كتابات

يوسف السندي يكتب التطبيع في الميزان

كتب : يوسف السندي
مصدر الخبر / كتب : يوسف السندي

 

في وقت مضى كان الحديث عن التطبيع مع إسرائيل في مستوى الحرام عند الشعب السوداني، وقتها كان العالم مجهولا للإنسان السوداني البسيط، كانت نشرات أخبار هنا لندن ومونتكارلو عبر الراديو ونشرة الاخبار العالمية عند التاسعة مساء في تلفزيون السودان القومي هي نوافذ الناس الوحيدة لرؤية العالم السياسي الخارجي، حيث لا اطباق فضائية ولا جوال ولا انترنت .

كان طبيعيا في هذا الظلام ان تسود أفكار مضطربة عن العالم الخارجي وعن حقائق الأمور فيه، و كان مقبولا ان تسود أفكار سوداء تصور للشعب السوداني ان مصلحته الدينية و الدنيوية هي في الموت لأمريكا والفناء لإسرائيل والعذاب لروسيا. كان طبيعيا للسوداني العادي – والعالم مجهول بالنسبة له – أن يصور له بعض المثقفين واصحاب الاغراض الصراع الفلسطيني على اساس انه هو نفسه الصراع السوداني، و ان القدس هي الخرطوم وغزة هي الأبيض ورام الله هي ود مدني. كان منطقيا في هذا الظلام ان يقتنع الإنسان السوداني البسيط بأن وقوفه مع فلسطين هو الطريقة الوحيدة لمواجهة مشروع إسرائيل الذي تسعى به لاحتلال الدول العربية قاطبة من المحيط إلى الخليج، وبالتالي تخيل وقوفه الكامل ضد التطبيع بانه هو الضمان الوحيد لعدم وصول اليهود النجوس إلى بلدته في اقاصي كردفان او في مجاهيل ريف الجزيرة.

الي ان جاءت الألفية الجديدة، وانفجرت التكنولوجيا، و ظهرت الأطباق الفضائية والجوالات والانترنت ودخل الناس عالم التصفح الرقمي والفيس بوك وتويتر والانستغرام، واصبح ابسط مواطن يجلس تحت راكوبة في اقاصي الريف يستطيع ان يطالع في بث لايف ماذا يقول الرئيس الأمريكي الآن، و ما هي درجة الحرارة الآن في ميونخ، و كم قتيلا سقط في حادث تصادم حدث في نيروبي قبل دقائق، و كم بلغ سعر اليوان مقابل الاسترليني في بورصة لندن هذا الصباح، بين ليلة وضحاها اصبح العالم جميعه متاحا في شاشة صغيرة، لا تخفى فيه خافية، ولم يعد سهلا خداع احد بأن إسرائيل تعد جيوشها و تقرع الطبول الآن لتحتل البلاد العربية من المحيط إلى الخليج، كما لم يعد مقبولا عند الإنسان السوداني البسيط تصديق أن أميركا لا عمل لها سوى حياكة المؤامرات للقضاء على السودان وإذاقة شعبه الهوان لأنهم يمثلون تهديدا مباشرا لسيطرة أمريكا على العالم. تغير الزمان وتغيرت المفاهيم، ووصل الجميع حول العالم إلى مستوى متقارب من القدرة على الوصول إلى المعلومات والاستفادة منها في تصحيح الأفكار المغلوطة. لذلك حين يتحدث البعض الآن عن التطبيع من منطلق أنه لا تفريط في الموقف الثابت من قيام دولة فلسطينية حرة وعاصمتها القدس فإن إعادة الصورة الذهنية السابقة ومحاولة غش الجماهير بها سيكون غير مجدي وغير فعال.

لا ينكر أحد ان قضية فلسطين قضية عادلة، حتى الأمم المتحدة ومجلس الأمن اصدرتا عشرات القرارات الأممية التي تدين إسرائيل، ولكن الحقيقة التي يصر البعض على تجاوزها هي ان قضية فلسطين لم تعد قضية حرب منذ أن صافح الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات الرئيس الاسرائيلي اسحاق رابين في اوسلو عام ١٩٩٣ ووقع اتفاقا فلسطينيا اسرائيليا اعترف فيه عرفات بحق إسرائيل في العيش بسلام وبالتفاوض كوسيلة وحيدة لحل الخلافات، من وقتها أصبحت القضية الفلسطينية هي قضية تفاوض، ومعلوم في التفاوض أن الطرف الأقوى هو دوما من يفرض شروطه، والفلسطينيون ضعفاء امام إسرائيل النووية، والعرب ضعفاء، والمسلمون مفككين، والعالم لا توجد فيه دولة واحدة تستطيع أن تواجه حليف إسرائيل الاستراتيجي أمريكا، لذلك شروط اللعبة تغيرت والبقاء في ذات الخانة القديمة لم يعد مجدي، الأفضل النظر إلى مقاربات جديدة، وأول هذه المقاربات هي ان تسعى الدول العربية إلى بناء نفسها وتطوير قدراتها والصعود نحو دول العالم الأول حتى تستطيع أن تفرض شروطها وتؤثر على إسرائيل وحلفاءها، بغير ذلك ستظل المعادلة كما هي مختلة جدا، لا تفيد الفلسطينيين ولا الدول العربية، لذلك ان كان في التطبيع ما يدعم مصلحة السودان وتطوره فهو بلا شك افضل من التمسك بمواقف مبدئية حتى أهلها تجاوزوها.

[email protected]

يمكنك ايضا قراءة الخبر في المصدر من صحيفة التحرير

عن مصدر الخبر

كتب : يوسف السندي

كتب : يوسف السندي

كاتب سوداني , [email protected]

تعليق

  • لا شك ان شروط اللعبة تغيرت كما عبر الكاتب،ولكن المباديء لم تتغير فمبدأ نصر المظلوم والاخذ على يد الظالم ،والسعي الى معاضدة من انتهك حقه ومناصرتهم حتى يسترده ،واعادة المهجرين الى اوطانهم التي هجروا منها،وكف ايدي المعتدين. هذه كلها مباديء يحث عليها الشرع والقانون ،ولم شمل العرب ،واستعادة قوتهم ووقوفهم على ارجلهم لا يكون بتشجيع التطبيع ، وبدلا من تبرير ضعف الموقف العرب ،يجب العمل على تقوية نسيج البنية الأساسية لوحدة الأمة العربية، وتجديد الشعور بالإنتماء إليها، والعمل على تفعيل العوامل التي وحدتها ا في العصور السابقة، وفي مقدمها: التعاون في المجالات الإقتصادية والسياسية والثقافية بين شعوب الأمة العربية ، واجراء دراسات علمية جادة في كل من تلك المجالات، وإقامة مؤسسات يتحقق من خلالها الوحدة والتكامل بين شعوب الأمة وأقطارها.فلعل التركيز على هذا يصلح من احوال الامة العربية فتستعيد عافيتها وتخرج من الواقع المزري الذي انحدرت اليه.