كتابات

عبد الجليل سليمان يكتب: في عصر الكورونا، فلنساهم بصناعة إبرة

الراكوبة نيوز
مصدر الخبر / الراكوبة نيوز

لقد تغيَّر العالم، تغيِّر حرفيِّاً، ليس بفعلِ قائدٍ عسكري فج وفظ، أو بفضل مفكر وفيلسوف فذ، أو رجل دين مستنير، لقد تغير العالم أيها السيدات والسادة بسبب كائن متناهي الصِغرْ، لا يُرى بأعيننا المُجردة، كائن يضرب في أحشاءنا ضربته الموجعة، يؤسس داخل مواعيننا البيولوجية مصانعاً لإعادة انتاج نفسه آلاف المرات، بل ومئات آلاف المرات، يشكل جيوشاً من الغُزاة غير المرئيين، ليصادروا رئاتنا، ويسرقوا الشيء الوحيد الذي تبقى لنا في هذا العالم الهش، أنفاسنا.
أيها السودانيون، أيها العالم من حولنا، هل لديكم أغلى من أنفاسكم؟ هل لديكم أصلاً ما تملكون في هذا العالم غير أن تتنفسوا هذا الهواء الملوث بالسموم والأوبئة المُنتجة في (فابريكات) المساقات التسليعية الاستعمارية الجديدة التي ثقبت الأوزون وقضت على الخضراء وانتهكت الغبراء ولوثتهما من أجل المال المنهوب من فائض ثروات الشعوب.
لم يتبق لنا شيئاً غير رئات مُنهكة بالكاد نتنفس بها، كي نتأكد من أننا أحياء نمشي في مناكب الأرض وينهبون أرزاقنا، فإذا بكورونا العمياء المُبصرة تستغل فتحات وجوهنا لتتسلل إلى (حلوقنا) وتهبط قليلاً فتضرب رئاتنا وتوقف أنفاسنا.
نحن هنا، في عالمنا الخاص (الثالث)، في دولٍ مثل السودان، وما حوله، ما فوقه وتحته وعلى أجنابه الأربعة، لم نفق من غيبوبتنا الأبديِّة، ظللنا نائمين والحروب تبيدنا، والمجاعات تقتلنا، والعنصرية تُدْخِلنا في (فتيل) مصنوع في سنوات ما قبل القرون الوسطى.
وفيما كان العالم شرقاً وغرباً، يعمل بجهدٍ مضنٍ، بإخلاص وتفانٍ، بمحبة كبرى، للقضاء على التخلف والجهل والتشرذم والعبودية والإقطاع والهيمنة الدينية على الدولة، كُنا نحن ولا نزال، نعتقد إن الله سخّر هؤلاء الكفرة الفجرة لخدمتنا نحن؛ عباده الصالحين الميامين، نحن شعوب الله المُختارة، التي لا ينبغي عليها العمل، عليها أن تتعطل وتتبطل، وتنتظر العبيد المُسخرين، لينتجوا لنا كل شيء، حتى فايروس كورونا وعلاجاته.
وحين كُنا، نتصارع في انتحال الأنساب الشريفة، ونشن الحروب القبلية والعنصرية على بعضنا، ونحن عراة وحفاة وجوعى، كان آينشتاين يكتب لفرويد، يثني على العلماء وعليه “إن عملكم المخلص للبشرية في تفكيك جذور مشكلاتها يجعلها على بعد خطوة واحدة من معالجة مخاطر الحروب وإنهاء المظالم”.
وألبرت آينشتاين، رغم أنه كان أحد آيات الله في خلقه، لم يقل يوماً عن نفسه ذلك، فيما يطلق ملالي قُم على أنفسهم لقب آيات الله، بينما ينشرون الحروب والموت بين الناس دون أن يرف لهم جفن، ما أكذبنا، ما أقسانا.
الآن، ونحن في مواجهة كورونا، سنتذكر إدوارد جينر، ألكساندرو فليمنج، ثيودور بلهارس، جون دالتون، جون روك، جير هاردت، ابن سينا، وعلماء آخرين في شتى المجالات جعلوا حياتنا التي لولاهم لأحالتها الرأسمالية النيولبرالية، وقبلها السياسيون الانتهازيون ورجال الدين الجهلة إلى خراب مديد، نتذكر واطسون وات، مونغولفييه، إلياس هاو جون، هولاند كريستوفر، شولز،أنطونيو ميوتشي أورفيل، ولبور رايت، صموئيل مورس، أنتوني فان ليفينهوك، فرانك ويتل، جون لوجي بيرد، هوارد آيكن.
لولا هؤلاء وغيرهم، لما كنت الآن يا أيها الخائف الراجف من كورونا، تعرف إن هناك كورونا، لكنت مِت وأنت لا تدري من الذي تسبب بموتك، بعد قضاء الله وقدرة بالطبع، ولولاهم لما كنت تلبس ما تلبس، وتأوي إلى ما تأوي إليه، ولكنت في قرية نائية منسية (تتحاوم) عارياً، ولما كنت تقرأ هذا المقال على الإنترنت الذي لم يكن صاحبه ليتمكن من كتابته ونشره أيضاً، ولولاهم لما ركبت سيارة ولا طائرة ولا سفينة ولا دراجة، ولا بنسلين وأنسولين ولا كلوركين ولا طين ولا عجين.
نحن قاعدون، ها هنا قاعدون، بينما هم يحاربون لوحدهم في جعل حياتنا أكثر جدارة بالعيش، ليس لدينا شيء نقدمه غير الادعاءات والأوهام والأكاذيب والأباطيل والأراجيف.
الآن، وفي عصر الـ(كورونا) – والحي والله والكاتل الله – لكن يجب أن نشرع من فورنا في التعرف على ذواتنا، على ضعفنا، وأن نتواضع قليلاً، وأن نجتهد كثيراً، وأن ننظر إلى أنفسنا بصدق وبحب أيضاً، لأننا نكره أنفسنا ونكره غيرنا، بفعل الفقر والجهل والتخلف، علينا أن ننهض وأن نسهم مع العالم حتى ولو بصناعة (إبرة) لخياطة ما انفتق مِنّا.

اليوم التالي

اقرا الخبر ايضا من المصدر من هنا عبر صحيفة الراكوبة نيوز

عن مصدر الخبر

الراكوبة نيوز

الراكوبة نيوز

أضف تعليقـك

تعليقات

  • لا وبعد ده ندعي عليهم ان الله يبيدهم عددا ولايبقي منهم احدا ونعيش نحن حفاة عراة نكره بعضا بعض لذالك اتى الله بهؤلاء القوم لكي يعمروا الارض

  • من اجمل ما قرات و الحق يقال ‘ و اكثر الله من امثالك’ و يا شعب السودان و العالم الثالث أصحو ‘ قللو من النوم و القيل و القال و قعدات ستات الشاي والافران و هيا الي العمل

  • ابره تخاط بها الافواه وتصمت عن كتره الكلام الذي لانجيد سواه ونشحد الهمم فقط للعمل ….. ياريت