السودان الان

يثير إعلان النائب العام تشكيل لجنة للتحقيق في ظروف وملابسات إعدام “28” ضابطاً في رمضان للعام 1990 جدلاً وتساؤلات حول ما هو مصير اللجان السابقة.. بينما ينتظر ذوو الشهداء معرفة المكان الذي تم دفنهم فيه “شهداء 28 رمضان”

صحيفة اليوم التالي
مصدر الخبر / صحيفة اليوم التالي

الخرطوم – الزين عثمان
يظهر أكرم أكرم الفاتح في فيديو لوسائط التواصل الاجتماعي وهو يستمع لتفاصيل إعدام والده الضابط في القوات المسلحة، أكرم الفاتح، في التاسع والعشرين من رمضان، كان مسرح الفيديو يومها خيمة شهداء رمضان في ساحة الاعتصام أمام مباني القيادة العامة، والتي شهدت أيضاً مقتله، وفي ذات التاريخ بعد ثلاثين عاماً. يقول المتحدث ساعتها لابن الشهيد إن والدك لم يمت بل اختار أن يغادر الحياة في تمام رجولته وشموخه، فلم يكن الرجل ساعتها ممن تم القبض عليهم من قيادات حركة الخلاص الوطني، لكنه لحق برفاقه قائلاً: (لن أترككم تموتون بحسرة أنني من باعكم)، وذهب ليكون واحداً من قائمة شهداء حركة 28 رمضان.
1
لا يريد أكرم المولود في العام 1990 ومن قبله جدته ووالدة أكرم الكبير، نفيسة المليك، التي حولت منزلها قبلة لأسر شهداء رمضان، أهم من معرفة الطريقة التي أُعدم بها ورفاقه ومكان رفاتهم والمسؤولين عن هذا الأمر، وجرى إعدام الضباط في أبريل من 1990 بعد اعتقالهم وتوجيه تهم بحقهم بالتآمر للقيام بانقلاب عسكري للإطاحة بحكومة الرئيس المخلوع عمر البشير، قبل أن يتم إخضاعهم لتحقيق عاجل قام به ضباط في القوات المسلحة، وقدموا إلى محكمة عسكرية ميدانية لم تتح لهم فيها فرصة الدفاع عن أنفسهم أو توكيل محامين للقيام بذلك، وبثت حكومة البشير عبر وسائل إعلام محلية تعميماً عبر أجهزة الإعلام، أفاد أن الضباط المعنيين قد اتهموا بتدبير محاولة لقلب نظام الحكم، وقدموا لمحاكمة عسكرية أدانتهم، وحكمت على ثمانية وعشرين منهم بالإعدام رمياً بالرصاص، ودُفنت جثثهم دون إخطار ذويهم.
2
الخميس شكل النائب العام بالسودان لجنة للتحقيق في إعدام نظام الرئيس المعزول عمر البشير لـ(28) ضابطاً بالقوات المسلحة في العام 1990، بتهمة تخطيط وتنفيذ انقلاب عسكري، وحدد القرار مهام واختصاصات اللجنة بتحديد الوقائع والملابسات ذات الصلة بالواقعة، وهل تم تقديم الضباط لمحاكمة استوفت معايير المحاكمات العادلة، بجانب تحديد أماكن دفن جثامينهم وأين وضعت متعلقاتهم الشخصية، وحدد القرار أنه في حال ثبوت وجود انتهاك لحقوقهم القانونية يتم تحديد الأشخاص المسؤولين عن تلك الانتهاكات وتقديمهم للمحاكمة والمساءلة.
وتتهم أسر وزملاء الضباط المغدورين رموزاً من النظام البائد، على رأسهم المخلوع البشير، بقتل الضباط الذين عًرفوا بمنفذي “حركة 28 رمضان” التي حاولت الإطاحة بنظام حكمهم في عامه الأول، دون إجراء محاكمات لهم، وتفيد شهادات بعض الضباط الناجين من أعضاء الحركة بخلاف الذين قُتلوا، أن زملاءهم جرى رميهم بالرصاص دون محاكمات ودفنوا في حفرة واحدة بمنطقة مجهولة، وبعضهم دفنوا وما يزالون أحياء. وتقول تلك الاتهامات إن النظام البائد قام لاحقاً بعد قتلهم بتدبير إجراءات محاكماتهم على الورق وهم موتى، ويتهم بالتورط في تلك الواقعة كل من المخلوع البشير والدائرة المقربة منه من أعضاء ما سمي آنذاك بمجلس قيادة الثورة، من بينهم الفريق عبد الرحيم محمد حسين والفريق بكري حسن صالح، إلى جانب مدير المخابرات العسكرية حينها وبعض قادة النظام البائد من المدنيين.
3
ويثير قرار تشكيل لجنة للبحث والتقصي حول مجريات حركة الخلاص الوطني في رمضان والتي غلب على تكوينها طابع القوميين العرب واليساريين، جدلاً كثيفاً بين ترحيب بها ورفض لها، وأن تمضي الحكومة والعدالة نحو الأولويات وعلى رأسها أولوية تحديد المسؤولين عن فض الاعتصام وسقوط الشهداء في القيادة العامة، وفي حال اختيار العودة للوراء فإنه يجب على الحكومة النظر في ملف أحداث سبتمبر 2013، بينما يضع الكثيرون سؤالهم الاستنكاري “هي لجنة التحقيق في فض الاعتصام عملت شنو؟ شان يتم تشكيل لجنة أخرى؟”، بينما ينبري البعض للرد على هذا التيار بقولهم إنه لا يوجد شهيد أفضل من الآخر، وأن كل الجراح السودانية واحدة والمطلوب الآن هو القصاص لكل قطرة دم سألت منذ يوليو 1989 ودون فرز.
4
لا ينتهي الجدل في نقطة تعدد لجان التحقيق بتعدد القضايا، بل يمتد ليشمل الإشارة إلى نقطة أخرى، مفادها أن النيابة العامة تبذل قصارى جهدها الآن من أجل محاكمة منسوبي النظام السابق تحت تهمة المشاركة والتخطيط لانقلاب الثلاثين من يونيو، فما الذي يجعل انقلاب الإسلاميين جريمة ويبرئ المجموعة الأخرى من الجرم؟ وسرعان ما يحاول أن يخلق البعض محاولة للربط بين ما يحدث الآن وبين ما يقولون، إنها محاولات سياسية مستميتة من قبل الحكام الجدد لتصفية الوجود الإسلامي في السودان، وهو أمر سيخلق حالة من الخلط بين ما هو قانوني وما هو سياسي، وقد تكون له تأثيراته البالغة على عملية تحقيق العدالة.
5
لكن من يحاولون صنع هذه الربكة بالنسبة للبعض يفعلون ذلك من أجل إيقاف مسارات العدالة باعتبارها مطلوبا جديدا في سبيل إعادة البناء الوطني، وهي عملية تحتاج أول ما تحتاج لخلق حالة من العدالة وإنهاء المظالم التي تمددت لثلاثين عاماً، تمددت بتمدد عدد الضحايا في كل ربوع البلاد، فهناك ضحايا الحرب في دارفور وفي جنوب كردفان وفي النيل الأزرق، وبالطبع هناك أسر تنتظر القصاص لمن تسبب في ذلك مثلها وأسر شهداء كجبار وشهداء بورتسودان وشهداء العيلفون وشهداء سبتمبر، ولجان للتحقيق في استشهاد الدكتور علي فضل في بيوت الأشباح وغيرها، هذه اللجان من شأنها أن تعمل لتفتح جروح أسر الشهداء ولكنها في النهاية ستساهم في راحتهم، فلا شيء يريده أكرم وبقية أسر 28 رمضان غير الوقوف عند قبور آبائهم ورفع الفاتحة على أرواح ماتت فداءً للوطن.

يمكنك ايضا قراءة الخبر في المصدر من جريدة اليوم التالي

عن مصدر الخبر

صحيفة اليوم التالي

صحيفة اليوم التالي

أضف تعليقـك