كتابات

محمد عبد القادر سبيل يكتب رسالة مُستعجلة إلى سكرتارية المُؤتمر الاقتصادي بالخرطوم

د. محمد عبدالقادر سبيل – الإمارات
د. محمد عبدالقادر سبيل – الإمارات
جريدة السياسي
مصدر الخبر / جريدة السياسي

د. محمد عبد القادر سبيل

أولاً: أدعو الله تعالى أن يُوفقكم إلى خير البلاد والعباد وأنتم تبحثون عن جادة الصواب ومراشد الهدى من أجل الخروج باقتصاد السودان ومعاش أهله نحو أفق الانفراج والرفاه.

وفي مستهل رسالتي هذه، أضع بين أيديكم ما أراه صحيحاً ومناسباً من تشخيص للظاهرة التضخمية السائدة، والتي هي في صدارة مشكلاتنا الاقتصادية. عسى أن يعينكم ذلك على وصف الحل الناجع عن بيِّنة.

وما سأقوله سيبدو غريباً ولكنني مقتنع بجدواه، فالتضخم الطاغي في بلادنا هو نمط استثنائي ذو خصوصية، واستطيع أن أطلق عليه التضخم المتشابك Cross-Inflation حيث يسود نوعان متناقضان من التضخم، هما تضخم جانب الطلب demand pull inflation وكذلك عكسه تضخم العرض supply push inflation ولسوء الحظ، فإنّ سياسات مواجهة أي منهما (السياسات المالية والنقدية) تفاقم الآخر فوراً، ولذلك فثمة حالة اشتباك وتناقض تضخمي أحدث هذا الاستعصاء المُتطاول على الحل.

وإذا كانت مصادر تضخم الطلب تتمثل في انهيار العملة وتآكل القوة الشرائية للجنيه، فضلاً عن الإفراط في طباعة النقود وتزويرها وزيادة الإنفاق العام، فإن مصادر جانب العرض تتمثل في تزايد تكاليف السلع والخدمات من جراء التمادي في فرض الضرائب، خاصة غير المباشرة منها كالقيمة المضافة vat والجمارك والرسوم والجبايات العديدة الأخرى بما فيها الزكاة كلها ينقلها التجار ليتحملها المستهلك، علماً بأن 70% من الإيرادات الحكومية العامة هي من الضرائب، وأن 90% من العبء الضريبي عبارة عن ضرائب غير مباشرة مما أوجد خللاً واضحاً في السياسات الضريبية أفرزت ما أطلقنا عليه ظاهرة التضخم الضرائبي taxflation أو الناشيء عن تزايد نسب الضرائب التي تزيد الضغوط التضخمية وترفع الأسعار، خاصّةً بالنسبة للسلع ذات المرونة الضعيفة، بجانب ذلك فإن من دواعي تضخم التكاليف، شيوع ظاهرة الوسطاء والمضاربات بسبب حالة اللا يقين المُخيّمة على الأسواق.

وفي المُقابل، فإنّ سلبية الحكومات المتعاقبة وآخرها حكومة دكتور حمدوك واستسلامها لتحكم الرأسمالية الطفيلية في الاقتصاد بما جعل التجار يستحوذون تماماً على عوائد صادر ثروات البلاد، ويتحكّمون في سعر العملة الوطنية، كل ذلك لعب الدور الأهم في زيادة الطين بلّه.

ورغم هذا كله فإنني على يقين بأن المطلوب للخروج من نفق الأزمة أوضح وأبسط من أن تتنادى من أجله اللجان وتوصي المؤتمرات.. غير أن المشكلة الحقيقية تكمن في أن الحكومة الانتقالية تصر إصراراً غريباً على اعتماد روشتة (IMF) وانتظار المساعدات الخارجية.

مهما يكن، فإن ما نراه واضحاً وحاسماً للحل فهو ما يلي:

أولاً: أن تتولي الدولة من خلال شركة حكومية أو هيئة أو مؤسسة عامة، أو مجموعة شركات حكومية، مهمة تصدير السلع النقدية الأبرز: الذهب، الماشية، الصمغ العربي، القطن، الحبوب الزيتية والذرة؟.

إن الدولة أصلاً تطبع النقد بلا غطاء وبلا سقف محدد، فلتطبعها لاحتكار شراء هذه السلع النقدية من المنتجين من أجل أن تجني بها ما يزيد عن 20 مليار دولار سنوياً لتتحكّم الحكومة بالتالي في سعر الصرف، وفي معدل التضخم، وفي توفير السلع الاستراتيجية بأسعار مخفضة جداً بعد خروج التجار بجشعهم ومُضارباتهم.

ثانياً: أن تتولى الدولة بنفسها استيراد السلع الاستراتيجية، كالقمح ومشتقات البترول والغاز والدواء ومدخلات الإنتاج (سماد، آليات، قطع غيار، تقاوي محسنة، ماكينات إنتاج صناعي)، بجانب السلع الغذائية الشعبية (مثل الفول والعدس وغيرهما).

ثالثاً: أن توجه الدولة فائض حصائل الصادر بعد استيراد السلع الاستراتيجية، إلى تطوير قطاع الصادر من خلال زيادة القيمة المُضافة ورفع جودة الماشية واللحوم والصمغ والحبوب والذهب، فضلاً عن توسيع إنتاج سلع القمح والدواء والبترول السوداني والوصول بها إلى مستوى الاكتفاء الذاتي توفيراً للعملات الصعبة التي ترهق ميزان المدفوعات.

رابعاً: تبني قانون جديد يلزم المُغتربين بسداد ضرائبهم بالعملة الصعبة كما كان سابقاً، ويلزمهم بتحويل مدخراتهم بأعلى سعر في السوق المُوازي (إن وُجد سُوق مُوازٍ حينئذ) مع تقديم الحوافز الحقيقية لهم.

خامساً: مكافأة قوات حراسة الحدود والقوات المساندة لها بالحصول فوراً على 50% من قيمة السلع المهربة التي تضبط عبر الحدود والمنافذ، وسجن المهربين لمدد طويلة مع المُصادرة.

سادساً: وقف استيراد جميع السلع التي لها بدائل في السودان، وفي مقدمتها اللبن والحلويات والبسكويت واللحوم، وكذلك منع السلع الكمالية والأثاث والزينة من أجل توفير العملة الصعبة تحسيناً لأداء الميزان التجاري الخارجي.

سابعاً: تبعية ديوان الزكاة لوزارة المالية بوصف الزكاة مالاً عاماً وتحصيل جباياتها بأورنيك 15 وصرفها على بنود الموازنة العامة التي تناسب مصارف الزكاة الشرعية.

ثامناً: إعفاء 50% من جمارك المواد الخام وماكينات الإنتاج وقطع غيار المصانع العاملة ومنتجة بالفعل، وكذلك إعفاء 50% من رسوم الكهرباء والماء للمصانع والمزارع تشجيعاً لتوسيع إنتاجها ولتخفيض تكاليف وأسعار السلع.

تاسعاً: إنشاء أكبر جمعية تعاونية (استهلاكية وإنتاجية) في تاريخ السودان، برأس مال لا يقل عن 5 مليارات دولار، تغطي كل المدن والقرى والأحياء بخدماتها، مع إعفائها من كل الجبايات، بحيث تعرض سلعاً متنوعة بهامش ربح لا يزيد عن 20% وتقوم بتشغيل شباب وكنداكات الثورة في إدارة مشاريعها الإنتاجية وفي منافذ بيعها.

عاشراً: حماية الجنيه السوداني من التزوير ومن احتجازه داخل أقبية التجار، من خلال طباعة جميع فئات العملة في دولة أجنبية محترمة، مع وقف الفئات الكبيرة، ومن خلال منع ممارسة نشاط السمسرة نهائياً، فضلاً عن وقف تداول العقارات والمركبات وتشجيع التجار على الزراعة والصناعة والاستثمار في المشاريع الخدمية (خاصة السياحية) بخفض رسوم الماء والكهرباء وإعفائها من الجبايات في السنوات الأولى للاستثمار.

ترى ما الذي يمنع دكتور حمدوك عن تبني هذه الروشتة التي لا تكلفه سوى الجدية والهِمّة والشجاعة؟.

المؤتمر الاقتصادي المنعقد بقاعة الصداقة 26 سبتمبر 2020 يجب أن يركز بشكل أساسي على هذا السؤال الجوهري والأكثر إلحاحاً… ما الذي يمنع دكتور حمدوك عن تبني هذه الروشتة الواضحة والتي يعلم جدواها الجميع؟

فهذه السياسات لو طُبِّقت بإخلاصٍ وطني حتى تكلّلت بالنجاح، فستسفر عن خفض سعر الدولار الى مستوى سعره الرسمي الحالي 55 جنيهاً، وستخفض أسعار السلع بالتالي إلى أقل من 20% من قيمتها الحالية، لأن سعر الدولار الأسود اليوم يُعادل خمسة أضعاف سعره الرسمي.. وقطعة الخُبز ستكون بجنيه واحد وبحجم أكبر من حجمها المُخزي الحالي وبدون دعم، لأنّ الدولة ستستورد القمح والدواء والوقود ومدخلات الإنتاج وقطع الغيار بما تملكه من عملة أجنبية.

أيها المؤتمرون لا تذهبوا بعيداً في التنظيرات، فالمطلوب فقط هو إنفاذ هذه السياسات البسيطة وواضحة أعلاه. فقط الزموا حمدوك بها واصرفوه عن روشتة صندوق النقد الدولي.

عن مصدر الخبر

جريدة السياسي

جريدة السياسي

تعليقات

  • هذا حل كل العقلاء . ولكن نريد قطرات وقود تحركنا للمربع الثاني وهو ماطرحته . فبجنيه تحت العناية المركزة إذا اعطيناه جرعات الدواء قد يموت . نريد فقط النذر الذي يخرجه من العناية المركزة بأمان وهذا ما نبحث عنه .

  • العنصري المغرور سبيل لا نحترمك البتة لأنك امرؤ فيك جاهلية بالرغم من طرحك المقنع شفاك الله فأنت والخال الرئاسي وجهان لعملة واحدة

  • تسلم والله هذا ما تراه واتفق حواه معك علاج واضح وناجع ويمكن تطبيقه دون فلسفة وتنظير كتير