السودان الان السودان عاجل

جريدة بريطانية : ازمة حقيقة وغليان الشارع ..هل سيحدث انقلاب عسكري مجددا ..تحول السودان الديمقراطي في مختبر التحديات الاقتصادية والسياسة؟

في وقت يعاني السودان من مصاعب اقتصادية كبرى وتحديات سياسية متصاعدة، يدور في الشارع السوداني وعلى المنابر المختلفة حديث حول المخاطر التي يمكن أن تحدق بالتحول الديمقراطي وعدم الوصول إلى إجراء انتخابات عامة تقود البلاد إلى استقرار سياسي، الأمر الذي حذر منه سياسيون وأكاديميون سودانيون، مشددين على ضرورة تنفيذ إصلاحات عاجلة في السياسات الاقتصادية المتبعة، والابتعاد عن الصراعات السياسية حتى تتمكن الحكومة الحالية من العبور بسلام إلى موعد إجراء انتخابات عامة في نهاية الفترة الانتقالية المحددة وفق الوثيقة الدستورية، بـ 39 شهراً.

وتعليقاً على مجريات الأحداث، صرح رئيس المكتب السياسي في حزب الأمة القومي السوداني، محمد المهدي لـ”اندبندنت عربية”، بأنه “معروف أن أي تغيير أو ثورة حصلت في التاريخ أعقب انتصارها صعوبات وتحديات عدة سواء سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية، وهناك بعض البلدان التي لم تحتمل تلك التحديات فانزلقت في اتجاه الحروب، ونحن في السودان لسنا بمعزل عن التحولات التي حدثت في العالم. وفي حين أن المجتمع السوداني أقوى من الدولة، يُشهَد له تماسكه ووحدته، وبالتالي يستطيع أن يتغلب على كل المعوقات التي تعترض مساره في اتجاه المحافظة على الديمقراطية التي نالها بتضحيات بالغة. وفي الوقت ذاته، نجد أن النخب السياسية واعية بما يواجه البلاد من مصاعب جمة، وأنها ضد العنف لأن تجربته مريرة، لذلك لا يُتوقَع الانزلاق نحو أي عمل فيه تآمر على الديمقراطية من أجل تحقيق مكاسب سياسية”، لافتاً إلى أن “القوى السياسية الوطنية اجتهدت خلال الفترة الماضية لإنجاز السلام الذي يُعد أهم مشروع وطني إذ يترتب عليه كثير من الآمال، فضلاً عن أنه يبث في نفوس المواطنين شعوراً بالارتياح والإيجابية بأن حكومتهم الانتقالية وحاضنتها السياسية تعملان بجد واجتهاد، وتمكنتا من تحقيق السلام الذي عجزت كل الحكومات المتعاقبة عن إنجازه”.

وتابع المهدي “صحيح أن التحديات الاقتصادية التي تجابه البلاد، من ندرة السلع الأساسية وارتفاع أسعارها، بخاصة الخبز والمحروقات، صعبة على غالبية الشعب، لكن هناك عزيمة قوية لتجاوزها في القريب العاجل، ونعتقد أن الخروج من هذا الموقف المتأزم يكمن في عقد مؤتمر قومي يُعنى بشؤون تأسيس المرحلة الانتقالية، ويخاطب الإشكالات الماثلة الآن ويضع الحلول، عبر توصيات نابعة من القاعدة وليست معلّبة ومحددة كما يحدث في الكثير من المؤتمرات”. وعبّر عن تفاؤله بتخطي الحكومة الانتقالية تلك العقبات من خلال وضع برامج إصلاحية فاعلة، مع إخلاص النية في تنفيذ مجملها بالصورة المطلوبة.

وفي رده على سؤال حول رؤيته لدور حزب الأمة كمكوّن رئيس في “قوى الحرية والتغيير” الحاضنة السياسية للحكومة الانتقالية، لمعالجة تلك التحديات، قال المهدي إن “حزب الأمة يعمل الآن مع حلفائه في قوى الحرية والتغيير، ويتواصل مع أجهزة الدولة المختلفة، والوساطة في عملية السلام، لكن تطلعات الناس من الحزب أكبر من دوره. صحيح أنه جمّد نشاطه في المجلس المركزي لقوى الحرية والتغيير، لكنه يواصل التنسيق معه لعقد مؤتمر لمشروع العقد الاجتماعي لسد ثغرات الانتقال الديمقراطي، وهو ما ارتأيناه كمخرج للبلاد مما يعترضها من أزمات”. وأقرّ في الوقت ذاته بأن “أداء الحكومة دون المتوقع، يجب أن يخضع للتقييم لإحداث تغيير حقيقي. وكنا نفضّل تشكيلها من كفاءات سياسية بدلاً من التكنوقراط حتى تكون هناك مسؤولية ومحاسبة حزبية لأي تقصير”.

أزمة حقيقية

في جانب متصل، أوضح أستاذ الاقتصاد السياسي، البروفيسور حسن بشير محمد نور أن “كل شيء متوقع، فالحكومة الانتقالية الآن في أزمة حقيقية، ولم تجد الحلول لكثير من المشاكل بل ازداد الأمر تعقيداً، وأصبح هناك خيط رفيع يهدد التحول الديمقراطي، لكن إذا تمّت إعادة تشكيل مؤسسات الحكم في البلاد على أسس ومعايير واضحة وفقاً لاتفاق السلام، وطرح رؤىً سديدة ومختلفة عن السياسات السابقة، وبالفعل حدثت متغيرات إيجابية، فإن الفترة الانتقالية ستمر بسلام وسنصل إلى الانتخابات العامة في الوقت المحدد”، موضحاً أن “الجانب الاقتصادي يُعتبر أهم جانب لأي حكومة لأنه مرتبط بحياة الناس، وما يحدث حالياً يثير القلق نظراً إلى ارتفاع التضخم إلى معدلات كبيرة، وانخفاض القوة الشرائية، واستمرار العجز في ميزان المدفوعات، وتصاعد أزمات الوقود والخبز. فالمعاناة كبيرة في جوانب تتطلب بذل جهود كبيرة وحثيثة، من أهمها وضع الحكومة يدها على موارد البلاد، بخاصة الشركات الأمنية، لتعود ولايتها إلى وزارة المالية، لضمان أن تصب عائداتها في خزينة الدولة، فضلاً عن القضاء على كل أوجه التمكين الذي أحدثه النظام السابق في مؤسسات الحكم”.

ويعتقد محمد نور أن “الإنجاز الحكومي خلال الفترة الماضية ضعيف للغاية في ظل تصاعد الأزمات الاقتصادية، إضافة إلى المعاناة التي خلفتها الفيضانات الشهر الماضي لكثير من المواطنين وما أحدثته من خسائر كبيرة، وغيرها من القضايا والأزمات الأخرى. مثلاً تجد قطاعاً كالتعليم العالي يعاني من أزمة تأمين مرتبات، ويُتوقَع في حال عدم حل هذه المشكلة دخول الجامعات في إضراب مفتوح، وهي مؤشرات خطرة تبيّن أن البلاد تتجه من أزمة إلى أخرى”، مرجعاً تفاقم هذه الأزمات إلى “عدم التوافق والتناغم بين المكونين العسكري والمدني، وعدم توافق الحاضنة السياسية والحكومة الانتقالية حول الرؤى والبرامج السياسية والاقتصادية، فضلاً عن المشاكسة بين مكونات قوى الحرية والتغيير”.

وفيما بيّن أن “القضايا الاقتصادية تُعدّ الأخطر والأعظم بالنسبة إلى أي حكومة، كونها ترتبط بجوانب سياسية خاصة وتتعلق بمحاور إقليمية ودولية، ومسألة رفع اسم البلاد من قائمة الدول الراعية للإرهاب، والمحافظة على السلام وغيرها”، أكد أستاذ الاقتصاد السياسي أن “هناك فرصة لإصلاح الوضع الحالي تتمثل باتجاه مؤسستَي السيادة والوزراء إلى اختيار حكومة رشيدة على قدر من التحدي والثورة بعد حل أجهزة الحكم القائمة الآن وإعادة تشكيلها من جديد إنفاذاً لاتفاق السلام بين الحكومة السودانية ومكونات الجبهة الثورية”.

غليان الشارع

في المقابل، اعتبر الأستاذ الجامعي السوداني الحاج حمد أن “الوضع في البلاد من كل النواحي مائع لأبعد حد، ويمر بدرجة من السيولة الشديدة، ما جعل الموقف مفتوحاً على كل الاحتمالات، فالمجلس السيادي يتطلع إلى سلطات وصلاحيات لم تكن منصوصة في الوثيقة الدستورية، كما أن الحكومة الانتقالية ممثلةً بالسلطة التنفيذية والحاضنة السياسية تركتا مساحةً واسعة من التباعد، ما شجع المكون العسكري للبروز أكثر انطلاقاً من قُصر النظر، بالإضافة إلى ذلك فإن الأزمة الاقتصادية تسببت بغليان الشارع، ما عمّق أزمة الثقة بين المكونَين المدني والعسكري (مجلسي السيادة والوزراء)، والحاضنة السياسية، والشارع، لكن ما هو غير متوقع، أن يحدث انقلاب عسكري، أو عودة نظام الرئيس السابق عمر البشير” الذي أطاحته الثورة الشعبية في 11 أبريل (نيسان) 2019.

استبعاد حدوث انقلاب عسكري أوعودة نظام البشيربعد توقيع اتفاق السلام

وزاد أن “الإشكالات الأكثر إلحاحاً الآن تتمثل في تصاعد نغمة الجهوية، وأن اتفاق السلام الذي وقِّع في الثالث من هذا الشهر جاء بالتزامات عدة من دون أن يكون هناك تأمين موارد لتنفيذه، وهو شبيه بوعد بلفور. كذلك إن الطريقة التي تتبعها الحكومة في معالجة الأزمات فيها تعالٍ والتزام الصمت وعدم مشاركة الآخرين، فضلاً عن صراع صامت داخل المجلس السيادي بين المكون العسكري نفسه، لذلك أُصيبت البلاد بشلل تام”. وأضاف أن “الثورة رفعت يدها عن قوى الحرية والتغيير، وأصبحت تمثلها لجان المقاومة التي طرحت نفسها بقوة فاعلة في ظل ضعف أداء الحاضنة السياسية وتشرذمها، إذ أثبتت الحاضنة أنها عاطلة من التفكير العملي تتحدث عن سياسات عامة، من دون أن تكون لديها أدوات التنفيذ، ما عمّق المشاكل كثيراً”.

ويرى الحاج حمد أن “ما يمر به السودان من منعطف خطير يتطلب أن تبتعد كل مكونات المجتمع سياسية وشعبية وحكومية عن الصراعات المختلفة، وأن يظهر هؤلاء وحدتهم بالعمل ككتلة واحدة كونهم مسؤولين أمام الشارع والتاريخ للعبور بهذه المرحلة إلى بر الأمان”.

عن مصدر الخبر

جريدة اندبندنت البريطانية

جريدة اندبندنت البريطانية