السودان الان

الأخطر قادم ووشيك

صحيفة آخر لحظة
مصدر الخبر / صحيفة آخر لحظة

مهندس: عمر البكري أبو حراز

الحكم الإنتقالي الحالي مهدد بالزوال المبكر بثلاثة عوامل:
الأول: نظام الحكم البرلماني الموروث منذ الإستقلال، والذي أثبت فشلاً ذريعاً بعد تجريبه ثلاث مرات وقديماً قال العالم الفيلسوف انشتاين: (الجنون هو أن نكرر نفس الأخطاء ونتوقع نتائج مغايرة)(Insanity is repeating the same mistakes and expecting different results)
أعني بذلك تواصل تكرار خطأ الحكم البرلماني غير المناسب لظروف السودان منذ الإستقلال حتى الآن.. في الحكم البرلماني يكون رئيس الوزراء ومجلسه السلطة التنفيذية العليا الوحيدة، وتكون رئاسة الدولة في مجلس تشريفي عديم السلطات.. هذا النظام البرلماني فشل في السودان في فترات الحكم الديمقراطي الثلاث، التي أعقبت ثلاث حكومات انتقالية فاشلة أيضاً بثلاثة دلائل:
الأول: قصر فترات الحكم البرلماني والإنتقالي-12فقط من 64 سنة بعد الإستقلال أي 52 سنة حكم عسكري (عبود 6، نميري 16، البشير 30).
الثاني: انعدام التنمية في فترات الحكم الديمقراطي إذ كل مشاريع التنمية الكبرى تمت في الأنظمة العسكرية، هناك من يقول إن الحكم الديمقراطي لم يُمنح فرصة كافية، ونرد عليهم بأن كل الإنقلابات الثلاثة وقعت لأسباب منطقية معقولة بسبب فشل الأحزاب في الإرتفاع إلى مستوى المسؤولية الوطنية، بالتركيز على التنمية البشرية والمادية المتجردة، وانساقت وراء تقوية نفوذها في مناطق جماهيرها وانشغلت بالمناكفات الحزبية والتآمر على بعضها البعض، وإقصاء الطبقات المستنيرة في المجتمع، وما حادثة طرد نواب الحزب الشيوعي من البرلمان عام 1965 بعد فوزهم المستحق في 11 دائرة من دوائر الخريجين الـ15 إلا تأكيداً لذلك .
الثالث: ترحيب الغالبية العظمى من المواطنين لدى سماعهم البيان الأول لكل انقلاب وخروجهم للشوارع مؤيدين، مما يؤكد عدم حماسهم للنظام الديمقراطي الذي تمت إزالته..
النظام البرلماني يتطلب درجة عالية من الوعي الجماهيري ونسبة أمية متدنية، ويتطلب أخيراً غياب الولاء الطائفي الأعمى والذي لا يقوى على نصح أو معارضة القيادات التاريخية الطائفية الدينية، لذلك غابت ممارسة الديمقراطية داخل الحزبين الكبيرين، ولم تعقد مؤتمرات عامة لعشرات السنين واستمرت القيادات التاريخية في رئاسة الأحزاب تلك لأكثر من خمسين عاماً. لماذا لا نجرب الحكم الديمقراطي الرئاسي، والذي نجح في دول كبرى مثل أمريكا وفرنسا.. الحكم الرئاسي فشل في السودان لأنه تم في ظل أنظمة شمولية دكتاتورية، وحكم فرد امتد حتى 16 سنة تحت رئاسة نميري، و30 سنة تحت رئاسة البشير عقب انتخابات صورية.. الحكم الرئاسي السليم في الديمقراطية غالباً ما يكون محكوماً لسنوات قليلة لا تزيد عن 8 لأي رئيس مهما كان ناجحاً.
الأمر الثاني في هذا العامل الأول المهدد للفترة الإنتقالية هو الخطأ المبدئي في معايير اختيار الوزراء- عملية الإختيار لأي منصب تخضع لثلاثة متطلبات: القدرات (Competency) المؤهلات (Qualifications) والمهارات (Skills) .. أهم متطلبات الوزير القدرات والتي هي جماع المؤهلات والمهارات في ظل ملكات ذهنية قادرة على اتخاذ القرارات السليمة في أقصر وقت وفق معطيات ومشاورات عميقة.. المؤهلات وحدها تناسب الوظائف الأكاديمية، والمهارات وحدها تناسب الأعمال اليدوية، لذلك اختيار الوزراء بمعايير المؤهلات وحده أدى إلى فشل ذريع في أداء معظم الوزراء الحاليين في الحكومة الإنتقالية.
الأمر الثالث في هذا العامل هو مواصلة إدمان وإعمال سياسات خارجية ثبت فشلها وسط تعقيدات العالم المتزايدة في محاور عدة وهي سياسة الوقوف في المنطقة الرمادية الضارة غير المنتجة، لذلك تواصل التدهور الاقتصادي بمعدلات مزعجة غير مسبوقة.. كمؤشر لذلك سعر الدولار في ديسمبر 2019 كان 64 جنيهاً، اليوم 264 أي زيادة 200 جنيه في 9 أشهر.
العامل الثاني المهدد بزوال الفترة الإنتقالية مبكراً هو تكرار خطأ التعجل والإحتفاء المبالغ في عملية سلام ناقص، مثلما حدث مرات عديدة في فترة حكم النظام المباد، وما حدث من احتفال وبهرجة وغناء ورفع الملفات الملونة أمام الكاميرات هو وقع الحافر على الحافر في مناسبات عديدة تمت في قطر ونيفاشا وأبوجا، أدت إلى فصل جنوب السودان ولم تحقق السلام في السودان.
الآن وقبل أن يجف مداد التوقيعات الأخيرة في جوبا اندلعت ثورات جماهيرية في الشرق خلفت قتلى وجرحى في كسلا بسبب إقالة الوالي المعين قبل استلام مهامه، وأدت إلى رفض جماهيري من كبرى قبائل الشرق لاتفاق جوبا جملة وتفصيلا.
السلام الحقيقي المستدام عندي في مؤشر واحد هو خفض بند الأمن في الميزانية من 70% إلى المعدل العالمي المعتدل في حدود 25%، وهذا لن يتحقق إلا إذا تم رفع حالة الإستعداد في القوات تماماً، ولن يتم ذلك، وفي جنوب كردفان وجبل مرة قوات معارضة تقاتل أو جاهزة للقتال.
العامل الثالث والأخير هو التدهور الاقتصادي وغياب المنظومة الأمنية تماماً.. غياب هذه المنظومة أدى إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية، لأن حل جهاز الأمن بكل فروعه المختلفة خاصة الاقتصادية كان خطأ كبيراً تكرر أيضاً عندما تم حل جهاز الأمن بعد ثورة أبريل 1985، التي أطاحت بنظام مايو والذي كان يملك جهاز أمن يُعد من أعظم الأجهزة الأمنية في العالم.. في الحالتين بعد ثورة ديسمبر 2018 وثورة أبريل 1985 كان من الممكن الإبقاء على الجهازين، فقط يتم إحالة قياداتهما إلى التقاعد وتعيين قيادات موالية للتغيير الجديد.
الآن حل الجهاز الأمني القوي المؤهل وتباطوء الأجهزة الأمنية النظامية الأخرى، يقود إلى فوضى وغياب هيبة الدولة، مما ينبئ بخطر عظيم قادم خاصة إذا كان ذلك التباطؤ أو التقاعس محسوباً لتهيئة الأجواء إلى تغيير وشيك في الحكم برمته.. الآن التدهور الاقتصادي المتزايد أكبر مهدد للفترة الإنتقالية والتحول الديمقراطي.

يمكن قراءة الخبر من المصدر

عن مصدر الخبر

صحيفة آخر لحظة

صحيفة آخر لحظة

أضف تعليقـك

تعليقات

  • كلام جميل وصحيح في نفس الوقت – غياب الرؤية السياسية الواضحة قاد السودان إلى النفق المظلم . وفتح شهية البعض على السلطة

  • الخامس والعاشر كلام سطحي، الحكم المدني الحكم العسكري الحكم الاسلامي لن ينصلح الحال لأن العيب ليس في شكل الحكم ولكن العيب في الإنسان السوداني.

  • أوافقك الرأي بأن يلغي تماما الحكم البرلماني واستبداله بالحكم الرئاسي.
    بلادنا يتفشي فيها الجهل واستغلال الدين لمكاسب سياسيه وشخصيه.
    هل ان يحكم تموت تخلي او أمام ألبوخه مره اخرى بعد فشله الزريع؟؟

  • أمثالك من يفشل هذا البلد خاصة عندما تتقدم كلمة مهندس أو دكتور أو بروف علي اسمه انت مهندس الدخلك شنو في السياسة لو اهتميت بهندستك ماكان احسن ليك الخباز الترزي النقلتي الطبيب الغفير النجار الحداد بتاع الدكان التاجر كله عايز ينظر ويتكلم في السياسة ويكتب مقالات حدادي مدادي فارغ لو جابهو وختوه بتلفت يمين وشمال يقضيها كلها بوبار وواسطات

    • طيب مين العندو الحق في تناول الشأن السياسي اخي نبيل …
      السياسة ليست مهنة تقتصر على فئة دون الاخرى..

  • ما كتبته يا باشمهندس كلام مكرور قرأنا مثله كثيرا مما يكتب من يسمون أنفسهم بالمحللين السياسيين الذين تكاثرت أعدادهم في السودان مؤخرا . وهم لا يقدمون الحلول وإنما فقط ينذرونا بالخطر العظيم الساحق الماحق وشيك الوقوع … يعني زي ما عملت حضرتك كدا .. وكأن هذا هو فقط مبلغ غايتهم مما يكتبون !!!