكثر من عام من التغيير، وعلى الجميع بالبلاد التخلي عن الأجندات الحزبية الضيقة والتفكير في حلول ناجزة لهذه المشاكل بدلا من تصدر مشهد الصراع على السلطة في مرحلة حرجة تعيشها البلاد، وعلى الحاضنة السياسية للحكومة أن تسرع فورا في إعادة هيكلتها وتوحيد رؤاها وقيادتها وعدم الخلاف على نفسها إذا كانت ترتضي سير سليم للمرحلة الانتقالية، فإذا كان الاستقطاب السياسي قد أضاع المطالب الحقيقية وأعطى صورة لم تكن حضارية هذه المرة، فبالتأكيد مع المزيد من تدهور الأوضاع نتيجة البطء واختلاف الرؤية سيؤدي في النهاية إلى فوضى قد تؤدي بالبلاد إلى ما لا يحمد عقباه.

يمكنك قراءة الخبر ايضا من المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

صحيفة اليوم التالي

صحيفة اليوم التالي

تعليق

  • تقرير موفق جداً… الله يرفع البلاء و ينعم سوداننا بالأمن والأمان والاستقرار