السودان الان

تتواصل محاكمة منفذي ومدبري انقلاب يونيو 1989 في جلسة جديدة تفند هيئة الدفاع عن البشير ما جاء في عريضة الاتهام التي وصفتها بالخطاب السياسي.. وهاجمت النيابة العامة واعترضت على غياب البعد الإنساني في حرمان الرئيس المخلوع من حضور تشييع والدته.. كل ذلك تتابعونه في (مرافعة سبدرات)

صحيفة اليوم التالي
مصدر الخبر / صحيفة اليوم التالي

الخرطوم: بخيتة زايد
انتظم الحضور منذ وقت مبكر أمام بوابة معهد تدريب الضباط الجنوبية الواقع في منطقة أركويت شرق الخرطوم، في حين تأهبت السلطات بتبسيط إجراءات دخول ممثلي الصحف ووسائل الإعلام والقنوات والوكالات الدولية، بجانب دخول المحامين من هيئات الدفاع عن المتهمين من مدبري ومنفذي انقلاب الثلاثين من يونيو، وذويهم ممن حضروا الجلسة، حيث جلس المتهمون في المكان المخصص لهم وتوزع الحضور في القاعة.
في العاشرة تماما انتصب حاجب المحكمة معلنا دخول هيئة المحكمة لبدء جلسة محاكمة الرئيس المخلوع عمر حسن البشير و(28) متهما من العسكريين والمدنيين المشاركين في تدبير وتنفيذ انقلاب 30 يونيو 1989 “انقلاب الإنقاذ” على الحكومة المنتخبة في الديمقراطية الثالثة ويترأس مجلس وزرائها الإمام الصادق المهدي عقب الانتفاضة وسقوط حكم مايو في السادس من أبريل 1985م، ويواجهون تهما بالاشتراك الجنائي في تقويض النظامي الدستوري للبلاد وإثارة الحرب ضد الدولة، على رأسهم نائبا الرئيس المخلوع علي عثمان محمد طه والفريق بكري حسن صالح، والدكتور علي الحاج الأمين العام لحزب المؤتمر الشعبي، وإبراهيم السنوسي رئيس مجلس الشورى بالمؤتمر الشعبي، والمهندس عمر عبد المعروف عضو القيادة بالحزب، إضافة إلى متهمين من أعضاء مجلس قيادة انقلاب 30 يونيو 1989م وآخرين مدنيين.
ابتدر القاضي عصام الدين إبراهيم الجلسة بتدوين حضور هيئة الاتهام برئاسة سيف اليزل محمد سري رئيس النيابة العامة بحضور الأستاذ عبدالقادر بدوي، وغياب اثنين من اعضاء هيئة الاتهام لظروف خاصة، وتضامن في الاتهام سليمان احمد عثمان، يسرية اسماعيل، دينا الطيب بشير، الباقر آدم، إشراقة الإمام، إخلاص السر، سهام علي مختار، إسماعيل حسين بحضور المتحري في البلاغ.
كما دونت المحكمة حضور هيئات الدفاع عن المتهمين حيث مثل الأستاذ عبدالباسط صالح سبدرات الدفاع عن المتهم الثالث عمر حسن البشير والمتهم التاسع عشر بكري حسن صالح، والمتهم العشرين علي عثمان محمد طه، والمتهم الحادي والعشرين عوض أحمد الجاز، والمتهم السادس والعشرين أحمد عبد الرحمن، بحضور أحمد احمد عبالرحمن، عواطف الجعلي، حسن محمد أبو شامة.
قال قاضي المحكمة العليا عصام الدين إبراهيم رئيس هيئة المحكمة وعضوية قاضيين آخرين، إن الجلسة للسير في الإجراءات، وقررت المحكمة في الجلسة السابقة أن تلجأ للمادة (140) إجراءات، وتسمع الرد على خطبة الاتهام بدلا عن المتحري والشاكي بعد ذلك تدلف لسماع قضية الاتهام ككل، وأرسلت (13) صورة من خطبة الادعاء للمتهمين في السجن وكلهم استلموا صورا من الخطبة، وأشار القاضي إلى أن هناك طلبا مقدما من المتهم علي عثمان محمد طه يلتمس ويطلب السماح لهم بتلاوة الرد على خطبة الدفاع أسوة بما فعل الاتهام، والمحكمة رأت أن في الطلب وجاهة، وتتيح نفس الفرصة التي أتيحت للاتهام، وكان السبب والعلة حسب طلب المتهم طه أن هذه المحاكمة تنقل بواسطة أجهزة التلفاز لكل الدنيا وخطبة الاتهام وردت فيها أشياء هم يريدون أن يفندوها على الملأ ووافقت هذه المحكمة، وقررت المحكمة سماع رد هيئات الدفاع على الخطبة واحدا واحدا ومن هو جاهز لسماعه ونبهت المحكمة الدفاع بأنه وحسب النص أنه رد على خطبة الادعاء دون أي تجاوز.
رد دفاع البشير
تقدم عبد الباسط صالح سبدرات نيابة عن المتهمين عمر حسن أحمد البشير، بكري حسن صالح، علي عثمان محمد طه ،وعوض أحمد الجاز، أحمد عبد الرحمن محمد، ونيابة عن هيئة الدفاع عن هؤلاء المتهمين التمس من المحكمة تقديم الرد على خطبة الاتهام الافتتاحية، مشيرا إلى أنه سيتناولها فقرة فقرة، وقال إن ما جاء في عريضة النائب العام والاتهام بأنها بدأت بالترحم على روح المحامي علي محمود حسنين الذي كان له السبق في تحريك هذه الدعوى والذي جعل وصول المتهمين لقفص الاتهام أمرا ممكنا، وأنهم أيضا يترحمون على الأستاذ علي محمود حسنين، وأن النائب العام لم يذكر الشاكي في البلاغ الذين صحبوه في الهجرة إلى مكتب النائب العام المكلف وقتها، وهو ثالث الأربعة وبذلك نحمد له أنه قد اعترف أن العريضة التي حركت البلاغ هي ذات العريضة التي قدموها للمحكمة، واعترضوا على انه شارك فيها، وأنهم يأخذونه بأن البلاغ (5650) هو البلاغ الذي فتحت الدعوى به، وهو ذات البلاغ الذي أصدر القرار فيه بتكوين لجنة للتحري والتحقيق، والتي جعلته يجمع بين الشاكي وممثل الاتهام ومنصب النائب العام. وأضاف سبدرات أنه جاء في الفقرة الثانية من خطبة الاتهام “فهي الثانية من نوعها في مسيرة التطور القانوني في السودان” ويقصد المحاكمة، وأن هذا قول يكذب الحق، ويرسل القول دون تحر ويغالط الوقائع، وذاك للآتي: السودان شهد عدة انقلابات عسكرية وهذا الذي يتم في هذه المحاكمة حدث لأول مرة في تاريخ السودان ولم تسبقه مطلقا أي محاكمة كهذه، وأنها اول محاكمة خرقت مبدأ قانونيا ظل مكينا وثابتا منذ تأسيس الهيئة القضائية وديوان النائب العام وهو مبدأ التقادم والنيل من الخصومة.
وأشار سبدرات إلى أنها أول محاكمة يقدم فيها مدنيون وقادة رأي وزعماء أحزاب ومفكرون حول انقلاب عسكريا، قادته قيادات عسكرية وصادقت على قيامه كل الوحدات العسكرية وأصبح ثورة، ونظاما لعقودا ثلاثة، واعترفت به الأمم المتحدة وكل المنظمات ولا نقول هذا بلا دليل وبرهان وإنما بشواهد نذكر منها، أن أول انقلاب على القيادة الشرعية يوم ذاك، كان إزاء توتر القوات المسلحة وجبة على صحنا مغرض، السيدين الجليلين اللذين ينسب لهما أكبر حزبين طائفيين ديمقراطيين، فهل تم تقديم قادة حزب الأمة المدنيون للمحاكمة، نقول لا حتى العسكريين فقد صادق البرلمان في عام 1965 وهو برلمان جاء بانتخابات وتكونت حكومة ائتلافية بين الحزبين برئاسة السيد محمد أحمد محجوب، وقدم للجمعية التأسيسية طلب “لا لمحاكمة المدنيين الذين سلموا السلطة للعسكريين” وإنما التصويت عن محاكمة حتى المجلس الاعلى للقوات المسلحة والرئيس عبود ومجلسه العسكري، وصوتت الجمعية التأسيسية على الاقتراح، ووقف ضد المحاكمة (88) نائبا معظمهم من حزب الأمة، وبذلك سقط الاقتراح ولم يحاكم حتى العسكريين، وكذلك في عهد الفريق عبود الذي دام (6) سنوات تمت انقلابات، اشهرها انقلاب الثاني من مارس 1959، عبدالرحيم محمد خير شنان ومحيي الدين احمد عبدالله ونجح ولم يعتبر انقلابا، وانقلابات أخرى، وكل هذه الانقلابات يعطل فيها مبدأ التقادم كما يحدث الآن واقتصرت على المنفذين العسكريين، وأنه في فترة الانتفاضة 1985 تمت محاكمة العسكريين فقط، ولم يقدم قادة الحزب الشيوعي ولا حزب البعث رغم أنهم كانوا الحاضنة السياسية للانقلاب ولم ينص الدستور على سقوط التقادم، وخلص سبدرات من خلال الفذلكة التاريخية إلى أنها أول محاكمة سياسية،
وأوضح أن الفقرة الثالثة جاء فيها أن تقديم الدعوى التزام دستوري، مستندا للفقرة (8/3) من الوثيقة الدستورية، وإلزام أجهزة الدولة بمحاسبة منسوبي النظام السابق عن كل الجرائم التي ارتكبت بحق الشعب السوداني منذ الثلاثين من يونيو 1989 وفقا للقانون، وفندها بأن هذا النص المعيب محل طعن دستوري أمام المحكمة الدستورية المغيبة عن قصد وسوء قصد، وهل يمكن أن يضمن دستور مثل هذا النص الطليق السراح عن كل الجرائم التي ارتكبت بحق الشعب السوداني، وبهذا التحديد للتاريخ ولماذ يبدأ التاريخ من الثلاثين من يونيو، ويغفل عن كل فترة من فترات الاستقلال وحتى اليوم، وقال سبدرات مستغربا بأن هذا النص يتعارض مع المادة (16/3) من الوثيقة الدستورية وان النائب العام يعلم ذلك ويتجاهله.
وجاء في الفقرة الرابعة من عريضة الاتهام، إن النيابة التزمت بنص المادة (83/4/ؤ) من قانون الإجراءات الجنائية، لافتا إلى انه لن يخوض في هذا لأن المحكمة الموقرة ردت ردا مفحما ومانعا فهو حق يكفله القانون، وان هذا الحق لم يمارس مطلقا وإنما جحد تماما، وذكر بأن المتهم الثالث “البشير” طلب أن يذكر للمحكمة أنه قد صعق، ولن ينسى أبدا أنه منع من رؤية والدته وهي تنازع الروح وتحتضر، ثم إنه مُنع أن يشهد تشييع جثمانها وإجراءات لحدها، وكانت أمنيته أن يلقنها الشهادة ويرقدها مرقدها الأخير لكنهم تعسفوا ومنعوا كل ذلك، بل ذكر أنه إبان توليه الحكم قد سمح لمحكوم بالإعدام أن يشهد دفن والده “الشيخ أبو زيد”، وأن هذه الواقعة الأليمة تنسف المقولة وتلك الحماية ناهيك عن وقائع تعددت وتوالت.
وأضاف سبدرات بأن الفقرة الخامسة جاءت تقول قولا غليظا بأن الحقوق غابت لثلاثة عقود في التحريات الجنائية، مشيرا إلى أنه قول خطير ويمس سمعة كل من عمل قاضيا، مستشارا، شرطيا كلهم آثمون مغيبون للحق والعدل والقسط، ولا يمكن أن يكونوا قلما ظالما في يد السلطة الحاكمة،
وتطرق سبدرات إلى الفقرة الخامسة من الخطبة حول الحقوق ما قبل المحاكمة والتي غابت بمدى 30 عاما عن ساحة العدالة والتحقيقات والتحريات الجنائية، وقال: هذا قول خطير يمس سمعة كل قاض ومستشار وشرطي، وإن النائب العام كان محاميا في تلك الفترة وتساءل عن سبب سكوت الشعب السوداني طيلة تلك الفترة وإهدار حقوقه القانونية، قائلا إن هذا كذب بواح ويكذبه فقط فصل منصب النائب العام الذي يشغله النائب الآن. ولا يراقبه الا الله الرقيب الحكيم العدل.
في الفقرة السادسة التي تحدثت عن طلب محامي الدفاع بتعليق الدعوى، وقال إن هذا تعليق للعدالة ولم يسمع به في تاريخ القضاء، أوضح سبدرات أن النائب العام تفادى ذكر الطلبات التي رفعها المحامون بعدم الاستمرار في المحاكمة إلا بعد الفصل من المحكمة الدستورية، وأن المحاكمة لا تستمر في حالة انتهاك حق دستوري وأن النائب العام سمع وقرأ واستلم طلبات ولم يرد عليها. وفي الفقرة السابعة التي تتعلق بأن المتهمين المدنيين الذين تتم محاكمتهم ينتمون لتيار سياسي معروف، وأبدى سبدرات استغرابه حول تستر النائب العام في ذكر اسم الجماعة المعروفة والتي كشفت عنها عريضة الدعوى، وتساءل: هل ستتغير الحجة اذا كان ذلك التيار حزبيا أو شيوعيا، وواصل سبدرات: النائب العام أشار في خطبته لأن هذه الجماعة أرسلت إشارات واضحة لقيام عمل عسكري انقلابي للإطاحة بالحكم الذي ارتضاه اهل السودان، وهل يتعامل القانون بأن الفعل المجرم يمكن ان ينبني على إشارات؟، وهل العزم يساوي النية؟ وهل النية هي الفعل إن لم تكن نية آثمة؟، وأن النائب العام استخدم عبارات مبهمة ليس مكانها منصات العدالة وإنما هتافات سياسية.
سبدرات تجاوز الفقرة التاسعة بعد أن فصلت فيها المحكمة، بأن ما يعنيها في محضر هذه الدعوى ليلة الثلاثين من يونيو 1989، رد على الفقرة العاشرة في خطبة الاتهام بأنها فقرة ماسخة من ملح القانون، وتحديدا قولها إن لم يمض أكثر من أربعة أعوام على انتهاء النظام العسكري السابق حتى عزفت المارشات لتعلن عن نظام عسكري آخر الذي استمر لمدة من الزمان بمبادرة من سياسين ومدنيين، هذا القول أتاح لنا مأدبة نشتهي أطباقها.
سبدرات واصل رده على الخطبة في فقرتها الحادية عشرة وأكد بأن المحكمة سياسية مفضوحة الوسم والقصد والكلمة، وحول الفقرة الثانية عشرة التي تتحدث عن سقوط الدعوى بالتقادم في ظل ترتيبات وضعها النظام لحماية رموزه، اعتبر سبدرات أن إهدار مبدأ التقادم شكل أكبر خرق لقاموس الفقة القانوني، وهدم ركنا ثابتا طوال الحقب السياسية، ولفت سبدرات إلى أن هذه المادة تم الاحتيال عليها وتضمينها بالوثيقة الدستورية ولم تجعل ورقة التوت التي تستر سوءة هذا الفعل، فأصبحت معركة بين أهل القانون مما جعلها محل طعن لدى النائب العام والمحكمة الدستورية، وهو خط دفاع واضح أمام هذه المحكمة.
وحول السماح بتحريك دعوى جنائية التي حوتها الفقرة الثالثة عشرة ضد اعضاء مجلس الثورة بشقيه المدني والعسكري في النظام السابق لدى النائب العام أو وزير العدل، قال سبدرات إن النائب العام لم يكن في هذا المنصب لولا أن رئيس النظام المتهم هو من أحدث هذا المنصب ولم يصدر تشريعا يمنع سريان التقادم لمحاكمة آخرين، وفي الفقرة الرابعة عشرة حول إشارة النائب لتولي المتهمين مناصب ظلت تدور بينهم طوال الثلاثين عاما أن النائب العام استدرك من حديثه أن منهم من ترجل ومنهم من اثر الصمت، وقال سبدرات: بالرغم من استدراك النائب العام بالفقرة خصم 80 في المائة بعبارة كم ترجل وكم اختلف، اما عبارة “الإصرار على الحنث العظيم” قال سبدرات إنه لم يجد هذه العبارة في علمه القضائي أو اللغة، ولم يحدد كاتبها مكانا لها، وختم هذه الفقرة التي وصفها بـ”البائسة” بهذه العبارة اللفظية اذ كيف يحنث بالقسم وهو لم يقسم.
سبدرات رد على فقرة الخطبة الخامسة عشرة حول تكرار المارشات العسكرية، إن عبود حكم 6 سنوات وجعفر نميري 16 سنة والبشير 30 سنة، في حين أن الحكومات الحزبية أقل عمرا واضطرابا، ، ولفت سبدرات إلى أن الانقلابات العسكرية بلغت 12 انقلابا، منهم من انقلب بثورة ومنهم من قدم لمحكمة وهي نطفة في طور العلقة غير المخلقة
وفي الفقرة السادسة عشرة المتعلقة بالرؤية الجديدة للسياسة العقابية فيما يتعلق بجرائم تقويض الدستور، وإسناد المسؤولية الجنائية في حق المتهمين في الانقلابات العسكرية، قال سبدرات إن هذه الفقرة هل موجهة للمحكمة لمحاكمة المتهمين بنظرة جديدة وعقوبة جديدة وهو امر لم يأت به قاض، وإذا كان هذا الخطاب موجها لهذه المحكمة فإن هذا يعني الجهل المطبق بدور القاضي، لأنه لا يسن قانونا ولا يأتي بعقوبة جديدة ما لم ينص عليها القانون، ولفت سبدرات إلى أن الرؤية الجديدة تعديل المادة 38 من قانون الإجراءات الجنائية التي تمت على عجل وبدا ذلك جليا لـ90 في المائة من المتهمين بلغوا سن السبعين وختم سبدرات: اثنان لا يمكن محاكمتهما الشخص الميت والحكم الناجح سواء أكان ثورة أو حركة تصحيحية. والتمس سبدرات حذف خطبة الاتهام لأنه قول مرسل وهتاف سياسي جهير.

يمكنك قراءة الخبر ايضا من المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

صحيفة اليوم التالي

صحيفة اليوم التالي