السودان الان

تبدو النزاعات الخليجية ذات طبيعة مؤقتة وغير دائمة.. فهل تنجح الخارجية السودانية في حلها إذا استدعت حنكة شيوخ القبائل؟ “دبلوماسية الأجاويد”

مصدر الخبر / صحيفة اليوم التالي

الخرطوم – حاتم إلياس
أدت الأزمة الحالية بين دول الخليج العربي (قطر والبحرين والسعودية والإمارات)، إلى إعلان مواقف دبلوماسية وسياسية، تتسم بطبيعة عالية الحدة في مداها السياسي والدبلوماسي، وصلت إلى درجة سحب السفراء، وهو أمر للضغط على الدولة المعنية بهذه الإجراءات حتى ترضخ لإعادة تقييم سياساتها الخارجية, ودول الخليج رغم المصالح الضخمة التي تجمع بينها وتتداخل بشكل عضوي كبير وواسع سواء في الجانب الاجتماعي والاقتصادي أو السياسي الذي يضم تكويناتها عبر منظومة مجلس التعاون الخليجي، لكن قد تحدث تباينات بينها وتناقضات تؤدي إلى تصادم هذه السياسات بين الأسر الحاكمة هناك، وسياسات حكوماتها في أولويات وتوجهات السياسة الخارجية لكل دولة.
دون شك، فإن العربية السعودية لها ثقل مهم كدولة خليجية صاحبة وزن سياسي واقتصادي ورمزية روحية كبيرة في المنطقة والعالم، تجعلها مركز العالم الإسلامي كله، لا الخليج وحده. تملك القدرة والتأثير على صياغة القرار السياسي الخليجي في المواقف العربية والعالمية المختلفة، وتدخل المملكة وتأثيرها يعتمد على تقييمها للمصالح الخليجية وطريقة حمايتها من واقع ثقلها الدولي الكبير وخبرتها الدبلوماسية في مجابهة التعقيدات والتناقضات الدولية، كدولة ذات ثقل كبير، معتمدة في ذلك على الانسجام الثقافي والعرقي بينها وبين المشيخات والإمارات والممالك الخليجية. فالراحل د. أبو القاسم حاج حمد طالب في أوقات سابقة الباحثين العرب بأن ينظروا إلى تجربة وواقع المملكة العربية السعودية ضمن منظور استراتيجي تحليلي عميق ومستمر، يتحلل من الدوافع السياسية المتعجلة؛ ففي كتابه: (السعودية.. قدر المواجهة المصيرية وخصائص التكوين)، يقول “إن السياسة الأمريكية المدفوعة باللوبي الصهيوني منذ زمن تسعى لدفع المملكة نحو التطبيع، بهدف تركيعها وإخراجها عن خصائص تكوينها وثوابت هويتها وتجربتها”. وفي مكان آخر يشبه ما يحتمله حكامها مع مجالسيهم من الرسميين الغربيين وهم يرتشفون القهوة المرة، وكأنهم يرتشفون معها جرعات كبيرة من الصبر اللاذع على مطالبهم التي يقابلونها بحكمة العربي وصبره.
لعل حاج حمد في معرض حديثه هنا مع بعض مثقفي تونس الإسلاميين الذين زارهم وشكوا له من تجاهل المملكة، كان يود أن يريهم المخاطر الاستراتيجية التي يواجهها قادة المملكة داخل سياق دولي لا يكف في سعيه المتوجس اليومي في اختبار سياسة المملكة العالمية، هل هي توافق الحفاظ على مصالح أمريكا وإسرائيل في المنطقة، أم أنها ملتزمة بدورها القيادي في العالم الإسلامي وما يفرض عليها من واجبات أخلاقية ودينية تضع كل السياسة السعودية الخارجية يومياً في معارك تفاوضية عسيرة وصامتة مع مراكز القوى الدولية.
الباحث في التاريخ الخليجي قد يتفاجأ بأن النزاعات الخليجية قديمة، وأن ثمة حروبات كبيرة اندلعت، آخرها حرب (الزبارة) بين قطر والبحرين 1935، حينما أنزل الجيش القطري قواته في جزيرة (فيشت الدبل) المتنازع عليها، لكن وساطة سعودية نجحت في فض النزاع بتكوين لجنة مشتركة لحل النزاع بين البحرين وقطر، لكن الوساطة السعودية لم تستمر طويلاً، حيث لجأت قطر إلى محكمة العدل الدولية بلاهاي في عام 1991؛ فالمطلع على تاريخ منطقة الخليج سيجد معارك اندلعت هنا وهناك بين تلك المشايخ، منذ أن كان اللؤلؤ هو المصدر الاقتصادي المهم لتلك الدول، لكن بعد ظهور النفط يبدو أن تلك الحروب ذات الشكل التقليدي العربي القديم قد انحسرت، لما وفره النفط من ثروات ضخمة، نقلتها من حالة الموارد الفقيرة إلى وضعية الدول الثرية المرتبطة باحتياجات وتبادلات سوق عالمي واسع، وما يتبع ذلك من تغيير في الأنماط الثقافية والإدارية وطريقة فض النزاعات نفسها.
تعد قطر حالة فريدة في معايير السياسة الدولية التي تقيس قُدرة الدول في المجال العالمي وتأثيرها على المجال الإقليمي والدولي وفرضها لوجهة نظرها؛ حيث تفتقد قطر لعناصر كثيرة تلحق بتعريف ومفهوم الدول القوية التأثير بنسبة سكانها قليلي العدد، حيث تقول الوثيقة الاستراتيجية حول رؤية قطر الوطنية 2030 “إن المجتمع القطري مهدد بطمس هويته واقتلاعها، وإن اللغة العربية مهددة بالتداول، إلى جانب أن الوجود الأجنبي في قطر يساوي 8 أضعاف عدد المواطنين”، فضلاً عن مساحتها الصغيرة. وحتى تصنيفها كدولة غنية يعتمد على صغرها وحجم سكانها بالمقارنة مع دول مثل العراق والجزائر.
صعود نجومية قطر السريع لبناء منظومة سياسية ذات تأثير كبير على إقليمها، وذلك عبر أدوات إعلامية ذات تأثير كبير استفاد من مناخ غياب الحريات الإعلامية في المنطقىة العربية، ليظهر دور قناة الجزيرة في قطر كصوت مختلف لم يعتده المشاهد العربي ويستمع ويشاهد فيه الآراء التي ليس بوسعه أن يسمعها في قنواته المحلية والرسمية، لكن هذه المساحة لم تكن لكل الآراء السياسية في العالم العربي، بل أفسح المجال للمثقفين والسياسيين من متبني خطاب السلام السياسي، لذا كان هنالك اتهام دائم لقطر بدعمها لتنظيم الإخوان المسلمين العالمي.
في كثير من المواقف بدت السياسة الخارجية والرسمية لقطر غير مفهومة أمام ما تطرحه من دعم الحق الفلسطيني؛ فقد قامت بخطوة استبقت بها اتضاح الرؤية حول عملية السلام في مدريد، وبدت في إعلان تعاون مع إسرائيل بفتح مكتب اتصال تجاري في الدوحة، أغلق في عام 2000 بعد اندلاع الانتفاضة الفلسطينية؛ هذا بجانب وجود قاعدة عسكرية أمريكية كبيرة في قطر، وهو أمر قد يشكل لغزاً في قُدرة السياسة القطرية على جمع متناقضات تتبنى من جهة خطاب التحرر العربي الإسلامي المناهض لإسرائيل والداعم لوجهة نظر حماس والإخوان المسلمين، ومن جهة أخرى توطد علاقتها مع أكبر الداعمين الدوليين لإسرائيل، لدرجة منحه وجودا عسكريا في أراضيها.
أما عن الدبلوماسية السودانية، فإن السؤال الذي يطرح نفسه الآن وبشدة أمام هذا الوضع الذي يلح عليها أن تتبنى أيًّا من وجهتي النظر في الأزمة الخليجية الثالثة: هل ستواصل الدبلوماسية السودانية في نهجها البراغماتي الذي تتبناه منذ فترة وتتبنى موقف الطرف القوي في هذا النزاع وصاحب التأثير الكبير، وتعطي ظهرها لقطر، أم أنها ستميل إلى خلق موازنة حساسة في تقييم المصالح السودانية الاستراتيجية؟ بحيث تتحرك نحو دور وفاقي بين الأطراف الخليجية، هي ودول أخرى مثل المغرب والجزائر وتونس، لعقد مؤتمر صلح يعيد إلى الأذهان مصالحة الملك فيصل وناصر الشهيرة بالخرطوم.
رغم ما يبدو للمحلل من أن الدبلوماسية السودانية تقع الآن في وضع لا يحسد عليه، فبإمكانها تقديم مساهمة مهمة في تهدئة النزاع الخليجي، مع الأخذ في الاعتبار أن النزاعات الخليجية دائماً ذات طبيعة مؤقتة وغير دائمة، ورغم تشابك وتعقيدات السياسة الدولية وحساسية الملفات، لكن حلها يقبع في ذاكرة تراث العشائر والقبائل وقيم العربي القديمة في الحرب والتهدئة والسلام؛ فهي وإن كانت ذات شكل سياسي حديث، لكن آليات حلها دائماً ما توجد في الماضي؛ ماضي ما قبل تكوّن الدولة الخليجية الحديثة نفسها، ودولة ما قبل النفط وأعرافها وثقافات جماعاتها السكانية. لذا، قد تنجح الخارجية السودانية إذا استعانت بحنكة شيوخ القبائل وهمة الأجاويد لا بحيثيات وتدابير النظم الدبلوماسية الحديثة وحدها.

يمكنك ايضا قراءة الخبر في المصدر من جريدة اليوم التالي

عن مصدر الخبر

صحيفة اليوم التالي