السودان الان السودان عاجل كتابات

جريدة بريطانية : هل يسلم السودان البشير إلى “الجنائية الدولية”؟

السودان نيوز
مصدر الخبر / السودان نيوز

مطلب يبدو مُلحاً لتسوية ملف السلام الدارفوري… لكن الخطوة ربما تحرج المؤسسة العسكرية

تحوز مسألة تسليم الرئيس المخلوع عمر البشير، إلى المحكمة الجنائية الدولية كثيراً من الجدل، ليس داخل السودان فقط، إنما يمتد هذا الجدل إلى المحكمة الجنائية نفسها، وإلى النطاقَين العربي والأفريقي.

ولعل هذه الحالة تجعل مسألة تسليم البشير على وجه التحديد يحوط بها كثيرٌ من الغموض وعدم اليقين، ربما تفسّرها طبيعة التحديات المحيطة بمسألة التسليم ومآلاتها على الوضع الداخلي السوداني، وربما على علاقات السودان الإقليمية.

على المستوى الرسمي السوداني، وفي نطاق المكون المدني من الحكومة والمجلس السيادي، يوجد عدد من الملاحظات منها أن التصريح بموافقة الحكومة على تسليم البشير جاء على لسان محمد حسن التعايشي، وهو ممثل دارفور في المجلس السيادي، وجاء الإعلان من جوبا، العاصمة التي تستضيف المباحثات مع الحركات الدارفورية بشأن متطلبات عقد اتفاقات سلام، التي تبرز فيها مسألة تسليم الرئيس المخلوع، كآلية لتهدئة خواطر الدارفوريين الذين عانوا مآسي إنسانية مشهودة وموثقة.

الملاحظة الثانية، هي أن تصريحات الناطق الرسمي باسم الحكومة السودانية، وزير الإعلام فيصل محمد صالح، التي استخدم فيها أولاً تعبير “مثول” لا “تسليم” البشير للجنائية الدولية، ثم عاد وتحدّث عن ثلاثة سيناريوهات للتسليم، هي المثول أمام قضاة الجنائية في الخرطوم، والتسليم للاهاي، وتكوين محكمة مختلطة، لم يفصح عن مقرها.

ولعل هذه الحالة من تعدد السناريوهات تشير بوضوح إلى أن تصريح عضو المجلس السيادي بشأن تسليم البشير إلى الجنائية الدولية لم يحظ بنقاش كافٍ داخل الحكومة، ولم يجرَ بحث سيناريوهاته بعد، وهو تصريح جاء بمعزل عن أي اتصال رسمي من جانب الحكومة السودانية بالمدعية العامة للجنائية الدولية، حسب ما قالت به الأخيرة.

أمّا على صعيد المكوّن العسكري في المجلس السيادي فنلحظ تناقضاً نسبياً بين رئيس المجلس السيادي عبد الفتاح البرهان الذي عقّب على تصريح زميله التعايشي فوراً بالقول إن البشير “ربما تجرى محاكمته محلياً”، وبين تصريح لاحق لأحد منسوبي القوات المسلحة قال فيه إن تسليم البشير “مسألة تقع ضمن صلاحيات ومسؤوليات الحكومة السودانية”، والمقصود به مجلس الوزراء، لا القوات المسلحة السودانية.

أمّا في ما يخص موقف الجنائية الدولية من مسألة تسليم البشير، فربما يكون من المهم رصد أن ملف دارفور جرى تجميده من جانب المدعية العامة ذات الأصول الأفريقية في عام 2015.

تحديات داخلية وتفاعلات سياسية

ومن أبرز التحديات المرتبطة بتسليم عمر البشير للجنائية الدولية أمران هما موقف المؤسسة العسكرية السودانية، باعتبار البشير أحد منسوبيها، وتسليمه ربما يعد جرحاً لكبريائها، والثاني موقف بعض أعضاء المجلس السيادي الحاكم حالياً، ذلك أن محمد حمدان دقلو (حميدتي) نفّذ بذاته عمليات عسكرية في دارفور بأوامر من البشير، وهو ليس الوحيد الذي يمكن أن تطاله تحقيقات بهذا الشأن من جانب الجنائية الدولية.

ولعل هذه الحساسية ما جعلت تحديد أسماء المحالين إلى الجنائية الدولية مطلوباً، فبرز إلى جانب اسم البشير كل من عبد الرحيم حسن وزير الدفاع الأسبق، وأحمد هارون، وعلي كوشيب، وكلاهما له أدوار مخزية في دارفور.

لكن، هذا التحديد للأسماء لم يمنع حميدتي من التصريح بأن السودان في أوضاع سياسية “غير مريحة”، ملمحاً من طرف خفي بإمكان “حدوث انقلاب على الفترة الانتقالية”، ومعرباً عن مستوى من النقد غير المسبوق من جانبه لتحالف الحرية والتغيير.

وفي السياق ذاته، فإن مطلب تسليم البشير يبدو مُلحاً لتسوية ملف السلام الدارفوري، ويصر عليه كل من الحركات المسلحة في الإقليم السوداني، وآلاف الدارفوريين في معسكرات النزوح التي بقوا فيها ما يقرب من عقدين، ذلك أن البشير مسؤول مسؤولية مباشرة عن حرق قرى واغتصاب نساء، وإن لم تثبت عليه جريمة الإبادة الجماعية التي حاول المدعي العام السابق أوكامبو أن يدينه بها، لكنه فشل، وذلك بعد أن استصدر قرارين اعتقال بحق الرئيس المخلوع عمر البشير عامي 2008 و2009، وذلك بعد تحقيقات أجراها خارج السودان فقط على مدى ثلاث سنوات بعد صدور لائحة بالمتهمين في جرائم دارفور من51 اسماً من المسؤولين السودانيين، وذلك في مارس (آذار) 2005.

وبطبيعة الحال تحاجج قوى الثورة السودانية بضرورة تسليم البشير بعدد من النقاط منها أن قانون الإرهاب لم يُدْرَج ضمن المنظومة العدلية في السودان إلا في العام 2010، في حين بدأ ارتكاب تلك الجرائم عام 2003، ما سيؤدي إلى جدل قانوني لا يصب في اتجاه تحقيق العدالة بالشكل المطلوب، فضلاً عن الإشارة إلى وجود نوع من الخلل الحالي في منظومة القضاء السوداني مترتب على سيطرة منسوبي النظام السابق على مفاصله، ويبدو أيضاً أن قصور الجانب اللوجيستي المتعلق بالمحاكمة نفسها، وتكاليفها المالية والأمنية، أحد الأسباب الدافعة وراء تبني تسليم البشير، وتتمثل في تخفيف العبء عن السلطة الانتقالية.

وإجمالاً يبدو أن الشارع السوداني يحتاج إلى رسالة قوية، خصوصاً بعد “مجزرة” فض اعتصام القيادة العامة، محتواها أنه لا أحد فوق المحاسبة، كما أن دماء السودانيين لا يمكن أن تكون محل مساومات سياسية.

تحديات خارجية وضغوط إقليمية

بالتأكيد، لا يبدو الأفارقة سعداء بخطوة تسليم البشير، خصوصاً مع موقف الاتحاد الأفريقي بانتقاد المحكمة بدعوى أنها تستهدف الأفارقة، واصفاً إياها بـ”العنصرية”، وطالب الاتحاد في عام 2015 المحكمة بإرجاء قضية كينيا، لتكون هذه المطالبة علامة استياء من عملياتها، التي جرى وصفها بـ”غير العادلة”، نظراً إلى تجاهل الجنائية فظائع حول العالم في مقابل تركيزها على أفريقيا.

وبالفعل، استجابت المحكمة الجنائية الدولية إلى الضغوط الأفريقية، فاضطرت المدعي العام للمحكمة فاتو بنسودا في ظرف أسبوعين إلى سحب الاتهام في القضية الأولى ضد كينياتا لعدم توافر الأدلة الكافية التي تثبت المسؤولية الجنائية المفترضة عليه وإلى حفظ القضية الثانية بسبب ما وصفته بفشل مجلس الأمن طوال خمس سنوات في التدخل لحث الدول على تسليم المتهمين بمن فيهم الرئيس البشير، وفي أعقاب ذلك انسحبت جنوب أفريقيا من الجنائية الدولية عام 2016، بعد اضطرار البشير للهروب من أراضيها في أثناء عقد إحدى القمم الأفريقية بعد أن أصدرت محكمة أمر اعتقال له، وهو ما اعتمدت عليه جوهانسبرغ في الانسحاب من الجنائية، لأن التزاماتها تجاه المحكمة تمنعها من ضمان الحصانة الدبلوماسية للقادة والمسؤولين.

موضّحة، على لسان وزير العدل، أن عليها أن تكون قادرة على تقديم هذه الحصانة، لكي تتمكن من القيام بالتزاماتها الدبلوماسية من جهة، ودعم قدرتها في عقد المصالحات الأفريقية على أراضيها من جهة أخرى.

سابقة عربية

وفي هذا السياق، فإن مجلس الأمن والسلم الأفريقي الذي تترأسه مصر حالياً بدأ في التفاعل مع الخرطوم في مسألة تسليم البشير إلى الجنائية.

وبطبيعة الحال مع انتشار الصراعات والحروب المترتب عليها مآس إنسانية في المحيط العربي لن يكون أي من الحكام العرب سعيداً بسابقة تسليم رئيس دولة إلى الجنائية الدولية، ومن المتوقع أن تقوم عناصر إقليمية فاعلة بتعويق تسليم البشير، وربما عبد الرحيم محمد حسين إلى الجنائية الدولية، وسيكونون أكثر تسامحاً ربما مع تسليم مدنيين.

ومع مجمل هذه التحديات لا يبدو أن مسألة رئيس دولة حتى لو كان سابقاً سوف تمر بسهولة لا في السياقات الداخلية، ولا الخارجية، ومن هنا ربما يكون الأقرب لتحقيق الأهداف الداخلية والخارجية في هذه المرحلة هو اللجوء إلى آلية المحاكمة المختلطة، أي أن يجرى محاكمة المطلوبين بالداخل في الخرطوم، على أن تضم قضاة دوليين ومحليين، شرط تطبيق قانون المحكمة الجنائية أي القانون الجنائي الدولي.

ولعل ما يجعل هذا السيناريو مقبولاً نسبياً أمرين أن له سابقة أفريقية مثل حالة رواندا، التي يلعب رئيسها حالياً أدواراً علنية وأخرى غير معلنة في محاولة تجنيب السودان الانزلاق إلى حالات الفوضى السياسية أو المسلحة، ويدعمه في ذلك الاتحاد الأفريقي، بينما تغيب جامعة الدول العربية عن هذا الملف الملتهب والحساس، وتبدو خطاباتها السياسية كلاسيكية مفتقدة إلى مبادرات فعالة، ربما تعكس في ذلك مصالح عربية بعينها، وربما تعكس ضعف قدرات الأمانة العامة في الابتكار ومحاولة اجتياز حقول تقاطعات المصالح العربية.

أماني الطويل كاتبة وباحثة
جريدة انبندنت البريطانية

عن مصدر الخبر

السودان نيوز

السودان نيوز

أضف تعليقـك

تعليق