كتابات

د.الشفيع خضر سعيد يكتب : السودان في الذكرى الأولى لمذبحة الاعتصام

الراكوبة نيوز
مصدر الخبر / الراكوبة نيوز

وفق التقويم الهجري، مرّت في 29 رمضان المنصرم قبل يومين، أعاده الله على بلادنا وعلى العالم بالخير والسلام وغروب الجوانح، مرّت الذكرى الأولى لمذبحة ميدان القيادة العامة بالخرطوم، عندما غزت جحافل تتار السودان، في جنح الظلام، ميدان القيادة، لتمزّق وتحرق أجساد الشباب وهم نيام، معتصمين سلميا أمام بوابات القيادة العامة للقوات المسلحة السودانية، محملين بعشم أن تحميهم هذه القوات من بطش كتائب الموت، ولكنها لم تفعل. لم يكن الهدف الرئيسي للغزو هو فض الاعتصام، فهذا كان يمكن أن يتحقق بدون إطلاق رصاصة واحدة، والمعتصمون كانوا عزّلا إلا من سلاح تصميمهم على انتصار الثورة، وكان يمكن اعتقالهم جميعا واحدا واحد، ما داموا نياما وعددهم قليل، مقارنة بحجم وعدد وتسليح القوات الغازية. وبالنظر إلى عمليات القتل وإلقاء الجثث في النيل وإطلاق الرصاص حتى على المحتمين بالمستشفيات القريبة من موقع الاعتصام، وبالنظر إلى أن هجمات فض وقمع الاعتصام تمت بالتزامن في كل مدن السودان التي اعتصم فيها الثوار، وليس في الخرطوم وحدها، وبالنظر إلى ما تبع المذبحة من عمليات اختطاف وقتل للقيادات من شباب لجان المقاومة في الأحياء، ومن فرض للأحكام العرفية وتحويل العاصمة إلى ثكنة عسكرية ترهب وتقمع، ومن قطع للإنترنت ومنع الندوات والمؤتمرات الصحافية، حتى ولو كانت محصورة داخل الأندية والمقار، بالنظر إلى كل هذه الوقائع، فإن الهدف الرئيس من غزوة فض الاعتصام، بحسب اعتقادنا، كان قتل أي أمل في التغيير عبر سفك دماء أكبر عدد من الشباب المنهمك بهمة وجدية وحيوية في التخطيط لبناء الغد الواعد في بلادنا. كانت المجزرة انتقاما، وتمهيدا لانقلاب مضاد على الثورة المجيدة، استهان مخططوه ومنفذوه بشعب السودان العظيم الذي هزم الانقلاب بعد ثلاثة أسابيع في 30 يونيو/حزيران 2019. لا توصيف لمذبحة فض الاعتصام سوى أنها جريمة قتل عمد مكتملة الأركان، لا يجب أن نسمح بإفلات من خطط لها أو نفذها من العقاب، وفي ذات الوقت يجب أن لا نسمح لأنفسنا بالتشويش على عمل لجنة التحقيق المكلفة من قبل رئيس الوزراء لكشف أسرار هذه الجريمة، وعلينا انتظار تقريرها النهائي. ولكن، على اللجنة أيضا الإسراع بإنجاز هذا التقرير وفق ما تقتضيه حيثيات سير العدالة، وليس لمجرد إرضائنا.

صحيح، يمر السودان اليوم بمنعطف هو الأكثر خطورة والأشد وعورة، في ظل حرية حركة الأرواح الشريرة، المُتجسدة. وصحيح أن هذا الوضع يتطلب إعلاء صوت الحكمة مثلما يتطلب التقدم بمشروع وطني يسع كل من شارك في الثورة، من لا يعاديها أو يحاربها

وغير مكتمل إذا توقف فقط عند الإطاحة بالغطاء السياسي لسلطة تحالف الاستبداد والفساد، بينما جسد التحالف باق ينخر في عظام الثورة، وينسج خيوط غطاء سياسي بديل، لينقض ويحكم من جديد بقوة الدم المسفوح. وبالمناسبة، تحالف الفساد والاستبداد هو وصفنا لطبيعة نظام الإنقاذ الذي كان من أهم أركانه، الفساد الذي ذاع وعمّ القرى والحضر، وحمايته، هو وكرسي السلطة، بالاستبداد والقمع الوحشي. لذلك، نحن عندما نتحدث عن تحالف الفساد والاستبداد، لا نتحدث عن مكون أو وحش هلامي، ولا نستدعي تخيلات من وحي أفلام هاري بوتر أو شرلوك هولمز، وإنما نتحدث عن الإنقاذ كوحش حقيقي مجسّد، وليس شبحا أو وهما، ظل جاثما على صدر بلادنا لثلاثين عاما.
ثورة السودان ليست حدثا مؤقتا أو نزهة قصيرة، هي سلسلة عمليات ومراحل، قد يطول الزمن أو يقصر قبل بلوغها عتبة الانتصار. وأعداء الثورة، من أذناب تحالف الفساد والاستبداد وغيرهم، يحلمون أنهم كلما سارعوا بالهجوم عليها وهي في بواكير أيامها، كلما كان الانقضاض عليها أسهل. لذلك، هم يسعون للزج بها وبالثوار في ركن قصي، مستخدمين شتى الأساليب والطرق، حتى يستطيعوا أن يصولوا ويجولوا سباحة في بحور دماء الشهداء الطاهرة، وعكسا لاتجاه دوران عقارب الساعة. ومن بين هذه الأساليب محاولة شيطنة لجان المقاومة تمهيدا للقضاء عليها قبل أن يشتد عودها، باعتبارها رأس حربة الثورة، حيث ظلت تنظم وتعبئ الجماهير في الأحياء والقرى، وقامت مقام الوسائط الاسفيرية، عندما قطعت السلطات الإنترنت من البلاد، لتنظيم مليونية 30 يونيو/حزيران التي هزمت محاولة الانقلاب والردة. وهي الآن، تقوم بحراسة الثورة وحمايتها، ليس من الأعداء فحسب، بل بمراقبة صارمة لأداء الفاعلين السياسيين في الفترة الانتقالية، كما تلعب دورا في البناء الوطني وتقديم الخدمات تيسيرا لمعيشة الناس. وشباب لجان المقاومة، تشكل وعيهم في دروب حدة الصراع السياسي الاجتماعي وحراك المجتمع المدني في البلد. ووجودهم المستقل عن المواقع المتنفذة، في الحكم وخارجه، سمح لهم بالرؤية الناقدة، كما أن تطلعهم نحو الأفضل يؤهلهم ليخلقوا البدائل الأكثر انسجاما مع المستقبل. ولجان المقاومة لا تحرّك الشوارع، انتصارا لهذا الحزب أو ذاك، أو رغبة في الاستوزار وكراسي الحكم، ولكنها ترفع شعارات تغيير أوضاع الشعب المزرية، وضرورة أن يتخطى السودان خط الفقر ودائرة العنف السياسي والإثني، إلى رحاب الحياة الديمقراطية التي تقبل الجميع. كما عبرت عن مطالب الشباب في تنسم مناخ الحرية، وفي العيش والدراسة بكرامة وفي أجواء خالية من الوجل أو الخوف. وهي بهذا الفهم، لا علاقة لها، من قريب أو بعيد، بتجربة لجان الثورة الثقافية في الصين على أيام ماوتسي تونغ، والتي تشكلت بقرار من الحزب الحاكم، وفي إطار الصراع على السلطة داخله، ووفق بنيان أيديولوجي محدد. وهي قطعا تمثل نقيضا لتجربة الدفاع الشعبي والأمن الشعبي المؤدلجة، حامية فساد الإنقاذ واستبدادها.
صحيح، يمر السودان اليوم بمنعطف هو الأكثر خطورة والأشد وعورة، في ظل حرية حركة الأرواح الشريرة، المُتجسدة. وصحيح أن هذا الوضع يتطلب إعلاء صوت الحكمة مثلما يتطلب التقدم بمشروع وطني يسع كل من شارك في الثورة، من لا يعاديها أو يحاربها. ولكن هذا المشروع لا يمكن أن يمر مرور الكرام فوق جثث أبناء الوطن، وفوق جرائم الإنقاذ، وتحقيق العدالة طريقه الوحيد.

القدس العربي

اقرا الخبر ايضا من المصدر الراكوبة نيوز من هنا

عن مصدر الخبر

الراكوبة نيوز

الراكوبة نيوز

تعليقات

  • الشفيع زول قديم فى السياسه ورجل متعلم .. وفاهم الوضع كويس …
    اى زول بناقش الوضع الراهن بطريقة حضارية وبالحسنى اقف له اجلالا
    اقوم تانى انط فيها عسكرى اكرهكم البلد ماتعرفو تعملو شنو .. عشان كدا الناس البتتعامل بالحوار والكلام الكتير اخير من العندو قوة ومتبجح بيها وعامل للناس ارهاب

  • خليت المساومة التاريخية عملت المشروع الوطنى يعنى مصر على المصالحة مع الكيزان انت و الصادق المهدى اها دايرين نعرف ناس الامن مسجلين ليكم حاجة عشان كدة راقدين سلطة

  • مقال جميل وتحليل رائع. حقيقة لابد من تقديم من قاموا بمذبحة القيادة الى العدالة فبدون هذا لن نذهب الى الامام وسنكون مقيدين كما قال الشفيع بتحالف الاستبداد والفساد (مجرمى المؤتمر الوطنى)، ان نجاح الفترة الانتقالية هو من اهم الانجازات التى يمكن ان تحسب للثورة السودانية ان تم وهى الطريق الى انتخابات حرة و نزيهة وشفافة تضع البلاد فى الطريق الصحيح وهو طريق الحرية والسلام والعدالة والديموقراطية والتداول السلمى للسلطة والثروة.

  • كترة الطله تمسخك علي خلق الله.
    الشفيع خضر اصبح مثل امام البوخه كل يوم تصريح. وفتوي .ونصيحه.
    عملت شنو يا شفيع في دعوتك لاقامة مؤتمر المائده المستديره.
    استعجل ياشفيع لعقد هذا المؤتمر مع انتشار جائحة الكرونا ولك بعض الاسماء التي نتمني ان تكون حضورا في مؤتمر المائدة المستديرة والكرونا في وسطهم تضربهم بمنة ويسرة :
    1) امام بوخة المرقه
    2) عمر الدقير.
    3) ابراهيم الشيخ.
    4) مريم الصادق.
    5) ابراهيم غندور.
    6) الغازي العتباني.
    7) المحبوب عبدالسلام.
    8) عبدالوهاب الافندي.
    9) جبريل ابراهيم.
    10) مني اركو مناوي.
    11) علي الحاج.
    12) عبد الحي يوسف.
    13) الطيب مصطفي.
    14) الفريق الطريفي.
    15) الفريق عادل بشائر.
    16) شمس الدين الكباشي.
    17)الفريق صلاح عبدالخالق.
    18) فيصل محمد صالح.
    19) الشفيع خضر.
    20) احمد المفتي.
    عجل با شفيع بعقد مؤتمر الكرونا المستديره .اهم حاجه منع لبس الكمامات وان يلتزم الحضور بالالتصاق ببعضهم البعض.

    • للاسف كنا بنقول عن الكيذان بالله ديل جونا من وين…كنا بنقول كدا مش عشان حرامية ومنافقين..بس …لا لما الطيب صالح قال الكلام دا قالوا لانو حس انو مافيهم شهامة واخلاق السودانيين…ولكن اخير اكتشفنا انو في ناس معارضيين للكيذان لكن هم اسواء منهم اخلاقاء وسلوكا..ويضمرون في دواخلهم احقادا وسوداوية…غير معهودة في الرجل السوداني…مثل هذا الذي يتمني المرض والموت للاخرين…كانه يضمن انه لن يمرص بل انه بطل الفلم الذي لن يموت…مثل هولاء اشك في سودانيتهم …فالسوداني بطبعة يترفع عن الشماته في المرض والموت ..لان الشماتة في هذا الوضع تصنفف بانها سوء اخلاق …وتمنبك الموت لخصمك دليل علي ضعف حجتك وفكرك…ولو كنت تثق في رايك وفكرك فلن تتمني الموت لخصمك بل تتمني له طول الحياه حتي تهزم افكاره وهو حي ولو كان الطيب صالح حيا..لكرر نفس العبارة وقال وايضا من اين اتي هولاء……وفي الختام نشكر القامة الشفيع خضر علي هذا التحليل القيم والفهم الواسع للحاضر…وقراءته الذكية في كل مايكتب اختلفنا معه او اختلفنا….ولو كنا نسترشد بمايقوله من افكار هو وكثير من مفكري بلادي المعتدلين….لما وصل بنا الخال الي مثل هذا الانحطاط….الفكري والسياسي ….ونطلب منه ان يكتب كل يوم وينصح….الحاكميين والمعارضين…الي ان يخرج بلدنا السودان الي بر الامان..ويعزم دعاة القتل والخراب لغير قانون….الذين يريدون ان يصفوا حساباتهم ويفشوا غباءنهم حتي ولو اصبح السودان كومة رماد

    • لماذا اخ يا بلد
      الشفيع رجل مثقف ورجل سياسي. وهو من أنجح الثوره وله دور كبير جدا في عدم الانزلاق للفوضى
      مزيدا من النجاحات للأخ الشفيع

  • مقال من عبارة واحدة تكررت مائة مرة كونت تلاتة الف كلمة أكملت العقد بين الشفيع والقدس العربي وخرج القارئ من المولد بدون حمص . سوري د. الشفيع

  • مشكله من يسمون انفسهم بالمثقفين يتحدثون وكانهم يملكون وحدهم الحلول عندها تطيش كلماتهم و تبتعد عن مقصدها عن قصد او غيره ولكن تبقي كلماتهم هي الاعوجاج في زمن السير بانتظام ليحتوي الجميع الثوره المجيده كانت من مخرجاتها العصيه علي الفهم لدي الكثيرون ان صاحب كل قلم ابتر لم يعي الدرس و يسير يتباكي علي انه الافهم و الاجدي بحلحله كل مشاكل الوطن و الشعب بعيدا عن فهم ما تعنيه كلمات يطلقها في الهواء لتسود صفحات كتاباته التي لا معني يفهم منها انهم مثقفاتيه الزمن الاغبر و الاشتر الذي يعيش لنفسه و ذاته وهذا ما ابتلي به شارع الاعلام و الصحافه الان

    • الشفبع رجل مفكر وهو يحافظ على الثوره من الضياع
      من افهم الناس سياسيا وله دور كبير في نجاح الثورة إلى الأمام الشفيع َلالتوفيق