كتابات

عبدالله علقم يكتب السفارة السودانية.. نيو لوك

صحيفة التحرير
مصدر الخبر / صحيفة التحرير

 

فور دخولي مكتب الاستقبال واجهني الموظف بوجه باسم وهندام مرتب يليق بالسفارة ،أي سفارة، ويليق بأي مرفق محترم يتعامل مع الجمهور… ليس ذلك فحسب، ولكن قال لي ولرفاقي: مرحبا.

حسبت أني أخطأت العنوان ودخلت عن طريق الخطأ السفارة الكويتية أو السفارة الجزائرية وكلتاهما على بعد أمتار قليلة من مكتب الاستقبال الذي دخلته. ه

ي فعلا السفارة السودانية، لكن بوجه جديد (نيو لوك). فاجأنا موظف الاستقبال،أنا ورفاقي، حين أخبرناه بوجهتنا، فاجأنا حين نطق بكلمة السر التي غابت عن السفارة السودانية سنين عددا.

كلمة السر سهلة جدا (اتفضلوا). لم أخطيء العنوان، لكنه الوجه الجديد الذي فرضته ثورة ديسمبر. حسن التعامل لا يحتاج إلى إمكانات أكثر من تغيير ما بالأنفس.أتجنب ما استطعت الذهاب للسفارة السودانية لا سيما وأن مئات الكيلومترات تبعدني وأنا في الدمام من مقرها في الرياض.

أتجنب الوقوف بأبواب الحكام. غريزة أو عادة اكتسبتها من إخوتي الكبار.. ربما عملاً بوصية سيد الخلق عليه أفضل الصلاة والسلام لخادمه أنس بن مالك بالابتعاد عن أبواب الحكام.

في زمان الجاهلية كان في السفارة أكثر من حاكم ظاهر ومستتر يتفاوتون غلظة وافتراء على المواطن السوداني الذي يضطر إلى مراجعة السفارة.

كانت السفارة خلية أمنية تتصيد المعارضين والناشطين، وتتطفل على جاليات ومنظمات السودانيين بدلا من متابعة ومعالجة مشكلاتهم.

أحدهم، وكان يشغل منصب القنصل وهو جاء ضمن أول دفعة أقحمها التمكين في الخارجية ، تجاوزت تجاوزاته أسوار السفارة فاضطرت السلطات السعودية إلى إبعاده بوصفه شخصا غير مرغوب فيه(persona non grata) في سابقة مؤسفة للدبلوماسية السودانية.

تدرج الرجل في الوظائف بعد طرده فاصبح وكيلا لكل وزارة الخارجية، وكانت آخر محطاته سفارة ايرلندا التي تقاعد بعدها قبل أن تطاله يد إزالة التمكين.

لا أدري أين هو الآن؟ لكن المؤكد أن هناك أكثر من ملف ينتظر شهادته أو مساءلته في التصرفات السيئة التي حدثت لعقارات دولة السودان في لندن.

شاهدت أسطولاً من السيارات يقف داخل السفارة في انتظار التخلص منه بالبيع بعد تقليص الاستخدام والمستخدمين. جهود التنظيف والتعمير والتجميل مستمرة. سمعت كلمة اتفضلوا أكثر من مرة داخل السفارة، ونحن في طريقنا إلى مكتب السفير.

السفير نفسه دبلوماسي محترف (career diplomat) لم يجيء به التمكين اللعين. قال لنا السفير أن رصيد الصندوق الخيري السوداني لا يتجاوز العشرين ألف ريال سعودي، وأن كل صرف منه يتم تحت إشرافه شخصياً. كلام طيب لكنه محبط في الوقت نفسه؛ لأن رصيد الصندوق الخيري كان ملايين الريالات، ولم تكن إدارته فوق الشبهات.

رقابة السفير على الصندوق أمر طيب لكنها جاءت متأخرة جداً بعد أن طارت الطيور بأرزاقها. ختم مكتب المراجعة على الإيرادات والمنصرفات لا يعني اكثر من اعتماد صحة الأرقام والعمليات الحسابية حسب المستندات المقدمة للمكتب، ولكنه لا يؤكد شرعية المنصرفات.

كانت الجالية السودانية في المنطقة الشرقية في أزمنة الجاهلية تحصل على ختم مكتب مراجعة معتمد على ميزانيتها من حين إلى آخر مقابل مبلغ زهيد، وترى ذلك إبراء كافيا للذمة. مكتب المراجعة لا يفتي بشرعية استئجار سيارة كامري للجالية في السودان، أو دفع مخصصات فواتير هواتف خليوية أو سداد فاتورة إقامة والي ولاية الجزيرة في فندق 5 نجوم في الظهران، رغم أنه يحمل ما يكفي من نثريات ومخصصات، أو سداد فاتورة فندق شيراتون الدمام رغم أن الفندق شطب هذه الفاتورة، وإلى آخر هذا النوع من الصرف الفاسد الذي لا يكشفه مكتب المراجعة.

يمكن القول بقدر معقول من التفاؤل أن السفارة السودانية على أعتاب عهد جديد، مظهراً وجوهراً، وثقافة جديدة عنوانها احترام المواطن وترشيد وضبط الإنفاق رغم أنه لم يتم التخلص تماماً من التمكين والمتمكنين.

بقايا التمكين ما زالت باقية في السفارة تطمع في استعادة حظوظها. مظهر محير من مظاهر الثقافة الجديدة هو آلة تصوير المستندات الموجودة في قاعة رحيبة لانتظار المراجعين. وقفت طويلاً امام آلة التصوير لأعرف اسعار الخدمة. لدهشتي لم أشاهد أحداً يدفع يدفع ريالاً واحداً. دفعني الفضول لأسال القائم على الآلة عن أسعار التصوير. قال لي إنها خدمة مجانية.

يا الله..الدولة السودانية ممثلة في السفارة تقدم خدمة تصوير المستندات مجانا لكل مراجع. شيء لا يصدقه العقل، ولكن ليس من رأى كمن سمع.

في اليوم نفسه6 أكتوبر 2020م، التقيت السيد عبدالرحمن الحاج الملحق أو المستشار الأمني الجديد في السفارة، الذي كان في القضارف وغادرها بعد الثورة بعد أن ترك وراءه سمعة غير حميدة.

أشكر له سعيه إلى لقائي على خلفية مقال كتبته عنه، وعن سلفه أمبيقة الذي كوفيء هو الآخر بوظيفة أمنية في سفارة السودان في تشاد.

لا أكن للرجل بغضاً أو حباً، فأنا لا أعرفه وهو لا يعرفني، وسأتناول في مرة ومرات قادمة وجهة نظره حول اتهامه بسفك دماء شباب القضارف (بلاط الشهداء) والرد عليه من المتضررين الأحياء.

أشكر له توضيح وجهة نظره رغم أني اعتقد أن الأمر كان يجب أن يخضع للإجراءات العدلية المختلفة. في جميع الأحوال الشكر والحمد لله سبحانه وتعالى الذي جعل كل هذا ممكناً.أن يجلس الأمنيون مع البشر مثل سائر البشر ويخطؤون ويصيبون بلا حصانة وبلا قوة سلطة أو سلاح، وأن تجادلهم وتنتقد فعلهم وأنت بمأمن من بطشهم.

الشكر بعد الله لثورة الشباب التي هزت العالم وأربكت حسابات كل أجهزة المخابرات الخارجية وقوى البطش الداخلية.

واستغفر الله لي ولهم ولكم.

 

يمكنك ايضا قراءة الخبر في المصدر من صحيفة التحرير

عن مصدر الخبر

صحيفة التحرير

صحيفة التحرير