السودان الان

تنشغل الحكومة الانتقالية هذه الأيام بملفين مهمين حول إدماج اتفاق السلام في الوثيقة الدستورية ورفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب المربوط بالتطبيع مع إسرائيل وسط استعدادات شعبية لمليونية جديدة.. السلام والتطبيع

صحيفة اليوم التالي
مصدر الخبر / صحيفة اليوم التالي

 

القاهرة: صباح موسى
تنشغل الحكومة الانتقالية هذه الأيام بموضوعين أساسيين وهما إدراج وثيقة السلام الموقعة في جوبا في الثالث من أكتوبر الجاري في الوثيقة الدستورية، وذلك لبدء مشاركة وانخراط الحركات المسلحة في المرحلة الانتقالية، أما الثاني فحول المفاوضات مع الولايات المتحدة الأميريكية لرفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وربط هذا الموضوع بالتطبيع مع إسرائيل والذي تشترط فيه الحكومة رفع البلاد من القائمة السوداء أولا، في حين تضغط واشنطن في اتجاه سرعة التطبيع. هذان الموضوعان يتصدران وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي بالعديد من الأخبار التي تعلن في بعضها بقرب حل الحكومة، وفي البعض الأخرى تدعو فيه لانتظار الشارع السوداني لتغريدة للرئيس الأميريكي يعلن فيها رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب

دمج الوثيقتين
أما موضوع دمج اتفاق السلام في الوثيقة الدستورية فيعترضه بعض العقبات حتى الآن، حيث برز خلاف جوهري بين الجبهة الثورية وقوى الإجماع الوطني المكون الأبرز للحرية والتغيير حول عملية الدمج، وترى الجبهة الثورية أن مجلسي السيادة والوزراء هما المنوط بهما التشريع حالياً وتقع عليهما مسؤولية دمج الاتفاقية في غياب المجلس التشريعي، بينما ترفض قوى إعلان الحرية والتغيير الدمج بواسطة مجلسي السيادة والوزراء وتطالب بأن يكون الأمر عبر المجلس التشريعي، وتبرر ذلك بأن المادة (25) الفقرة (3) من الوثيقة الدستورية والتي تنص على قيام مجلسي السيادة والوزراء محل المجلس التشريعي إلى حين تكوينه، بأن هذه المادة أعطت حق التشريع لمجلسي السيادة والوزراء خلال فترة استثنائية لا تتجاوز (90) يوما، مشددين على إدخال السلام عبر المجلس التشريعي وليس عبر مجلسي السيادة والوزراء.
مؤشر الخلاف
وفي الوقت الذي تنخرط فيه اللجان المشتركة من الحكومة، والأطراف الموقعة على اتفاق السلام، وقوى الحرية والتغيير (الحاضنة السياسية للحكومة)، لمواءمة بنود الاتفاق مع الوثيقة الدستورية توطئة للبدء في تنفيذه، وكذلك قرب حل الحكومة وتشكيل حكومة جديدة، أكد خالد عمر القيادي بالحرية والتغيير وحزب المؤتمر السوداني أنه من المبكر الحديث عن ترشيحات الوزراء الجدد، مشيرا إلى بدء المشاورات قبل شهر من الآن مع الدكتور عبد الله حمدوك رئيس الوزراء، موضحا أنه يفترض إضافة ممثلي الجبهة الثورية لمجلس الوزراء بموجب اتفاق السلام بعد أسبوع من إدراج اتفاقية السلام في الوثيقة الدستورية. في حين قال مني أركو مناوي رئيس حركة تحرير السودان في تدوينه له على تويتر أمس (الأحد) إن الخوف من اتفاق سلام جوبا سيزيد من شق الصف الوطني مما تتضاعف معه فرص الانهيار بدلا عن جمع الصف من أجل إعادة لحمة الوطن، مضيفا أن الأحزاب هي السبب في الرفض حتى ولو تزينت بعضها بوشاح الحرية والتغيير، وتابع: علينا أن نسمي الأشياء بأسمائها حتي نتعرف على من يقف وراء الأزمات الوطنية عبر التاريخ.
خلافات كبيرة
حديث خالد عمر وتغريدة مناوي تؤكدان وجود خلافات كبيرة في إدماج اتفاق السلام في الوثيقة الدستورية، وهو أول تحد يواجه تنزيل عملية السلام إلى أرض الواقع، ورغم أنه إجرائي إلا أن كل طرف يتمسك بموقفه، وهنا يبرز سؤال لقوى إعلان الحرية والتغيير إذا لابد من إتمام هذا الإدماج بين الوثيقتين في وجود المجلس التشريعي فكيف سيتشكل المجلس بمشاركة الحركات المسلحة بـ 75 مقعدا من مجمل 300 قبل تعديل الوثيقة الدستورية؟ ويرى خبراء بأن الحرية والتغيير تلجأ إلى تصديق مجلسي السيادة والوزراء على بعض الأمور في غياب المجلس التشريعي، ولكنها تصر على تشكيله ووجوده في اتفاق السلام، وأنها بذلك تكيل بمكيالين لتمرير مصالحها والتي ربما يعيقها مشاركة الحركات المسلحة في السلطات الانتقالية بالبلاد.
الرفع والتطبيع
الموضوع الثاني وهو ربط رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب بالتطبيع السوداني مع تل أبيب وتسريب الأخبار المبشرة بإعلان هذا الرفع من القائمة السوداء خلال ساعات، ولكن هنا لابد من الأخذ في الاعتبار أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يتعجل جدا إعلان تطبيع السودان مع إسرائيل إضافة إلى عدد من الدول بالمنطقة، وذلك ليكون هذا الموضوع ورقة قد تكون رابحة له في الانتخابات الأمريكية في نوفمبر المقبل، بمساعدة دول عربية في عملية الضغط على الخرطوم لسرعة التنفيذ، أما ربط الحكومة الانتقالية للتطبيع برفع اسم السودان أولا بالإضافة إلى مصفوفة لمساعدة البلاد في أزمتها الاقتصادية بتوفير قروض ومنح مادية وعينية فهو موقف يراه كثيرون صحيحا، ويرى فيه عدد كبير من الخبراء أهمية كبيرة، ولكن يغيب على البعض أن رفع السودان من القائمة السوداءعملية تحتاج لإجراءات بعينها في الولايات المتحدة، وأنها قرار للكونجرس الأمريكي يوقع عليه ترامب بعد ذلك، وحتى لو افترضنا أن كل إجراءات الموافقة على رفع إسم السودان داخل الأجهزة المختلفة في الولايات المتحدة قد تمت بالفعل، لكن يبقى اجتماع للكونجرس للتصديق على ذلك، وفي هذه الظروف التي تنشغل فيها الولايات المتحدة بالتحضير للانتخابات يرى الخبراء أنه من الصعب انعقاد الكونجرس الآن لمناقشة مثل هذا الموضوع، في وقت يرجح فيه البعض بأن ترامب قد يعلن وعده برفع اسم السودان من القائمة السوداء، لكن يظل هذا الوعد رهينه لفوزه في الانتخابات، على كل حال فإن هذا الموضوع رغم الخلاف الداخلي حوله بالموافقه على التطبيع أولا أو رفضه فإنه يحتاج لمزيد من الوقت وعلى السودان ألا يتعجل فيه بأي وعود، فالمصالح العليا للبلاد تقتضي الحصول على المطالب السودانية أولا قبل الإقدام على الموافقة بتلبية مصلحة الطرف الآخر والتي قد لا تؤتي ولا تسمن من جوع، فالتطبيع مع إسرائيل ليس هو العصا السحرية التي يتوهم البعض بأنها ستحل مشاكل البلاد، وإن كانت فعلى السودان أن يتأكد من ذلك أولا قبل الموافقة على الخطوة.
ثلاثة سيناريوهات
ويرى خبراء أن هناك ثلاثة سيناريوهات للطريقة التي يمكن أن يعالج بها هذا الملف خلال الأيام المقبلة، يتمثل الأول في تسوية على أساس شطب السودان من القائمة مقابل اتفاق سلام بين الخرطوم وتل أبيب مع ترك الباب مفتوحا أمام احتمال مواجهة السودان مطالبات بشأن تعويضات أسر المئات من ضحايا تفجيرات 11 سبتمبر، أما السيناريو الثاني فيتمثل في عدم حسم الملف قبل الانتخابات الأميركية في نوفمبر المقبل، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى تراجع إهتمام الإدارة الأمريكية بالملف بحسبان فقدان ديناميكيتيه كورقة انتخابية للحزب الجمهوري، ويتلخص السيناريو الثالث في نجاح جهود الحزب الديمقراطي، التي يقودها السيناتور شومار في ربط مجمل العملية بتعويضات 11 سبتمبر، وهو الاحتمال الذي سيكون أكثر ترجيحا في حال فوز الحزب الديمقراطي بأغلبية مجلس الشيوخ.

تدهور الأوضاع
وسط انشغال الحكومة بهذين الملفين المهمين تزداد الأحوال الاقتصادية والمعيشية بالبلاد سوءا وتدهورا، علاوة على اشتعال الأوضاع بشرق السودان وفشل الحكومة حتى اللحظة في السيطرة عليها، ما ينذر بتدهور أمني كبير بالإقليم، ماجعل الشارع السوداني يرى في معظمه أن الحكومة الحالية لم تعد قادرة على مواجهة التحديات حتى على مستوى تسيير حوائج الناس الأساسية، ناهيك عن الملفات الأخرى الكبيرة والكثيرة، ولذلك تجرى الإستعدادات على قدم وساق للترتيب لمليونية تنديدا بالأوضاع في الواحد والعشرين من أكتوبر الجاري، ربما تختلف فيها الشعارات ما بين إسقاط الحكومة وبين ضرورة تصحيح الأوضاع في وجودها، لكن يتفق الجميع في أن الحكومة عاجزة ومقصرة وبطيئة، وبدلا من التفاعل مع تذمر الشارع بسرعة الاتفاق وتشكيل حكومة جديدة تخاطب طموح الجماهير، وتقطع الطريق أمام إفشال هذه التظاهرات والتي ربما تسقط المرحلة الإنتقالية برمتها، زادت الخلافات بين قوى الحرية والتغيير فيما بينها وبينها وبين الحركات المسلحة.

خلاصة المشهد
خلاصة المشهد أن الحكومة منهمكة في حسم هذين الملفين دون أخذها في الاعتبار سرعة التوافق حولهما لمخاطبة الشارع ووقف تحريكه ضدها، وربما يعود ذلك للبطء الكبير الذي تعاني منه الحكومة في حسم أمورها، وذلك لتعدد الآراء بداخلها وداخل الحاضنة السياسية لها والتي تخلص في النهاية إلى خلافات واضحة للشارع، وأنها بهذا البطء تعطي مؤشرا واضحا ومباشرا للجماهير بأنها دائما غير قادرة وغير مواكبة لتحركاته ومتطلباته، فإلى أي مدى ستستطيع الحكومة كبح جماح المعارضة الكبيرة ضدها والتي بدأت تسلل حتى في صفوف المؤيدين لها؟ سؤال ربما يجد إجابة في اليومين القادمين وهل فعلا خروج الشارع هذه المرة سيكون نقطة فاصلة في تغيير جديد،؟ أم أن التكتيكات السياسية ستأخذ المسار الجماهيري لإتجاه آخر ربما يؤجل مسيرة التغيير؟ لكن يبقى أن فكرة التغيير أصبحت موجودة وملحة على مستوى واسع وكبير، وعلى الحكومة التعامل مع أساس الفكرة وأسبابها وجذورها، بدلا من التفكير في وسائل لتطويل فترة عمرها في الحكم على حساب معاناة الشارع صاحب التغيير الحقيقي بالبلاد.

يمكنك قراءة الخبر ايضا من المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

صحيفة اليوم التالي

صحيفة اليوم التالي