كتابات

مشاعر عبد الكريم تكتب أشياء صغيرة نفقدها في الحريق*

جريدة السياسي
مصدر الخبر / جريدة السياسي

الطريق إلى السيطرة على بلد، أي بلد، يبدأ بخطوة التفرقة. وهذا ما يحدث الآن في الشرق، والغرب، وتحت رعاية حكومة الفترة الانتقالية.

الانتقام عند أهل أوربا يُعرفونه بأنه (طبق يُقدم بارداً) حيث يُمعنون في التخطيط للإنتقام من خصومهم، وبأقل الخسائر الجسدية الممكنة /في الأفلام مافي كلام زي ده / و عند أهلنا الطيبين يُحذرونك من الوقوع في براثن الإنتقام بنصيحة متينة (الفشَّ غبينتو، خرب مدينتو) وهذا للأسف ما حدث في بورتسودان مع التحفظ على إنها ليست غبينة بقدر ما هي مؤامرة مُحكمة، قُدمت لهم على طبق بارد، فتناولوها بعد ايقاد النيران، ساخنة.

ساخرة من صمت الحكومة كتبت ناشطة مجتمعية ومهتمة بقضايا السلام، (كلموا المجتمع الدولي يكلم حكومة الناشطين ديل إنه بورتسودان في حدود السودان) والسخرية في حدتها ولسعها، لا تمنحك الفرصة للابتسام، دعك من الضحك على التعليق، ففي الوقت الذي تحترق فيه الجثث على قارعة الطريق، كان رئيس الوزراء يغرّد بما يشبه البشرى للناس بمحادثاته مع المجتمع الدولي! مما جعل كثيرون ممن كانوا من المدافعين عن الحكومة الانتقالية يصرخون برسائل قصيرة تتحد في الانتباه للشرق وما يحدث فيه من موت ومؤامرات. غير مُبررة على الإطلاق. وأن تخرج الحكومة ببيان تندد فيه و تشجب ما يحدث هناك، وتسعى لفرض هيبة الدولة بالقوة لحسم المتفلتيين.

الملفت للنظر في التسجيلات المصورة القادمة من هناك هو سعي المُخربين لتوضيح صورة الخراب الكبير الذي قاموا به، ولأي مدى هم يسيطرون على كافة شيء. في أحد التسجيلات يقوم من يصور الفيديو بإطلاق صرخات (الله أكبر.. الله أكبر، اقتلوا………) ولا أحد يرد عليه لكننا نرى الرد عبر ما تعكسه لنا كاميرته المحمولة على هاتفه. جثث لبشر وحيوانات محترقة بيوت لم يبق منها شئ، أثاثات ملقاة بلا ترتيب تحمل ملابس و أواني وذكريات لأسرة كانت في منزلها آمنة.

آمرٌ قواته المعروفة بإسم (قوات الدعم السريع) بالدخول لبورتسودان في أسرع وقت ممكن، يمسك القائد (محمد حمدان دقلو) برقابنا، مقبقباً، لنا جميعاً، حكومةً و شعباً، ليُخبرنا بالطريقة الصعبة، أنه وحده الذي يستطيع حل المشكلات، وأنه لولاه ولولا قواته ذات القدرة على الدعم السريع، ما استطعنا كعُزل حماية أنفسنا، من شرور الفتن والاقتتال القبلي المندلعة في شرق وغرب البلاد. فينقل من يمتلك خاصية النقل المباشر، وصول عربات الدعم السريع، ضاغطة على ماكينة سيارات الدفع الرباعي، فتصدر صوتاً شاهقاً يُخبر الجميع إن (عند الصباح الدعم جا).

جاء في الخبر عدد القتلى، وجاء في البيان عدد القتلى، وجاء في النشرات الإخبارية كذلك وفي وكالات الأنباء المحلية ومراسلي الدولية والفضائيات والاذاعات و ناقلي الأخبار على صفحات التواصل الاجتماعي، جميعه جاءوا بعدد القتلى، عددهم فقط، لكن من هُم، وماذا فعلوا وكيف كانوا يعيشون، ولماذا قُتلوا؟، لا أحد يعلم. و جاءت الأنباء من هناك على هواتفنا تخبرنا بما لا يمكن ذكره، أو نشره.فنستغرقُ بالدعاء، فقط الدعاء ولا شئ غيره، حسناً ربما تلوين فيسبوك بالتضامن الهزيل، وأننا نؤيد التعايش السلمي.

السلمية التي كانت شعاراً قوياً لثورة ديسمبر إبريل، فُقدت بين يوم و ضحاها، بسبب الإنحراف عن قضايا الثورة، وانشغال الحكومة و مؤسساتها بما يطلبه المستمعين تحت شعار سطحي (بل الكيزان) في حين إنهم كموالين للنظام السابق كانوا يحفرون عميقاً لزرع الفتن، وينسجون دقيقاً نسيج العنصرية القابل للاشتعال بأقل احتكاك. خدرتنا بنظرية الانتقام الساذجة، و استيقظنا على نيران تلتهم كل شعارات الثورة القوية، وتعيدنا للهوة العميقة الشهيرة لل(كيزان) ألا وهي العنصرية.

العنصر المهم هنا هو الوقت، أكثر من القوة. فكلما سارعت باطفاء النيران، كلما ضمنت خسائر أقلّ. لكن للأسف و رغم إن

بورتسودان بها منطقة عسكرية بها أكتر من ٢٠ الف جندي. وبها الفرقة ١٠١ مشاة بحرية التي تحتوي على آلاف الجنود، وغير شرطة الولاية لواء دفاع جوي، وقاعدة بحرية، بجانب قطاع دعم سريع،رغم كل هذه القوات، غير منسوبي جهاز الأمن الوطني، فإن خسائر نيران الفتنة كبيرة جداً ولا تُحصي.والتي للعلم هي ليست المرة الأولى التي يتم فيها إشعال هذه النيران بل هو سيناريو مكرر، لخمس أو ست مرات خلال عام واحد تقريباً.

تقرير الميدان من بورتسودان لا يمكنك عزيزي القارئ الإطلاع عليه كاملاً لقساوة المشهد. لكن تقريب وجهات النظر يمكننا أن نسعى جميعا لإكمال مشاهده و عودة الحياة لطبيعتها رغم كل ما فقدناه، إلا إن العشم كبير في الشيوخ والعميد المحليين، و رغم الخسائر الكبيرة، أن يتم حقن الدماء ونلملم ما تبقى من وحدتنا كي (ننتصر، ونعبر) *

* عنوان العمود إسم لفيلم أجنبي، عن فكرة الموت.

عن مصدر الخبر

جريدة السياسي

جريدة السياسي