السودان الان

الساقية لسه مدورة

صحيفة آخر لحظة
مصدر الخبر / صحيفة آخر لحظة

يدور حديث كثير ممجوج غير منطقي وغير منصف وهو أن قوى الحرية والتغيير يجب أن لا تنفرد بإدارة الدولة في الفترة الانتقالية، لأنها لا تمثل الشعب السوداني كله. هذا الحديث ذكره المجلس العسكري وذكره الإمام الصادق المهدي، وذكرته تجمعات النظام البائد في أشكالها المختلفة- مؤتمر وطني، شعبي، نصرة الشريعة وغيرها من المجموعات.. ممجوج غير منطقي وغير منصف لسبب بسيط هو قوى الحرية والتغيير فعلاً لا تمثل الشعب السوداني كله، ولكن بكل تأكيد تمثل كل الثورة التي قادت إلى اقتلاع نظام باطش شرس آيدلوجي شمولي جثم على صدر الشعب السوداني ثلاثين عاماً، وبهذه الصفة إنها تمثل الثورة بكل تضحيات أفرادها وصمودهم أكثر من خمسة أشهر، وشهداء فاق عددهم الثلاثمائة في انتفاضتين- سبتمبر 2013 وديسمبر 2018 وآلاف الجرحى.. نعم لا تمثل الشعب السوداني كله، لكنها تمثل الثورة كلها والتي نجحت في إزالة نظام الإنقاذ، والذين يتحدثون عن عدم الإقصاء والمشاركة للجميع لا يقرأون التاريخ أو يتجاهلون عمداً ما حدث فيه من إقصاء.

تقرير:عمر البكري أبو حراز

كان الإقصاء الأول في الفترة الإنتقالية الأولى عقب ثورة 21 أكتوبر، إذ كانت ثورة يسارية، رفعت شعار التطهير واجب وطني، أبعدت تحت هذا الشعار أصدق وأكفأ الرجال الذين حافظوا على الخدمة المدنية كما تركها الإنجليز، أبعدوا تحت الشعار نفسه اقتصاديين خططوا وعملوا بتجرد وفكر رفيع حتى غادر انقلاب عبود في 21 أكتوبر، وترك فائضاً من العملات الحرة في بنك السودان (تقرير بنك السودان 1965)، وأبعدوا غيرهم من رجال السلك الدبلوماسي وأساتذة الجامعات.
تم الإقصاء الثاني عندما وقع انقلاب مايو 1969 اليساري- شيوعي- وقوميين عرب- قام بأكبر عمليات إقصاء لكل من يخالفهم الرأي أو الفكر، قاموا بتدمير الخدمة المدنية والشرطة والقوات المسلحة بعمليات التطهير- أساتذة جامعة الخرطوم العلماء وغيرهم نالهم التطهير أمثال بروفيسور عبد الطيب عميد كلية الآداب آنذاك، والذي عرف منذ نشأته حتى مماته ببعده الكامل عن أي توجهات سياسية- طُرد من جامعة الخرطوم، وطُرد من منزله التابع للجامعة في بري، وأنصفه الملك محمد الخامس ملك المغرب وأوجد له موقعاً مميزاً في جامعة فاس المغربية.
ثم أخيراً جاء الإقصاء الأكبر في تاريخ السودان وهو إقصاء الإنقاذ منذ وقوع انقلابها أبعدت وشردت وعذبت الآلاف من المواطنين، وكان تطهيراً شاملاً غير مسبوق تحت شعارات التمكين.
لماذا لم يتحدث من رفع صوته الآن عن الإقصاء وعدمه في تلك العهود وآخرها عهد الإنقاذ الذي قامت عليه الثورة، لذلك من حق هذه المجموعة من الثوار الذين قادوا نضالاً شرساً ضد نظام عقائدي متمكن لمدة ثلاثين عاماً، فشلت كل المجموعات المدنية والعسكرية المسلحة في إزاحته.. نجحوا بعد نضال وثورات ممتدة منذ سبتمبر 2013 حتى ديسمبر 2018 استشهد المئات وجرح الآلاف.
والذين يتحدثون عن تمثيل الشعب السوداني نقول: هل كان انقلاب عبود عام 1958 ممثلاً للشعب السوداني؟ هل كان حزب الأمة ممثلاً للشعب السوداني كله عندما حكم بعد ثورة أكتوبر وبعد أبريل 1985؟، هل كان نظام مايو 1969 ممثلاً للسودان كله، وهل كان نظام الإنقاذ ممثلاً للشعب السوداني كله- نظام الإنقاذ حكم ثلاثين عاماً ولم يكن يمثل 10% من تعداد سكان السودان، حتى في الأنظمة الديمقراطية العالمية، مثل أمريكا والحكومات التي تفوز تأتي عبر انتخابات برلمانية أو رئاسية لا يشارك في التصويت أكثر من 30% من المواطنين.
لذلك مقولة لا يمثل الشعب السوداني مقولة مردود عليها، بوقائع ما حدث في التاريخ السوداني في كل حقبة من الحقب التي حكمت.. كما أوردنا وكذلك فرية الإقصاء يجب أن لا تخدع أو ترهب الثوار ونقول لهم: (من كان منكم بدون إقصاء فليرمي الثوار بقنبلة).
كان ما سطرته أعلاه حواشيا أو (فرشة) للمقال.
المتن عن الأسباب التي أدت إلى فقدان الثوار لأهم عناصر تحقيق أهداف الثورة، والوصول إلى نقطة حرجة أدت إلى تدخل المجلس العسكري ضد قيادات الثورة، في محاور أساسية ورئيسية أفقدت الثوار القيادة والريادة، وأكسبت المجلس العسكري والمعارضين من رموز وأعضاء النظام البائد زائداً الجماعات الإسلامية المتطرفة أكسبتهم أراضي فقدوها فور إعلان الإنقلاب يوم 11 أبريل.
نعدد أسباب فشل وصول ثوار ديسمبر 2018 إلى أهدافهم وغاياتهم حتى هذه اللحظة:
أولاً: بدأت الثورة بتجمع المهنيين، وقاد الشارع في تظاهرات ضخمة عمت العاصمة منذ 19 ديسمبر 2018 عندما بدأت في عطبرة، القضارف وبورتسودان ثم انتظمت في الخرطوم حتى سقوط الإنقاذ في 11 أبريل 2019.. في يناير كان الخطأ الأول والأكبر هو انضمام الأحزاب وإعلان وثيقة الحرية والتغيير، دخول الأحزاب خاصة أحزاب أقصى اليمين وأقصى اليسار، وأقصد بذلك حزبي الأمة والحزب الشيوعي ثم أحزاب الوسط.
كما هو معلوم فإن الأحزاب تختلف تماماً عن تنظيمات المهنيين خاصة النقابية- تنظيمات المهنيين في كل الأحوال تقودها تيارات حزبية خاصة أحزاب اليسار، ولكن داخل التنظيم المهني تذوب كل الخلافات والتوجهات الحزبية، لذلك كان سقوط نظام مايو 1969 في أبريل 1985 بسبب قيادة المهنيين لكل مراحل الثورة، وكانت القيادة في دار المهندس في العمارات وكنت وقتها رئيساً لدار المهندس.. كل من يدعي أنه قاد ثورة أبريل 1985 بخلاف المهنيين عبر نقاباتهم كذاب أشر، العصيان المدني يوم 4 أبريل بعد موكب 3 أبريل أجبر المرحوم المشير سوار الذهب إلى إعلانه استلام السلطة بعد جهد جهيد، لإقناعه باستلام السلطة، لذلك استلام السلطة بواسطة الجيش تحت ضغط جماهيري يجب أن لا يسلب الثوار من حقهم الأصيل في إدارة فترة انتقالية طويلة، حتى يتم الإعداد لدستور وانتخابات مع الإحتفاظ للقوات المسلحة بحقها في مساهمتها في انهاء النظام البائد، وذلك بأن تكون في قمة هرم الرمز القومي للحكم وهو مجلس السيادة.
ثانياً: هذين التيارين اليمين واليسار (الأمة والشيوعي) شدَّا ثوب الثورة من الأطراف حتى أصبح (رهيفاً) في الوسط وزادت مساحة تيار الثورة، وكما معلوم في علم الهندسة كل ما تزداد المساحة يقل الضغط والتركيز، وهذا ما حدث ويحدث الآن، حوالي 50 يوماً والثوار يفشلون في تكوين حكومة والمعارضة والتآمر الداخلي والخارجي يقويان حتى صارا مهددين لكل نجاحات الثورة.
ثالثاً: الإصرار على فترة انتقالية طويلة أمر ضروري ومهم يجب أن لا يكون نقطة خلاف- أصبح الآن نقطة خلاف بسبب الأحزاب التي تريد التعجل دون مراعاة لأي ظروف حتى الوصول إلى كيكة السلطة، حتى ولو بـ(الكلفتة)- كما حدث في فترتي الانتقال بعد أكتوبر 1964 وأبريل 1985- قصر الفترة الإنتقالية في المرتين كان سبباً مباشراً لحدوث انقلابين عسكريين بعد الفترة الإنتقالية الأولى وانتخابات 1965، شكل حزب الأمة والاتحادي الديمقراطي حكومات ائتلافية فاشلة حتى قام انقلاب مايو 1969- أي بعد أربع سنوات من الفترة الانتقالية القصيرة- (عاماً واحداً). تكرر المشهد وقع الحافر على الحافر بعد الفترة الانتقالية الثانية التي أعقبت سقوط نظام مايو وانتخابات 1986 التي فاز فيها حزب الأمة بأغلبية (101) مقعد، الاتحادي 68 والجبهة الإسلامية 50 وكانت أيضاً فترة انتقالية لمدة عام، كوّن فيها الإمام الصادق ثلاث حكومات في أربع سنوات أيضاً، أي تقريباً كل سنة حكومة حتى قامت الإنقاذ في يونيو 1989 وأيضاً بعد أربع سنوات من الفترة الإنتقالية القصيرة.
من هذا التاريخ الحديث جداً جاءت فكرة فترة انتقالية لمدة أربع سنوات، لأن الفترتين الانتقاليتين الماضيتين لمدة عام أدتا إلى انقلابين كل منهما بعد 4 سنوات من الفترة الانتقالية، فهل الذين ينادون مرة أخرى بفترة انتقالية قصيرة أو الدعوة المغرضة إلى انتخابات مبكرة في 2020 يريدون أن يقع انقلاب آخر في 2024 .
المشاكل المراد حلها في البلاد في كل الأوجه صارت عميقة وشائكة، لا تقوى على حلها إلا حكومة تكنوقراط غير حزبية ولمدة 4 سنوات على أقل تقدير.. حتى تسلمها إلى نظام ديمقراطي مستدام وإلا فإن ساقية الانقلابات ستكون لسه مدورة.

يمكنك ايضا قراءة الخبر في المصدر من جريدة آخر لحظة

عن مصدر الخبر

صحيفة آخر لحظة

صحيفة آخر لحظة

أضف تعليقـك