السودان الان السودان عاجل

د. الشفيع خضر سعيد يكتب : بيوت الأشباح في السودان

الراكوبة نيوز
مصدر الخبر / الراكوبة نيوز

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية في أيار/مايو 1945، واجه العالم مهمة اجتثاث النازية وإعادة تشكيل المجتمع الألماني بإرساء قيم السلام والديمقراطية والمحبة وسط الشعب الألماني، بعد 12 عاما من محاولات ترسيخ العنصرية والكراهية واضطهاد الآخر خلال الحكم النازي، ومهمة تعميم كشف جرائم النازية وسط شعوب العالم منعا لتكرار الجريمة وترسيخا لذات قيم السلام والديمقراطية. والمدخل الرئيسي لتنفيذ هذه المهمة كان الكشف عن كل الحقائق المتعلقة بالنظام النازي، من حيث أسسه الفكرية وممارساته وأساليب عمله المنافية للطبيعة البشرية، ومن حيث الجرائم التي ارتكبها عبر التحقيقات والمحاكمات العادلة، وفقا للقانون، أو كما أشار وزير الدفاع الأمريكي في الأربعينيات، هنري ستيمسون، وهو يصف المحكمة العسكرية الدولية في نورنبورغ في ألمانيا: «لقد أعطينا النازيين ما أنكروه لأعدائهم… حماية القانون». ولعل هذه هي ذات الإشارة التي ترسلها ثورة كانون الأول/ديسمبر المجيدة بعد استبدال كلمة النازيين بالإنقاذيين!. وفي إعتقادي، أن كشف جرائم وممارسات نظام الإنقاذ في السودان، وتوضيح كل الحقائق عنها أمام الشعب، وبكل دقة ودون تهويل أو ابتذال، وفي مجالات انتهاك حقوق الإنسان والفساد وتخريب الحياة السياسية والاجتماعية وتدمير بنية الدولة والتفريط في وحدتها… وغيرها من المجالات، يشكل اللبنة الرئيسية في خلق مصد أمام تكرار هذه التجربة البغيضة في تاريخ السودان الحديث، ويمثل المفتاح الوحيد لتحقيق مبدأ العدالة الإنتقالية. لقد كتب الكثيرون، أفرادا ومنظمات، عن جرائم الإنقاذ، ولكنها جاءت متفرقة خلال الثلاثين عاما الماضية، والمطلوب الآن تجميع كل هذه الكتابات وشهادات الضحايا وكل ما يتعلق بجرائم الإنقاذ في كل المجالات، وإعادة تقديمها للشعب السوداني والعالم أجمع، بكل الشفافية المطلوبة وبدون أي رتوش سياسية أو أيديولوجية، وبإستخدام وسائل التعبير والإبداع المتعددة.
تعامُل نظام الإنقاذ مع معارضيه السياسيين، كشف أسوأ ما تضمره نفوس قادته من حقد تجاه الآخر. فتعذيب المعتقلين السياسيين، بما في ذلك التعذيب حتى الموت، كان منهجا مؤسسا له في فقه الإنقاذ، ولم يكن أبدا ممارسة فردية، وإلا كيف نفسر تعرّض كل المعتقلين بدون استثناء، وغض النظر عن العمر أو الجنس أو المكانة السياسية، لحلقات التعذيب المهووسة في الزنازين المسماه «بيوت الأشباح»؟. وكيف نفسّر تخصيص أجهزة الإنقاذ لوظيفة بمسمى «مغتصب» يتلقى شاغلها راتبا من ميزانية الدولة ومهمته هي اغتصاب المعتقلين، كما جاء في اعترافات أحدهم في إحدى المحاكمات بعد الثورة؟. وفي منشور إلكتروني في تسعينيات القرن الماضي، وثّق الأستاذ سعد عثمان مدني لأكثر من 60 حالة تعذيب، بعضها حتى الموت، في بيوت أشباح نظام الإنقاذ، كما أسهب في وصف أساليب التعذيب التي إتبعها النظام البائد، والتي نلخّص بعضها هنا تحفيزا لبدء حملة قومية لكشف الحقائق عن ممارسات نظام الجبهة القومية الإسلامية خلال ثلاثة عقود من حكم السودان:

لا يمكن للمجتمع السوداني أن يتعافى ويعاد رتق نسيجه الاجتماعي بدون كشف كل الحقائق عن هذه الجرائم، بما في ذلك كشف المسؤولين عنها، كشفها أمام الرأي العام، وتطوير مادة منها كمنهج يُدرس في مرافئ العلم

تعرض المعتقل لجهاز مصمم خصيصا لتفريغ شحناته الكهربية التي تُفقده وعيه أو يحدث له شلل مؤقت في كل أجزاء جسمه، مع التبول والتبرز لا إراديا. تعليق المعتقل من أرجله على مروحة سقف حجرة التعذيب والتي تظل دائرة بكامل قوتها.
إجبار المعتقل على الاستلقاء على سرير حديد، وتقييد أرجله وأياديه، ثم تغذية السرير بشحنات كهربائية حتى يغمى عليه.
ضرب أي معتقل بغض النظر عن عمره وصحته، مع التركيز على المناطق الحساسة كالمثانة والجهاز التناسلي، وكذلك الرأس والرقبة والوجه…الخ.
الشتائم والإساءات البذيئة للمعتقل ولكافة أفراد أسرته ومعارفه، والتهديد المستمر باغتصابه أو اغتصاب أحد أفراد أسرته أمام عينيه، وهذا حدث بالفعل لعدد من المعتقلين، كما شهد بذلك بعضهم.
يُبلغ المعتقل بأنه تقرر إعدامه، ويُمنح ورقة وقلم لكتابة وصيته الأخيرة، ثم يأخذونه معصوب العينيين في عربة تظل تسير لوقت طويل وكأنها تذهب إلى مكان ناء حيث تنفيذ الإعدام، بينما هي في واقع الأمر لم تبارح مكانها وتدور في نفس المنطقة وحول المكان فقط لإيهام
الضحية ليس إلا. وبعد لحظات، يؤخذ المعتقل خارج العربة، وبينما هو يتابع ويسمع حركة عدد من الجنود حوله وأصوات تعبئتهم لأسلحتهم، يدفعون به فجأة نحو حفرة عميقة ويتبعون ذلك بإطلاق
رصاص في الهواء الأمر الذي يوهم الضحية بأن ما يجري هو حقيقة فيرتعب ويعيش في دوامة الاعتقاد بالرحيل الأبدي فيواجه مصيره وهو مغلوب على أمره بتلاوة الآيات القرآنية وترديد الشهادة!. حدث ذلك مع عدد من المعتقلين !
حبس المعتقل في أماكن غريبة وشاذة كالمراحيض أو الحمامات الضيقة لأيام طويلة، وأحيانا لشهور عديدة، بعد أن يملأوا أرضيتها بالماء البارد أو المتسخ بحيث لا يستطيع المعتقل الخلود للراحة بالنوم أو الاستلقاء أو حتى الجلوس ولو لدقائق!.
حرمان المعتقل من الأكل أو الشرب لساعات قد تمتد ليومين، وحرمانه من قضاء الحاجة لفترات طويلة، مما أدى لوفاة بعض المعتقلين.
إجبار المعتقل على السير حافيا فوق ألواح من الصفيح الصلب تحتها نيران متقدة!.
هذه نماذج مختصرة لما ظلت تمارسه الإنقاذ بحق المواطن السوداني، وفي الجانب الخاص بالانتهاكات فقط، وهناك الآلاف من الذين أُعتقلوا في زنازين النظام البائد، مستعدون للإدلاء بشهاداتهم حول ما تم بحقهم أو تجاه أهلهم وذويهم. ولا يمكن للمجتمع السوداني أن يتعافى ويعاد رتق نسيجه الاجتماعي بدون كشف كل الحقائق عن هذه الجرائم، بما في ذلك كشف المسؤولين عنها، كشفها أمام الرأي العام، وتطوير مادة منها كمنهج يُدرس في مرافئ العلم، وكأننا نطور مفهوم «لعن الذاكرة»، العقوبة التي كانت تُمارسها الامبراطورية الرومانية ضد من تعتبرهم خونة أو شوهوا سمعة الدولة. نطوره بحيث لا نحصره فقط في محو الإنقاذ من الذاكرة، وإنما بكشف الجوهر المعادي للإنسان في ممارساتها، وإعمال المحاسبة والعدالة الانتقالية وإنصاف الضحايا.

اقرا الخبر ايضا من المصدر من هنا عبر صحيفة الراكوبة نيوز

عن مصدر الخبر

الراكوبة نيوز

الراكوبة نيوز

أضف تعليقـك

تعليقات

  • * قامت اثيوبيا بفعل مماثل حين عرضت و لفتره طويله من الزمن, ممارسات نظام منقستو ضد الشعب الاثيوبي, من قتل و تعذيب و إعتقال و تشريد و إغتصاب, شهدها العالم كله, و ذلك من خلال اجهزة الأعلام الحكوميه كافه, المرئيه و المقروءه و المسموعه. و قد وضعت بذلك حدا نهائيا لمثل هذه الممارسات غير الإنسانيه و غير الأخلاقيه حتى تاريخه.
    * لكن منقستو لم يقل أبدا انه يفعل ما يفعل تحت أي ستار ديني أو خلافه.
    * اما في السودان, فقد فعل الاسلامويون المجرمين ما فعلوا, من تقتيل و تعذيب و تشريد و إغتصاب و ظلم, تحت ستار الدين و بإسمه, و تنادوا بانهم إنما يرفعون راية الاسلام و الشريعه الإسلاميه, في دولة “التوجه الحضاري”!!
    * يجب على حكومة الثوره فعل الشئ نفسه, ليعلم الشعب السوداني و العالم ما كان يفعله هؤلاء المجرمين خلال 30 عاما من حكمخم البغيض.
    * المهم ان ننوه أن هذه المهمه تق بالكامل على عاتق وزارة الثقافه و الإعلام, بمشاركة و تعاون رجال الدين الأنقياء الشرفاء, ممن لم يتلوثوا بعفن الإسلامويين. و كذلك الضحايا من الأحياء, و الشهود على تلك المرحله و ممارساتها, و الأختصاصيون من الأطباء النفسانيين, و إختصاصيو علم النفس, و المؤسسات ذات الصله,و ليكون الباب مفتوحا لكل من يستطيع المساعده فى تنفيذ هذا العمل الهام, توثيقا لتلك المرحله البغيضه من تاريخنا السياسي .

    فهل يسمعنا وزير الأعلام و الثقافه, فى حكومة الثوره الشعبيه الإنتقاليه؟!
    هل تسمعنا يا سيد فيصل محمد صالح؟؟!!

  • وهل يصلح التفاوض والتصالح مع هولاء المجرمين كما دعوت يا الشفيع.؟؟!!
    الاخوان المسلمين وكل منتسبي الاسلام السياسي يجب ان يعاملوا مثل ما عومل منتسبي الحزب النازي .قصاص.. النفس بالنفس ومصادرة ممتلكاتهم وزجهم في السجون الي مماتهم. وحل كل احزابهم وحرمانهم من العمل السياسي الي ابد الابدين.
    في رائي لقد فلت الكيزان وسفلة الانقاذ من العقاب لان الحريه والتغيير لم تكن جادة في ذلك وكان رأي الصادق المهدي وابراهيم الشيخ هو الغالب والهبوط الناعم هو سيد الموقف. قريبا سيتم الافراج عن قادة الكيزان وسفلة الانقاذ من السجن ويسمح لهم بممارسة العمل السياسي والاحتفاظ باموال الشعب المنهوبه.

  • بالغت شوية ممكن يكون حصل مع القليل ولكن لم نسمع بذلك الا منك واذا كان الامر حقيقة فهذا مكانه المحاكم لما الانتظار وهل تعرضت انت لمثل هذا وكم من الشيوعيين ماتوا وهم كانوا اكثر من اعتقل وعذب واذا كان هذا الامر حقيقة لكان مات خلق كثير خلي الحديث يكون منطقي حتى يتقبله العقل ولكن أسلوب المبالغة يوحي بان الامر فيه كيد ونحن نزيد دولة قانون لا دولة تشفي كل من اخطأ ينال جزاءه وحتى الذين سعوا في تشويه سمعة السودان وفبركة الاخبار الكاذبة كذلك يحاسبوا فهم سبب هذا الضيق الذي نحن نعيشه وهم يتنعمون في فللهم خارج السودان

    • التعذيب كان موجود في الانقاذ وقضية الاستاذ الخير ملخص لكل ما كتبه الدكتور ويكفي ان هناك ما ادعى مهنة الاغتصاب .. مغروض تلفزيون السودان يتولى الموضوع ده ويخصص برنامج يومي لعمل لقاءات مع الضحايا وشهود العيان واستضافة خبراء غي هذا المجال حتى تقف الناس على الحقائق ويحاسب المجرمين افرادا كانوا او مسؤولين ..

  • يا دكتور الشفيع هل الناس اللذين تم تعذيبهم كلهم ماتوا ام ماذا لم نسمع بفتح بلاغات من هولاء الاشخاص هل هم ما ذالوا خايفين ام ماذا افيدونا كم عدد البلاغات التي فتحت وفي عهد من في رياسه الجهاز علشان يتحاسب اي مدير جهاز بنفس العذاب الذي حاق بهم