كتابات

محمد عبدالقادر يكتب : (كان فاتك (الثراء) اتدردق في نيابتو!!)

الراكوبة نيوز
مصدر الخبر / الراكوبة نيوز

لأهلي الشايقية المولعين بالعسكرية مقولة تلامس عصب التشبث بالأشياء العزيزة إلى حد الوله و(العكلتة).. فعبارة (كان فاتك الميري إدردق في ترابو) حملتني على جناح الزهو وأنا أدلف إلى باحة نيابة الثراء الحرام والمشبوه التي استدعتني حينما كنت أعمل في صحيفة الرأي العام العزيزة برفقة الأستاذين كمال حسن بخيت رئيس التحرير و ضياء الدين بلال في أحد النهارات الرمضانية قبل عدة أعوام.
وحتى لا يكون ولهي مبعثاً لمظنة هيئة علماء أو محفزاً لفتوى تدمغني بالوقوع في كماشة المحظور و(تلحقني الفرقة الأثيوبية) التي اشتدت حولها الفتاوى في تلكم الأيام، فإن أحلامي لم تتعود التسكع بين لافتتي (الحرام) ولا (المشبوه) ولكن حكاية (الثراء دي) بصراحة (عجبتني) وفتحت أمام عيني كوة الأوهام السعيدة والعبارة الشايقية كانت تربت على رهبة غير خافية تجعلني أهمهم بالقول: (كان فاتك الثراء إدردق في نيابتو).
نظرات المارة كانت ترمقني بازدراء الشبهة وتقذفني بنمنمات التشفي المعتمدة على مظهر ثراء خادع خاصة المتسولين الذين كانوا يحسنون بي الظن كثيراً قبل أن تعود (قرعتهم) فاضية، كنت أقول لضياء الدين رئيس تحرير (السوداني) حالياً، وقد كنت أقاسمه حينها إدارة التحرير وما في الجيب أحياناً: إن ملامحنا العامة توفر بينات كافية لإدانتنا بالثراء الحرام، إذ إننا من حملة لابتوب و(كرش) راكمته (المغايس) على أجساد لا تبارح العمل إلا للعمل.. ضياء كان يقول بأنني الأكثر انسجاماً مع بينات وطبيعة النيابة ويطالبني بتوفير (إقرارات ذمة) لبطني تجيب على سؤال من أين لك هذا؟، لكن كل واحد منا كان يرمق الأستاذ كمال بنظرة تساؤل عن مصدر جوال سكر رأى بكرم الجعليين أن يقتسمه معنا (زي الليلة وبكرة رمضان)، جوال السكر بسعر اليوم سيوفر دليلاً كافياً لإدخالنا نادي الأثرياء باعتباره حلماً واجب التحقيق خاصةً وأنّ شهر رمضان كان يطرق الأبواب بقوة.
عموماً أن تحمل وزر ثرائك على بطنك في الدنيا أحسن من أن تثقل به ظهرك يوم القيامة، ولعل جوال السكر أخف بكثير من بنايات الأسمنت ذوات الطوابق المتعددة التي سيحملها كثيرون يوم لا ينفع مال أو بنون.
البزنس وفاره السيارات ودفتر الشيكات والعمارات والعقارات والإجازات خارج السودان كانت تظلل سياحة أحلامي الممتعة فى عالم الثراء، وأصدقكم القول أنني فكرت فى إصدار صحيفة على قيادتها التحريرية الأستاذان كمال وضياء ومطاعم سياحية يشرف عليها الزميل وجدي الكردي وكم ليموزين وفضائية وعدد من المشروعات المؤجلة بأمر المال طبعاً ليس بينها تسجيل زوجات عشان (الحكومة ما تزعل)، كان يتملكني إحساس بأن نيابة الثراء الحرام والمشبوه وضعت يدها على مال يخصني دون أن أكون على علم به.
الصيام حينها أعانني كثيراً وأنا أشفط (كم كيلو من البطن) أمام وكيل النيابة، نصحت ضياء بأن يحذو حذوي ويبدو – والله أعلم – انه فعل ما في وسعه غير أني لم أجد تأثيراً لفعلته هذه حينما جلس للاستجواب.
أهم ما في الأمر أن النيابة بتسميتها الإجرائية كانت (قاطعة) الشك من (حتت الثراء دي)، لكنها متشككة في ما إذا كان حراماً أو مشبوهاً هذا ما أوحت لي به اللافتة المائلة إلى أسفل ربما من ثقل الكلام الذي تحمله في ميزان العدالة والضمير.
الدخول للنيابة كان بالنسبة لي إدانة فأنت ثري (دي ما فيها جدل) غير أن ثراءك يتقلب بين احتمالين إما حرام أو مشبوه و(في الحالتين أنت ضايع)، المهم أنني كنت حريصاً على الاستفادة من الطقس النفسي الذي أوجده إحساس أنني ثري لحد ازعج النيابة الموقرة.
احتفاء المستشارة خالدة التي أحسنت وفادتنا آنذاك لم يفسده إلا قطعها لسيل أحلامي ومغادرتها بي محطة الوهم السعيد وهي تخبرنا بأن ما استدعينا بشأنه أمر لا يتعلق بذواتنا ولا ثرواتنا، ولكنه ذو صلة بإعلان أوردته (الرأي العام) قالت إنه يتحدث عن جوائز تندرج تحت فتوى صادرة تحرم اليانصيب.
وكيل النيابة المتفهم أدار معنا حينها حواراً ساخناً أذاب جليد التحفظ المتبادل لتنثال الأفكار والرؤى والمقترحات التي كانت تسجل اعتراضنا على الإجراء ابتداءً لسببين الأول يتعلق بأن ما نشر لا يندرج تحت مهام مسؤولياتنا والآخر ذو صلة بوجود نيابة خاصة بقضايا النشر كان سيوفر إحالتنا إليها الإحساس بذنب الحرام ورهبة المشبوه، باعتبار اننا صحافيون لا حول لنا ولا دفتر شيكات.
من أرشيف الكاتب

اليوم التالي

اقرا الخبر ايضا من المصدر من هنا عبر صحيفة الراكوبة نيوز

عن مصدر الخبر

الراكوبة نيوز

الراكوبة نيوز

أضف تعليقـك