السودان الان

في ذكرى أكتوبر الثورة ما تزال المخاوف على الثورة  قائمة مثلها والتربص بها.. تعلن قوى النظام البائد مشاركتها في مواكب إسقاط حكومة الانتقال بينما تعلن مكونات في الحاضنة  السياسية خروجها من أجل الإصلاح وتقديم الدعم  للفترة الانتقالية بينما يظل السؤال حاضراً: ما الذي سيحدث في  يوم الحادي والعشرين من.. أكتوبر 2020

صحيفة اليوم التالي
مصدر الخبر / صحيفة اليوم التالي

الخرطوم ” الزين عثمان
قبل ستة وخمسين عاماً   اشتعلت شوارع السودان بالوعد والقمح والتمني  خرج الناس يبتغون صباح الديمقراطية الزاهر وحين أنجزوه أطلقوا علي الشهر كله اسم أكتوبر الأخضر.. كان انتصار  الجماهير على الجنرالات المنقلبين على السلطة حدثا يؤكد على أن هذا الشعب معلم وأنه هو أيضاً الكتاب الذي أعاده  صياغة التاريخ مؤكدا على حقيقة واحدة مفادها أن الشعب منتصر وأنه لا قوة بإمكانها هزيمة إرادته نحو التغيير. انتصرت الجماهير يومها واضطر رئيس المجلس العسكري يومها الفريق عبود لإصدار قراره  بعودة الجيش لثكناته وإعلان مشروع الانتقال نحو الحكم المدني بتشكيل  حكومة برئاسة سر الختم الخليفة.
الآن وبعد ستة وخمسين عاماً وحين يذكرون أكتوبر الثورة فإن المعركة تشتد حول من الذي صنعها هل كانت خضراء بلون اليمين أم انها حمراء من صنع اليسار؟  دعك الآن من سؤال من صنع اكتوبر التي لم تكن سوى فعل شعبي الى سؤال آخر يتعلق بمن الذي أطاح بحلم من أنجزوها في قيام سودان ديمقراطي تسوده التنمية والعدالة؟
1
في كل أكتوبر طوال السنوات الماضية تغازل السودانيين أحلامهم الوردية في إسقاط نظام حكم شمولي يقوده في مايو نميري أو قاده في يونيو البشير.. يهتفون ساعتها (عائد عائد يا أكتوبر) فما حدث يومها لم يكن غير وصفة للخلاص وحقيقة  اسمها أن الشعب دائماً هو المنتصر.. فعلها في السادس من أبريل 1985 حين أطاح بنميري وجدد ملحمته في الحادي عشر من أبريل 2019  حين أطاح  بالبشير  وحكومته.. في كل مرة كان يؤكد الشعب على أنه بسلميته يصنع الفارق وان لا قوة يمكنها الوقوف في مواجهة إرادته حين يقرر أنه على هذه الحكومة أن تسقط بينما ظل على الدوام  سؤال إمكانية تحقيق طموحاته في الانتقال وتحقيق غاياته في وطنه معلقة على مشجب التعاطي السياسي الموصوف بغير الرشيد لدى كثيرين.. حدث ذلك بعد أكتوبر التي انتهت بانقلاب نميري وعقب أبريل التي انتهت الى مأ ينعته كثيرون بمأساة يونيو وفي المرحلتين نال الشعب من ثورته الخسائر..
2
هي ذاكرة أكتوبر الثانية في سودان الفترة الانتقالية   التي لا يمكن النظر إليها  بعيداً عما حدث في ذات التاريخ قبل عام حين أعلنت الجماهير توظيفها الذاكرة الخضراء لتحقيق أهداف وغايات الثورة حين أعلنت عدد من مكونات الحكومة الانتقالية رفضها المشاركة في المواكب المتجهة الى القصر الجمهوري لتقديم مذكرة تحوي عدداً من المطالب  ففي الوقت الذي أعلنت فيه الجبهة الثورية عدم مشاركتها في المواكب وهو ذات موقف التجمع الاتحادي، أعلن بيان للحزب الشيوعي دعمها والمشاركة فيها ضمانة لتنفيذ مطالب ثورة ديسمبر المجيدة وتصفية وتفكيك النظام الشمولي، شعبنا وقواه الوطنية الديمقراطية يستعيد تلك الذكرى العزيزة للاستفادة من التجربة الثورية بكل ما فيها من ذخيرة ثورية – سلباً وإيجاباً – للسير قدماً نحو الحرية والسلام والعدالة الاجتماعية التي نادت بها جماهير ديسمبر بينما رافق اليوم مخاوف أن يتم توظيف اليوم إلى عودة من أسقطتهم الثورة إلى المشهد مرة أخرى.. انتهى اليوم  بوصول الموكب الى القصر والحصول على خطاب من رئيس مجلس السيادة يصف فيه خطوة المحتجين بالراقية والتي تعبر عن روح ديسمبر وبالطبع إغلاق شارع القيادة العامة وبعض الشوارع الرئيسية في الخرطوم.
3
انتهت أكتوبر قبل عام دون أن تحدث أي تغيير في المشهد في الوقت الذي ظلت فيه التجاذبات وتباينات المواقف حاضرة  في المسرح السياسي وعلى بعد ساعات من إعلان  الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تدشين خطوات  مغادرة السودان لقائمة الدول الراعية للإرهاب.. القرار رغم أهميته بالنسبة للواقع السوداني الانتقالي إلا أنه سرعان ما تحول الى مادة أخرى للاستقطاب بين اليمين واليسار حول مغادرة السودان للقائمة السوداء.ظ المفارقة أن الطرفين المتصارعين حول قرار الرئيس  الامريكي أعلنا مشاركتهما في مواكب21 أكتوبر مثلما فعل بيان منسوب للحزب الشيوعي السوداني بينما انخرطت مكونات داعمة للنظام المخلوع في الترويج  للمواكب الهادفة لإسقاط حكومة حمدوك وحاضنتها السياسية.. يقول الإعلامي الإسلامي إسحق فضل الله  إن الاستعدادات للمسيرة اكتملت وكشف في تسجيل فيديو أن الترتيب لها بدأ منذ عام وأن الاستعدادات اكتملت لها في جانب القادمين من الأقاليم وتم تجهيز مياه الشرب والوجبات وقال إسحق إن محاولات للتخريب سيقوم بها الشيوعيون لإخراج المسيرة عن سياقها الموضوعي وقال إنهم سيتصدون لهم بالضرب  كاشفاً عن تغيير مسار  المسيرة من القيادة العامة إلى مجلس الوزراء وقال إن المسيرة ستكون حاسمة في المشهد العام وستشارك فيها قيادات على مستوى عالٍ.
4
يدعم بيان للسكرتارية المنتخبة لتجمع المهنيين السودانيين الخروج في الحادي والعشرين من أكتوبر   وبارك التجمع دعوات التظاهر نهار 21 أكتوبر، ودعا المواطنين والثوار لأخذ مواقعهم طلبا للتقويم والاستواء على جادة مطالب شعبنا في الحرية والعدالة والسلام، “السلطة الانتقالية مطالبة بتغيير ما بها قبل فوات الأوان”. وهو ذات الأمر الذي أكد عليه الحزب الشيوعي لكنه قال في بيان إن الخروج في مواكب  أكتوبر يستهدف بشكل أساسي الدعم للحكومة الانتقالية في سييل تحقيق أهداف الثورة في الانتقال بالبلاد نحو واقع جديد   يحقق الطموحات في تفكيك النظام السابق ويمهد  الطريق نحو التحول الديمقراطي المنشود بينما أعلن حزب الأمة القومي بزعامة الصادق المهدي  أنه يدعم كافة الاتجاهات نحو إصلاح هياكل الحكومة  الانتقالية وحاضنتها السياسية لكنه في المقابل اعتبر أن الخروج في مواكب أكتوبر سيدعم قوى الردة التي تحاول الانقضاض على الثورة لذلك دعا لعدم الخروج وتفويت الفرصة على المتربصين في ظل الأوضاع الدقيقة التي تشهدها البلاد في لحظتها الراهنة وهو ما يتطلب التعاطي مع المشهد  بدرجة كبيرة من الواقعية.
5
تعود ذكرى أكتوبر مرة أخرى  في ذات التعقيدات التي تشهدها البلاد من خلافات  حول الموقف من الخروج نفسه والذي سيلقي بظلاله على المسارات التي يمكن  ان  يسلكها الخارجون في  رحلة احتجاجهم أو في رحلة وضع مطالبهم على طاولات الحكومة الانتقالية في مجلسيها الوزاري والسيادي.. الحكومة التي وجدت دعما كبيراً عبر  التغريدة الأمريكية باقتراب مغادرة قائمة الدول راعية الإرهاب وهي الخطوة التي  أعادت بريق الدعم لرئيس مجلس الوزراء عبد الله حمدوك عقب تراجع شعبيته في الأيام الفائتة.. الحكومة التي من المؤمل أن تعقد اجتماعاً للجانها الأمنية لتحديد الطريقة والآليات الخاصة بالتعامل مع مواكب الشعب في سودان الثورة   دون أن ينفي ذلك إمكانية اتجاهها نحو إغلاق الطرق والمسارات مثلما فعلت في العام الفائت وذلك في لحظة قد تتجاوز سخونتها تلك التي سبقت ما حدث في أكتوبر الذي أطاح بعبود وحكومته.. ثمة فرق شاسع بين أكتوبر 1964 وأكتوبر 2020.

يمكنك قراءة الخبر ايضا من المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

صحيفة اليوم التالي

صحيفة اليوم التالي