السودان الان

رئيس الوزراء في جوبا بينما شوارع الخرطوم تواصل ضجيجها الثوري. ويردد شبابها (بنعرف متين نبقى المطر ونفهم متين نبقى الحريق). الاشتعال يصل بوابات القصر واستلام عضو السيادي للمذكرة المطالبة بتعيين النائب العام ورئيس القضاء لم يمنع الشرطة من استخدام البمبان (خميس الدموع)

صحيفة اليوم التالي
مصدر الخبر / صحيفة اليوم التالي

الخرطوم ـ الزين عثمان
في قلب ميدان الاعتصام الذي استمر منذ السادس من أبريل حتى لحظة فضه في الثالث من يوليو كانت الهتافات تخرج تلقائية مثلها والدموع يومها كان أحد الشباب يهتف وسط ترديد الآخرين من خلفه (الليلة ما بنرجع إلا الجنوب يرجع) وفي باله سيرة الدم والدموع التي سبقت الوصول بالسودان القديم إلى محطة التاسع من يوليو حين تم طي (العلم) وتسليمه لرئيس السودان الذي شهد في الوقت ذاته راية الدولة الوليدة من معالجة نظامه الخاطئة وإدارته للتنوع ترفرف في السماء.. المفارقة أنه وبعد (101) يوم تعود سيرة الجنوب والدموع مرة أخرى للتداول في الشارع السوداني وذلك عبر خميس المواكب.. الموكب الوزاري الذي قاده رئيس الوزراء وهو يهبط في جوبا ومواكب المطالب الجماهيرية التي انتهت بالدموع التي ذرفت بفعل عودة البمبان مرة أخرى في السودان المدني.
1
يقول مبعوث العناية الدولية لصناعة سلام سوداني في الأوقات السابقة رئيس جنوب أفريقيا الأسبق (ثابو مبيكي) مستبقاً حالة انشطار إحدى أكبر دول القارة في العام 2011 (أيها السودانيون رجاء امنحوا التاريخ فرصة) وحين لم يكن هناك بد من الوصول إلى خيار الفراق لم يجد الموظف الدولي ما يقوله كمساهمة منه في صناعة مستقبل سلام بين دولتي السودان القديم شمالا وجنوبًا سوى قوله: (إن النيل لن يغير مسيله) لكن بدا وكأن الأمر مختلف.. النيل يمضي في رحلة عكسية من الشمال إلى جوبا التي كانت تستقبل عند الصباح الباكر عبد الله حمدوك رئيس وزراء الحكومة الانتقالية في السودان في مشهد تاريخي.. ويخالف التاريخ أيضاً فقد اعتادت المدينة استقبال الرئيس السابق المخلوع حالياً عمر البشير. ولم تكن عروس الجبل لتخفي سعادتها بإزاحة هم ثقيل من على عاتق البلدين والدخول إلى حقبة جديدة، حقبة بدون البشير.
حسناً.. كان مشهد وصول رئيس الوزراء والوفد المرافق له إلى عاصمة جنوب السودان أحد المشاهد التي حضرت في خميس آخر عقب انتهاء حقبة المشير، في تصريحاته بجوبا يقول حمدوك إنه أوفى بوعده في كون الجنوب هو أولى المحطات التي سيزورها عقب تشكيل الحكومة وهو ما حدث بالفعل.
2
فعل الوصول كان في المقابل يطرح تساؤلات حول الأفعال الأخرى المنتظرة بين السودان الجديد وجارة القلب الجنوبية وفقاً لاعتبارات المصلحة والمصير المشترك وتعقيدات المجتمعات الحدودية. أبدى حمدوك سعادته في أول زيارة خارجية له منذ توليه منصبه الشهر المنصرم، متابعا: “سعيد بكوني في وطني الثاني جنوب السودان، كما وعدت أن أول زيارة لي بعد أداء القسم سوف تكون لجوبا” وقال حمدوك في تصريحات نقلتها وكالة “الأناضول”، أمس الخميس: “نطمح في علاقات استراتيجية راسخة متطورة بين شعبينا لا يحدها أي سقف. سوف نعمل في هذه الزيارة خلال اليومين لوضع علاقات متميزة ومتطورة بين شعبينا”، وأشار رئيس الوزراء السوداني إلى أن الزيارة ستناقش قضايا التجارة بين البلدين بجانب ملفات النفط وحرية الحركة والتنقل للناس والبضائع. واعتبر نائب رئيس حكومة الجنوب جيمس واني إيقا الذي استقبل الوفد السوداني في مطار جوبا أن حمدوك هو الشخص الصحيح في المكان الصحيح وفي الوقت الصحيح معرباً عن آماله في أن ينجح في قيادة سفينة بلاده إلى بر الأمان خصوصاً وأنه يمتلك المقدرات للقيام بهذا الفعل، “هو يمتلك الخبرة الكافية لإدارة الأوضاع خلال المرحلة الجديدة” وأضاف: “فخورون بحمدوك ولدينا معرفة قديمة حيث كان صديقا لنا في الحركة الشعبية منذ أيام الحرب الأهلية، كما أنه كخبير اقتصادي يمكن أن يضع معالجات حقيقة لكافة المشكلات الاقتصادية التي يعاني منها بلدانا”.
3
كان حمدوك يغادر العاصمة الخرطوم التي استقبلت في الوقت ذاته وفد المجلس السيادي العائد من جوبا بعد نجاحه في تحقيق اختراق في ملف السلام وبدء مشروع بناء الثقة مع الحركات المسلحة الخرطوم، ساعتها كانت تمتلئ طرقاتها بالمياه والطين الناتج عن هطول أمطار كثيفة في الليلة السابقة بينما من صعدوا بحمدوك إلى منصبه من الثوار كانوا يرتبون لفعل آخر يقرأون من كتاب أغنيات الفنان الراحل مصطفى سيد أحمد (أعرف متين أبقى المطر وأفهم متين أبقى الحريق).. الاستعداد للحريق كان من ورائه السعي لتحقيق الأهداف وتمهيد الطريق لقيام دولة الثورة بقيمها الحرية السلام والعدالة.. العدالة التي تكاد مواكب البحث عن إنجازها تقارب عدد تلك المواكب التي هتفت قبل الحادي عشر من أبريل (تسقط بس) بالأمس كانت المواكب تؤكد على فرضية واحدة مفادها أن تشكيل الحكومة لن يمنع من أعادوا ترتيب الواقع في سبيل سعيهم لإعادة الأمور لنصابها ووضعها في السياق الذي يحقق أهداف ثورتهم.
4
لم يخف البعض استغرابه من تسيير قوى الحرية والتغيير لمواكب تمارس الضغط على الحكومة التي شكلتها نفس القوى لكن حدث ما حدث، حيث تولت صفحة تجمع المهنيين السودانيين بالفيسبوك الدعوة لقيام المليونية ومن ثم تحديد مساراتها مثل ما كان يحدث في أيام الثورة.. وقد حدد نقطة نهاية الموكب القصر الجمهوري من أجل تقديم مطالب الثوار في تشكيل مؤسسات العدل بغية جلب القصاص لأرواح الشهداء.. عقب انطلاق الموكب من موقف جاكسون بدت الخرطوم وكأنها تستعيد أيام ثورتها بهتافاتها المحببة وبأعلامها التي رفرفت فوق أجساد (الجيل الراكب راس) ولم تغب أيضاً ملامح الحشد الأمني وإن بدت أقل من تلك التي كانت في فترة الرئيس المخلوع وطغت عليها الشرطة التي حاولت أن تسد الطرقات المؤدية إلى القصر الجمهوري، لكن ذلك لم يمنع الثوار من تحقيق غايتهم والوصول إلى هناك من أجل تقديم المذكرة الخاصة بالإسراع في إنجاز وتكوين مؤسسات العدالة بتعيين رئيس القضاء والنائب العام.
وفي القصر كان اعضاء المجلس السيادي من مكوناته المدنية في انتظار الجماهير حيث تسلم عضو المجلس صديق تاور المذكرة التي حوت المطالب بينما كان من الصعوبة بمكان مخاطبة أعضاء السيادي للمسيرة بفعل الهتافات المتتابعة للجماهير المحتشدة والغاضبة.. غضب انتهى في آخر المطاف بأن تقوم الشرطة باستخدام البمبان من أجل تفريق الجماهير من أمام ساحة القصر الجمهوري خصوصاً في ظل استعادة البعض لنشيد اعتصام القيادة (صابنها).
5
أمام وزارة العدل كان عضو شبكة الصحفيين السودانيين علي فارساب يتلو المذكرة ويقرأ فيها “نخاطبكم اليوم باسم شهداء الثورة وباسم السودانيين والسودانيات وبالقسم الذي أقسمتموه أمام الشعب السوداني. نخاطبكم ونحن نحمل بين أيدينا أمانة ثقيلة، هذه الأمانة هي مطلب كل الشعب الذي قاد ثورته وقد كانت مخاضاً عسيراً ونضالاً يومياً ونحن ملتزمون بالمواصلة إلى أن تتحقق شعاراتها في الحرية والسلام والعدالة”.. وأكمل فارساب من ذات الورقة أن “ما زاد ثورة ديسمبر اتقاداً وجعلها عصية على التراجع والخنوع تفشي الظلم واليأس من أجهزة الدولة القيمة على العدل وعدم قدرتها على إنصاف المظلومين بسبب تخفيها في جلباب السلطة ما جعلها صدى للنظام، ولقد جاءت الثورة لتصحح هذا الاختلال ولتخلق تغييراً جذرياً يشبه أحلام السودانيات والسودانيين في الكرامة والعدالة والعيش الكريم. ما يزال هذا الوضع المعيب موجوداً في المؤسسات العدلية وفي العديد من مؤسسات الخدمة المدنية وهو ما يتنافى مع ما تم الاتفاق عليه في نصوص وثيقة الإعلان الدستوري التي حددت مهام الفترة الانتقالية وطريقة إقامة المؤسسات العدلية من قضاء ونيابة وغيرها. إننا نعلم جيداً أن تحقيق العدالة مرتبط بقيام مؤسساتها التي يقودها أصحاب الضمائر الحية الذين يتسلحون بالعلم والمعرفة والنزاهة والإيمان العميق بأن العدل هو أساس الحكم.
هذه المواكب التي أمامكم جاءت لتقول لكم كفى وتطالبكم بتكوين مؤسسات العدالة المتمثلة في رئيس القضاء والنائب العام إيذاناً ببداية عهد جديد لا ييأس منه ضعيف ولا يطمع فيه قوي، عهد عنوانه العريض الناس سواسية أمام القانون”.
6
لكن داخل الوزارة حيث تم تسليم المذكرة كان الخميس يرسم مشهدا آخر بطله وزير العدل نصر الدين عبد الباري الذي أصدر قرارا كلف بموجبه المستشارة سوسن حسين بمهمام وكالة الوزارة الأمر الذي اعتبره البعض إطاحة بوكيل الوزارة بابكر علي قشي مما جعل البعض يشعر بالفرح باعتبار أن الخطوة تأتي في سياق التخلص من قيادات النظام السابق في الخدمة المدنية وهو أمر يحسب لوزير العدل الذي استطاع تجاوز تلكؤ المؤسسات والوزارات الأخرى في إشارة لما يجري الآن من جدال حول إقالة أو استمرارية مدير التلفزيون في موقعه خصوصاً وأن القانون يجعل من دور الوزير فقط تقديم توصية بحسب ما أفاد وزير الثقافة والإعلام فيصل محمد صالح.. لكن ما اعتبره البعض انتصاراً سرعان ما تحول إلى غير ذلك حين كشف مصدر داخل الوزارة بأن ما جرى لا يعني الإطاحة بقشي، فالأمر قانونياً ليس من اختصاص الوزير وإنما تم كل ذلك لأجل ترتيبات داخلية ونفى المصدر إعفاء قشي من منصبه وأشار في منشور تم تداوله بكثافة لأن القرار افترضته ظروف غياب الوكيل خارج البلاد، حيث يقوم بمتابعة أوضاع والدته المريضة في دولة قطر وبناء على ذلك كلف الوزير رئيس القطاع سوسن حسين للقيام بمهامه إلى حين عودته مما يعني أن صعود سوسن أمر مؤقت قد ينتهي بانتهاء أسبابه فيما ظلت الحقيقة الثابتة في الشوارع الممتلئة بالجماهير على امتداد البلاد على أن ثورة ديسمبر أبريل ليست فعلاً مؤقتاً وإنما امر سيظل دائما حتى تتحقق أهداف وغايات الثوار ومن قبلهم أحلام الشهداء.

يمكنك ايضا قراءة الخبر في المصدر من جريدة اليوم التالي

عن مصدر الخبر

صحيفة اليوم التالي

صحيفة اليوم التالي