كتابات

يوسف السندي يكتب الجيل الجديد في ( فتيل )

صحيفة التحرير
مصدر الخبر / صحيفة التحرير

 

الجيل الجديد وأعنى به الشابات والشباب أقل من عمر الثلاثين سنة ، ولد هذا الجيل بالكامل في ظل نظام الإنقاذ، لم يرى من الديمقراطية الا اسمها، ولم يشاهد من الحرية الا خيالاتها ، لم يرى انتخابات ديمقراطية، ولا عايش عدالة في توزيع الفرص، ولا حضر سلاما حقيقيا، بل شاهد الحروب والدمار غربا وجنوبا وشرقا ، السلام الوحيد الذي عايشه في ٢٠٠٥ قاد إلى الانفصال، مما شوه في ذهنه معنى السلام وغايات الحرب .

الجيل الجديد درس في مدارس الإنقاذ، درس مناهجها التي لا تربي الا طالبا باهتا ، يحمل عشرات الكتب على ظهره وهو لم يبلغ الخامسة عشرة بعد ولا يرى في الواقع اي مصير مشجع لمن درس وتعلم وتعب ، المتعلمون لا ينالون الفرص المستحقة في عهد الإنقاذ، الكيزان فقط هم من ينالون المناصب العليا والبعثات والاعفاءات الجمركية واعفاءات الضرائب، في عالم الإنقاذ لا تحتاج لتتعب وتقرأ ، كن كوزا وسوف يتم قبولك ضمن أبناء المجاهدين والشهداء في اعرق الكليات، كن ناشطا في أوساط الكيزان وسوف يتم مساعدتك على تجاوز الامتحانات وعلى التخرج من الجامعة وبعد الجامعة يمكنك أن تتوظف استاذا كالنيل الفاضل وانت لا تملك ولا مؤهلا واحدا لدرجة استاذ جامعي ، ثم يمكنك أن تنال درجة الماجستير او الدكتوراة او الاستاذية بلا جهد ولا عناء كما نالها البشير وزوجته وصف طويل من عتاة الانقاذيين، فلماذا الدراسة؟ هكذا كان العقل الباطن للجيل الجديد يسأل نفسه .

ثورة التكنولوجيا أنقذت الجيل الجديد من إحباطات الواقع المتعددة ، انغمس الجيل الجديد في عالم الإنترنت، أصبح يلبس كما يشاء ويحلق شعره كما يشاء يغني ويرقص ويلعب الليدو ، كان يبدو جيلا بلا هدف ولا لون ولا رائحة، مسخ مشوه هو نتاج الثورة الحضارية للإنقاذ ، ولكنه لم يكن كذلك بل كان جيلا هاربا من كأبة الواقع وفضيحة الحاضر إلى العالم الافتراضي ، كان يسمع تعليقات الأجيال القديمة حول لبسه وشعره وحركاته ولكنه كان يسد ( دي بطينة ودي بعجينة ) ويمضي في ممارساته ، نعتته الأجيال القديمة بانه ( جيل ما فيه خير ) ( جيل فاشل ) ، ولكنه لم يكن كذلك ، كان جيلا مسؤلا ينتظر اللحظة المناسبة فقط ، اللحظة التي ستغير التاريخ .

انفجرت ثورة ديسمبر وارتفعت شعارات السلام والحرية والعدالة ، وكأنه كان ينتظر هذه اللحظة ، هب الجيل الجديد، قذف بكل شيء وخرج للشوارع ، هتف كما لم يهتف جيلا من قبل ، ضحى كما لم يضحي جيلا من قبل ، ثبت كما لم يثبت جيلا من قبل ، وقاد البلاد شهورا عبر الدماء والدموع في مواكبا لو استعصت عليها الشمس لانزلتها إلى الأرض. خرج الجيل الجديد من قمقمه ماردا جبارا ، حطم كل الصور القديمة عنه ، وخرج شاهرا نفسه جيلا عظيما ومسؤلا، كأنما هو الجيل الذي انشد باسمه محمد المكي ابراهيم حين قال:
من غيرنا يعطي لهذا الشعب معنى ان يعيش و ينتصر
من غيرنا ليقرر التاريخ و القيم الجديدة و السّير
من غيرنا لصياغة الدنيا و تركيب الحياة القادمة
جيل العطاء المستجيش ضراوة و مصادمه
المستميت علي المبادئ مؤمنا
المشرئب الى النجوم لينتقي صدر السماء لشعبنا
جيلي انا

انتصر هذا الجيل لنفسه بانتصار ثورة ديسمبر ، قرر تاريخا سودانيا جديدا وصنع تحولا عظيما ، ولكن القصة لم تنتهي ، انتصر الجيل على الإنقاذ وأطاح بها ، ولكن الذين قادوا أمامه الخطى ، تجمع المهنيين وقوى الحرية والتغيير، اظهروا وجوها جديدة بعد اكتمال النصر ، وجوه الاختطاف السياسي الحزبي للثورة ، هذا النهج ادخل الجيل الجديد في ( فتيل ) ، هو صانع الثورة الحقيقي ، هو وقودها الميداني ، ولكنه الآن ينظر في مسرح عبثي يحاول فيه تيار سياسي محدد ان يهيمن على كل شيء ، هل سيستمر الجيل الجديد في هذا ( الفتيل ) ؟ ام يقرر مجددا الوقوف ضد اختطاف الثورة السياسي والاصطفاف مع الحلول الحقيقية لا الحزبية من أجل عبور نفق الفترة الانتقالية ؟ هل يستطيع هذا الجيل النصر مجددا؟ ربما لالهامه بذلك مناسب هنا ايضا ان نستعيد في الختام كلمات الشاعر الكبير محمد المكي ابراهيم :
جيل العطاء لعزمنا حتماً يزل المستحيل و ينتصر
و سنبدع الدنيا الجديدة وفق ما نهوى
و نحمل عبء ان نبنى الحياة و نبتكر .

[email protected]

يمكنك ايضا قراءة الخبر في المصدر من صحيفة التحرير

عن مصدر الخبر

صحيفة التحرير

صحيفة التحرير

تعليق

  • مقال جيد في كل الاحوال ويستحق كاتبه صفة الصحفي مقارنة ببعض اقرانه الذين همهم تسويد الصحائف فقط