السودان الان السودان عاجل

جريدة لندنية : تعدد جبهات صناعة القرار يعرقل المرحلة الانتقالية في السودان

مصدر الخبر / المشهد السوداني

كلما اقتربت السلطة الانتقالية السودانية من حسم ملف من الملفات الكثيرة المفتوحة على طاولتها، منذ استلمت زمام الحكم، وجدت أصداء سلبية تناطحها وتمنع استقرارها على حالة إيجابية. فكلّ فكرة تطرحها للتسوية إلاّ ووجدت أفكارا أخرى تعرقلها. هكذا بدا الحل بشأن قضية السلام الشامل مع الحركات المسلحة وإزالة التمكين وتعيين الولاة المدنيين بدلا من العسكريين وتشكيل مجلس تشريعي، وكأن هناك من يرتاحون لاستمرار المراوحة والبقاء فترة طويلة في خندق انعدام الوزن وعدم التقدم خطوة واحدة إلى الأمام.

محمد أبوالفضل – العرب اللندنية
تعاني كل الدول التي تمر بفترات انتقالية عقب حدوث ثورات وانتفاضات وانقلابات وتحوّلات في البنية السياسية للأنظمة الحاكمة من أزمات طويلة تحد من نجاح القوى الصاعدة، وتعرقل طموحاتها في الوصول إلى درجة عالية من الأمن والاستقرار والحرص على تحقيق تطلعات المواطنين تدريجيا.

غير أن المشكلة في السودان مختلفة، لأن السلطة الانتقالية بشقيها المدني والعسكري تكابد لتخفيف الضغوط وتخطي التحديات والعقبات وإقناع الفئة العريضة التي دعمت تغيير النظام السابق بأن غدا سيكون أفضل.

عبء فوق عبء
تحاول الحكومة حاليا التأكيد على أن الإخفاقات السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية طبيعية، وحدثت وتحدث في الدول التي تمر بتحولات درامية. ولأن السودان تخلّص من نظام جثم على الصدور لثلاثة عقود متواصلة فأزمته مضاعفة، وله أنصار تمددوا في هياكل الدولة، وحقّقوا مكاسب يريدون الحفاظ عليها لذلك مقاومتهم عصية. كما أن الحروب الأهلية الطاحنة التي انتشرت في كل الأقاليم تركت رواسبها العسكرية، وعلاجها بحاجة لترتيبات معينة.

يتفهم غالبية السودانيين هذه النوعية من الخطابات المحكمة، كشعب درجت شريحة كبيرة فيه على تعاطي السياسة واعتاد على الحرب، والتعامل مع توابعهما فترة طويلة. لكن هؤلاء لم يستطيعوا استيعاب التعثر الحاصل في الملفات التي وعدت السلطة الانتقالية بالتغلب عليها خلال فترة محددة، وإيجاد تسويات عاجلة لعدد منها، أو وضع نواة لحلول توحي بالأمل.

يمكن وصف ما يجري الآن بأن كل شيء محلك سر تقريبا. فلم يتم الانتهاء من تخطي مشكلة واحدة بشكل نهائي، حتى القضايا التي تم الاقتراب منها على نطاق واسع، مثل السلام مع الحركات المسلحة لا يزال ينزف كلاما، عندما يتم فك عقدة تظهر عقد أخرى تفرمل المسيرة، وهكذا يمكن القياس على ملفات داخلية، مثل: تدهور الأوضاع الاقتصادية التي جاءت أزمة كورونا لتضيف إليها عبئا على عبء.

الإخفاقات المتتالية في معالجة الأزمات ترجع إلى تعدد دوائر صناعة القرار وتناقض الحسابات

كما أن لجنة إزالة التمكين التي تشكّلت للتخلص من إرث نظام الرئيس السابق عمر حسن البشير متذبذبة في أداء دورها. وتحتاج إلى المزيد من الصرامة لوضع نهاية لتغوّل الأحزاب التي عملت في كنفه على بعض مؤسسات الدولة، ووقف تغلغل الحركة الإسلامية في المجتمع تماما، وتقليص الأذرع التي تريد استمرار البطش ومنع أي فرصة للنهوض والوصول بالسودان إلى بر الأمان.

ينسحب الفشل أيضا على ملفات خارجية غاية في الحيوية، كرفع اسم السودان من على اللائحة الأميركية للدول الراعية للإرهاب. وهو أمر أصبح مبهما وتستعصي مكوناته على الفهم بعد أن كان قاب قوسين أو أدنى من النهاية. كذلك الشدّة والجدية في إنهاء الدور الذي تلعبه جماعات متشددة جعلت البلاد ساحة أو ملتقى تتجمع فيه حركات وشخصيات من الشرق والغرب.

ناهيك عن عدم التقدم لرفع مستوى العلاقات بين قوى إقليمية ودولية مختلفة، حيث لا تزال الخرطوم تتخبط، ولا أحد يعرف توجهها واستراتيجيتها وموقفها الحاسم من بعض القضايا، فقط ترفع شعارات تتعلق بالحياد، بينما ذلك قد يمثّل عبئا في بعض اللحظات، فعندما يبقي السودان على علاقات قوية مع دول كانت تمثل داعما قويا لنظام البشير مثل تركيا وقطر، فهذا ينطوي على انحياز وليس حيادا، لأنه يضع الحكومة في خانة انتهازية سابقة أدت إلى الجمع بين عناصر يصعب الجمع بينها، وهزّت في النهاية صورة النظام.

تفرض المراحل الانتقالية على دول كثيرة حالة من حالات الارتباك وعدم الميل إلى اتخاذ مواقف حدية وقاطعة في كثير من الملفات، وتفضل ترحيلها للنظام الدائم الذي سيرتضيه الشعب، وهذا مفهوم في القضايا التي تحتاج إلى حوار مجتمعي عام ونقاش سياسي تتشارك فيه القوى الوطنية، مثل الدساتير وطبيعة أو شكل الحكم والحرب وعقد اتفاقيات مع دول، وكل الخيارات التي لا يحق للحكام المؤقتين البت فيها.

لم يكن مطلوبا من السلطة الراهنة الإقدام على إجراءات مصيرية. غاية المراد إيجاد حلول لمشكلات ملحة تهم المواطنين مباشرة، والتغلب عليها لا يحتمل التأجيل والتسويف واللجوء إلى مسكّنات سياسية ربما لا تلبي أحلام البسطاء التي انتعشت مع التخلص من نظام البشير، وإذا واصلت مكونات السلطة الاعتماد على خاصية الصبر والهدوء والتسامح المعروفة عن السودانيين من غير المستبعد أن تواجه مأزقا قاسيا.

غموض وتناقض الحسابات
ترجع الإخفاقات المتتالية في معالجة الأزمات والتعثر في استكمال هياكل المرحلة الانتقالية، من تعيين حكام الولايات وتشكيل مجلس تشريعي مؤقت، إلى تعدد دوائر صناعة القرار وتناقض الحسابات وعدم الالتفاف حول رؤية واضحة يعمل من أجلها الجميع، كان إنجازها كفيلا بردع القوى المناهضة للتغيير، ووقف التداعيات السلبية التي استهلك سد فجواتها الجانبية وقتا، واحتل الكلام عنها مرتبة متقدمة على قضايا رئيسية لم تقترب منها السلطة الانتقالية.

هناك جهات عدة تلعب دورا في صناعة القرارات بالسودان، أهمها المؤسسة العسكرية، التي يرأس أكبر قادتها (الفريق أول عبدالفتاح البرهان) مجلس السيادة ومعه خمس من أبرز الشخصيات فيها. وهناك الشق المدني في مجلس السيادة، والحكومة التي يقودها عبدالله حمدوك وتحالف قوى الحرية والتغيير، يضاف إلى كل هؤلاء شارع مغرم بالفتاوى السياسية.

أدى هذا الخليط أو الموزاييك السياسي إلى ارتباك في دولاب الدولة، ظهرت تجلياته في طريقة الاقتراب من القضايا المركزية وصعوبة حسمها، فثمة ملفات متشعبة تم فتحها ولم تتمكن الجهات الرسمية من إغلاقها، وإذا بدت النهاية وشيكة بعدت مرة أخرى، حيث تطفو رؤى واجتهادات غير مأخوذة في الحسبان، ولذلك من الطبيعي أن تظل السلطة الانتقالية تكابد، ويظل المواطنون ينتظرون حدوث معجزة تخفف وطأة الأزمات.

وصل السودان إلى مرحلة أخطر من ذلك، تتعلق بارتياح كثيرين إلى هذا الارتباك، خاصة الذين يرون في الحسم خسارة لهم، ويعتقدون أن الانتظار يمكن أن يتسبب في تغيير المعطيات السلبية وقد يحولها إلى إيجابية، إذا حدثت مفاجآت. ويبدو الحرص على الإنجاز بطيئا أو منعدما، لأن هناك مستفيدين منه، ومغرمين بالتفاصيل، ومنتظرين القفز على السلطة.

تكاد تكون فكرة المفاوضات والمحادثات في حد ذاتها لها وقع طيب لدى شريحة واسعة من السودانيين، يطربون لها ويتفاعلون مع قصصها وعلى استعداد للدخول في حوارات ونقاشات لسنوات دون بلوغ خط النهاية، وحدث ذلك في الأزمات التي طرحت للتفاوض من قبل. غاب الحسم عن غالبيتها، وعندما يتم الاقتراب منه تتفجر مشكلة تعيده إلى سيرته الأولى. الملف الوحيد الذي شهد حلا هو انفصال جنوب السودان، بعد نحو نصف قرن من الحرب والسلام.

بالطبع لا يدعو هذا التحليل إلى التشاؤم، لكنه يحذر من الإفراط في الرهان على عنصر الوقت كأداة كفيلة لتحقيق مكاسب لهذا الطرف أو ذاك. فالأوضاع العامة في السودان مليئة بالمشكلات الداخلية ولها امتدادات خارجية، وهناك قوى طامعة في تكريس حضورها في السودان وأخرى لا تريد له التعافي.

توفر هذه الأجواء بيئة مناسبة للمتربصين بهذا البلد، من الكيزان (إخوان السودان) والتنظيمات المتطرفة، وبعض القيادات العسكرية التي لم تستطع هضم التعاون والتنسيق مع قوى مدنية يريد بعضها الهيمنة على السلطة وتشكيل تحالفات تستقطب قوى وتستبعد ثانية.

لم تتوافر عوامل الأمان الكاملة لحركات في الهامش والأطراف لتطمئن إلى أن المرحلة المقبلة واعدة بسودان جديد يرفع لواء المواطنة وينهي فصول مريرة من التمييز العرقي والديني والجهوي، ولا يزال الخوف من المجهول يخيّم على تصورات وتصرفات جهات عديدة، ما يجعلها تبالغ في التريث والحذر لقبول الحلول المطروحة، وتنتظر قياس ردات فعل الآخرين، وهي دوامة دفع السودان ثمنا باهظا لها.

اقرا الخبر ايضا من المصدر من هنا عبر موقع المشهد السوداني

عن مصدر الخبر

المشهد السوداني