كتابات

محمد عبدالقادر يكتب : ينتهي العزاء قبل (مراسم الدفن)!!

الراكوبة نيوز
مصدر الخبر / الراكوبة نيوز

-1-
صديقي المهتم بقراءة التحولات الاجتماعية في السودان كان يقص علي بأسى بالغ أنه ذهب لتقديم واجب العزاء في زميل له، فوجد شخصا واحدا يتوسط سرادق العزاء وينظر إلى ساعته في انتظار اكتمال مراسم “رفع الفراش” التي لم تستغرق سوى سويعات.
-2-
حكي لي الرجل قصة سوداني في إحدى دول الخليج، ذهب لتقديم واجب العزاء لزميل له يحمل جنسية تلكم الدولة في وفاة والده- فوجئ السوداني بأن الزميل وأفراد أسرته يتابعون مباراة في الدوري الأسباني، بينما الجثمان مسجى، سألهم عن مراسم الدفن، فأجابوا أنهم لن يستطيعوا التحرك قبل نهاية المباراة، صديقي يتخوف من أن يصل بنا الأمر في عدم احترام قداسة الموت لهذه الدرجة.
-3-
بالطبع لن يفقد الموت قدرته على الإفجاع بالرغم من أنه (كأس دائر) وفعل يومي، إرادة الخالق جعلته يتسرب إلى حياة الناس في كل لحظة دون أن ينقص ذلك من سطوته وهيبته ومخافته شيئا، لكن بالرغم من ذلك فإن مجتمعنا لم يعد مثلما كان في ملمات الفقد ومقامات العزاء.
-4-
تراجع الإحساس بالموت فتقلصت أيام وليالي المأتم من 40 يوما إلى 15 يوما، ثم ثلاثة أيام.. ووصلنا الآن مرحلة (ينتهي العزاء بانتهاء مراسم الدفن)، صديقي تكهن بنبوءة قاسية ينبغي أن ينتبه إليها السودانيون تقول: إنه سيأتي علينا يوم (ينتهي العزاء قبل مراسم الدفن).
-5-
ربما تختلف المذاهب والعادات كذلك ووجهات النظر استنادا إلى أن أيام العزاء لا تعبر بالضرورة عن عمق الحزن ولوعة الفقد.. بالرغم من أنها تؤشر إلى حدوث تحول اجتماعي خطير يرتبط بطريقة تعامل السودانيين مع هيبة الموت، ولكن ما بالكم كذلك بالثرثرة (في الفارغة والمقدودة)، و(ونسات الكورة) و(نغمات الموبايل) في صيوان العزاء وأثناء مراسم الدفن.
في إحدى المرات كانت أغنية الراحل وردي يا (نور العين) تخرج من (غبار الدافنة) وتشق طريقها من موبايل أحدهم إلى آذان المشيعين، صيوان العزاء مثل (ما يطلبه المستمعون) من كل جوال أغنية دون أن يحرك ذلك شعورا بالانتقاص من هيبة الموت أو- على أسوأ تقدير- مراعاة مشاعر أهل الفقيد، البعض يكمل صفقاته التجارية و(ونساته) في الموبايل وهو (يرفع الفاتحة) دون يقرأها على روح الميت منشغلا بمكالمة هاتفية.
-6-
تلاشت قيم النفير الذي كان يجمع رجال الحي حينما يسمعون بـ(فلان مات)، وانعدم (الضراع) الذي كان يحفر المقبرة بسماحة ودربة ودراية– الحمد لله إنها أصبحت جاهزة فيما تسمى بالمدافن النموذجية- تناقص عدد الذين يتقنون غسل الموتى وتكفينهم وإحسان لحظة مواراة جثمانهم، صديقي كان أكثر قسوة وهو يخبرني بأن السودان سيشهد مهنا لم تكن موجودة في تاريخه، سنضطر لاستئجار (الحانوتي) و(الحفار) وربما المعزين، وقد ظهرت في الآونة الأخيرة موضة استئجار(النائحات) مثلما جاء في بعض المقالات الصحفية.
-7-
للأسف لا تعرف الأجيال الجديدة قصص النفير الذي ظلل حياة السودانيين بسماحة التراحم والتكافل في ملمات الموت طيلة العهود الماضية، سيجد السودان نفسه أمام جيل لا يجيد ولا يرغب حتى فى تشييع الجثمان إلى المقابر.. وسنكون مواجهين بمصير (انتهاء العزاء قبل مراسم الدفن).
-8-
حينما توفى خالي بابكر علوب -عليه رحمة الله- في الهزيع الأخير من الليل كنت أزور المساجد وأيقظ ساكنيها ليلا بحثا عن (كفن) من الكلاكلات وحتى شارع الحوادث الخرطوم، لم أجد حينها مقصدي إلا في دولاب الزميل الصحفي وجدي الكردي بضاحية بري.
-9-
على منظمات المجتمع المدني وجمعيات الأحياء في المساجد واللجان الشعبية تدريب الشباب على استنهاض قيم الخير وتعظيم هيبة الموت تفاديا ليوم نرفع فيه العزاء قبل مراسم الدفن، عزيزي القارئ أتمنى أن تترحم على والدي عبد القادر (الناظر) وجميع موتى المسلمين متى انتهيت من قراءة هذا المقال.

اليوم التالي

اقرا الخبر ايضا من المصدر من هنا عبر صحيفة الراكوبة نيوز

عن مصدر الخبر

الراكوبة نيوز

الراكوبة نيوز

أضف تعليقـك

تعليقات

  • القيم السودانية الاصيلة انتهت باندثار النفاج الكان بين البيوت …وانتشرت الصفات السيئة الحسد والبعض والكراهية وعدم الاعتراف برأي الاخر وعدم احترام الاخر حتى ولو كان اكبر منك سنا .. وعمت هذه الصفات بين الشباب وصغار السن بفضل الميديا الجديدة واستغلال اصحاب الاهداف الشخصية والحزبية والطائفية لها لنشر الفرقة والشتات بينهم للوصول الى اهدافهم ..تجريم الغير دون دليل والصاق التهم والترصد لهفوات الناس وتصويرها مرت على قصة احد الشباب يتحدث بأنهم تقدموا بشكوى على احدى المستشفيات لاهمالهم في تطبيب اخيه في لحظات وفاته الاخيرة وافاد بانهم يمتلك الدليل على ذلك وكان فيديو صوره لاخيه في النزعات الاخيرة له في الحياة ..تصور اخ ينازع الموت والاخر يصوره .. هذا تماما الحال الذي وصلنا له … والمصيبة والتى لا يحب الكثير الخوض فيها انه منذ بداية الحراك الثوري وحتى الان انتشرت المزيد من الصفات السئية والعدائية وعدم قبول الاخر بصورة لم يسبق لها مثيل ..وكل ذلك بسبب بعض شعارات الفرقة والاقصاء التى رفعت مثل الدم بالدم وما نقبل الدية وغيرها .. نرجو ان نرى تحقيق صحفي عن فترة اعتصام القيادة العامة وما لها وما عليها