منوعات

من أغنيات التراث فرتيقة أم لبوس لويعة الفرسان

صحيفة الصيحة
مصدر الخبر / صحيفة الصيحة

كتب :  خالد الشيخ حاج محمود

      عندما توفي عمارة ود المك رثته شقيقته الشاعرة بنونة بقولها:                                                                       (ما دايرالك الميتة أم رماداً شح..  دايراك يوم لقى بدميك تتوشح)، وقد أظهرت من خلال ما ألفته حزنها عليه، وهو يموت على فراش المرض (كما تموت العير)، حيث كانت تتمنى ان يموت شهيداً في غمار المحاص.

أما الشاعرة بشة علي عبد الصادق، فقد حزنت على والدها (ناظر خط  المسلمية) الذي استشهد في موقف بطولي مما جعلها تصفه من خلال رائعتها الحماسية  (فرتيقة أم لبوس لويعة الفرسان).

حقاً تتعدد الأسباب، ولكن الموت واحد، فقد يأتي ويكون بين (ناطق صامت)، وربما يأتي بين صامت صاح.

الخلط بين الأغنيتين اللتين تغنى بهما الأستاذ عبد الكريم الكابلي (فرتيقة أم لبوس ـ وماهو الفافنوس) ظل يطالع أفق المستمعين دوماً بالرغم من اختلاف نظم الأغنيتين زماناً ومكاناً .

من خلال هذا المقال سأتناول قصة أغنية (فرتيقة أم لبوس لويعة الفرسان)، التي حدثت إبان الحكم التركي للبلاد، فقد أورد السير هارولد ماكمايكل في كتابه (السودان) بعض الحقائق عن وضع السودان إبان الحكم التركي، حيث أشار لتقلد إسماعيل باشا الخديوية في عام 1863م واتخاذه بعض الإجراءات الجادة لعمل إصلاحات وتحسين للمواصلات وتشجيع للتعليم وتركيز السلطة وتخفيف تجارة الرقيق.

ولتحقيق الهدف الأخير عيّن مديرين أوربيين للمديريات حتى لا يعتمد على الأتراك والمصريين، حيث قام المعينون بما استطاعوا من إجراءات، ولكن صعوبة المناخ والمواصلات واضطراب  الأحوال العامة ومعاكسة الموظفين المرتشين وقوة تجارة الرقيق صعّبت من مهمتهم وجعلتها عديمة الجدوى، لذلك لم تنخفض وطأة الشرور التي تعاني منها  البلاد من ضرائب باهظة وانعدام للعدل بين الناس علاوة على أن القوانين الصادرة من القاهرة لم يكن لها أي أثر إيجابي على من يتولون دفة الحكم.

 وفي حوالي عام 1869م عين الخديوي صموئيل بيكر حاكماً على المديريات الإستوائية، وكان الهدف من ذلك ضم مناطق حوض النيل جنوب غندوكرو، وأيضاً محاربة تجارة الرقيق وبسط النظام، وفي عام 1874م خلف السير غردون بيكر على الإستوائية كما تم تعيين غردون حاكماً عاماً على السودان في فبراير1877 بعدما أصاب الفشل الحكم التركي وأحاطت به الإشكالات من كل صوب  وحدب حتى غدا البطش والتنكيل صفة دائمة للحكم وشعاراً لإخماد الأصوات المناوئة له، فإن كان التأريخ قد أشار إلى حركة الشريف ود طه في الجزيرة، فإنه  لم يذكر الكثير على سبيل المثال حركة الشيخ علي ود عبد الصادق ناظر خط المسلمية والذي يمتد حكمه من الحصاحيصا وحتى المدينة عرب، ومن أحفاده المشهورين   (أبو اليسر مدني العرضي).

  لقد أشعل الشيخ علي عبد الصادق روح المقاومة في منطقته بعدما شق عصا الطاعة في زمن باكر إبان السبعينات من القرن التاسع عشر،  وغزاء قوته تلك أُقتيد إلى المسلمية أسيراً، وضُرب بالكرباج حتى فارق الحياة بل شُوِي جسده بالنار، وهو من منطقة أبو جويلي التي تقع بين الحصاحيصا  والمدينة عرب، وقد ذاع صيت أبنائها السبعة وعمهم سالم دفع الله حمد المشهور بالأرباب والذين تعرضوا في عام 1916م إلى نهب مسلح في منطقة شات بالقرب من الدويم، وعيال أبو جويلي السبعة هم أحفاد الشيخ أحمد االزيلعي،  الذي ينتسب للشيخ عمر  الزيلعي  ساكن منطقة (تعز) باليمن،  وحبوبتهم هي (مدينة بت المك نمر)، ومن أجدادهم الشيخان (حامد أبو عصا وعبد الرحمن النويري)،  والأخير  تتلمذ على أولاد جابر الأربعة، وكان معه الشيخ عبد الله العركي الكبير، لذلك نهل من العلم بعد حفظه القرآن وفق الحكمة التي تقول:-

قرا القرآن في الأول

وعلى العلوم تحول

في ساعة عقلو حول

قصد الله وعرول

أهل الجبة المتروزة

ونعالهم مجزوزة

نفوسهم محجوزة

عن كل ما لا يجوزا

لقد أثبت أبناء أبو جويلي شجاعة وإقداماً في عركتهم مع الهمباتة مما جعل محسوبتهم الشاعرة (بشه علي عبد  الصادق) أن تنبري قائلة:-

عيال أب جويلي الكمبلو وعرضوا

في دار كردفان إتغربو وسدروا

ضربو الجوز عديل حاشا ما لوا

ولي بنات البحر سمح الخبر جابوا

غني وشكريهو يا خدرة  الورتاب

فوق ود الفحل الليلة جبت جواب

حقيت  الاسم   يا سالم الأرباب

قيدومة العيال ركازة  للمرغاب

(الفحل) هو الفارس الفحل ود إدريس  والذي توفي بشندي، والجدير بالذكر أن شقيقة الشاعرة بشة اشتهرت بـ (حلبية) لأنها كانت بيضاء اللون ومن أحفادها (أولاد طلحة شيوخ أبو دليق)، كما أن ابنة الشاعرة بشه هي الشاعرة (بلالة بابكر أحمد  الزليعي) والدة الباحث الأستاذ يوسف بشير سالم الغوث، وجدة الأستاذ الطيب الغوث، الذي يقيم بمدينة الأبيض، فيما تقيم أسرة الراحلة بلالة بأم روابة، ولقد ألفت الشاعرة بلالة مرثية (غرارة العبوس) في الشيخ عبد الباقي أزرق طيبة حينما توفي في عام 1952م، لاسيما وقد كان محسناً ومشيَداً للعديد من المساجد بطوب الضانقيل وقد رثته بلالة بقولها:-

طلابك ألوف  غير  البجوك  زوار

وليك خمسين سنة ما فُتّ  تُكل النار

حمد النيل  يعيش  ويحي لينا  الدار

غرار العبوس دار الكمال و نقاص

دوبا حليل أبوي اللعلوم درّاس

إن التأريخ حفظ للخنساء دمعها المنهمر على أخيها صخر حينما خلفت عالماً من الأسى والشجن وكان يستمع إليها أعظم الخلق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ويستزيدها ويتأثر بشعرها وهي تقول:-

ألا يا صخر لو أبكيت عيني

لقد أضحكتني زمناً طويلا

رفعت بك الخطوب وأنت حي

فمن ذا يدفع الخطب الجليلا

إذا قبح البكاء على رجال

رأيت بكاءك الحسن الجميلا

إن المناحة والرثاء عندما تختلط بالشجن تتجمر معها اللحظات، وكذلك فإن الأمل والرجاء عند الأمهات و الحبوبات ماضٍ حتى قيام الساعة، وهن يلولين صغارهن فيصبح ذلك بمثابة جذوة متقدة وقيمة فاضلة تمثل لهن عمراً ثانياً، فما قامت به الشاعرة (الحرم بت عبد الله ود أب سن)، وهي تلولي صغيرها (عبد الله إبراهيم عبد الله أبو سن) والذي أصبح في مقبل الأيام من القضاة الشرعيين ومن رجال السياسة ببلادنا فما كتبته والدته الشاعرة الحرم وتنبأت به أصبح واقعاً وعبر عن سلطنة شعرية في مملكة السناب الأدبية، وبالفعل صار ابنها كما تمنت  له ذا شأن عظيم، وهو يؤكد على كل كلمة  مدحته بها بل أصبحت كلماتها تلك من أغنيات التراث الشعبي التي سار بذكرها الركبان (صافي دهب الخزانة) كانت الحرم كزرقاء اليمامة تماماً وهي ترى بإحساس الأمومة وشعور الأمل والرجاء:-

مرق ود بيت الفضالة

تيتب للهاكعة شالة

عظيم بالحيل يا أب قدارة

متل قريش في الشطارة

قاضي أوكاتو  وفروضو

مرق السابلات عروضو

عوج الآلاف يقودو

وحرسو وصبغة جدودو

عبد اللاه يبلغ مقصودو

مثل حاتم يحكو جودو

 وعلى ذات  الطريق  سارت  الشاعرة فاطمة علي عبد الصادق المشهورة بـ(بشه) وهي ابنة عمدة عيال أبو جويلي أولاً، وناظر خط المسلمية ثانياً، وهي تؤلف   قصيدتها الحماسية  (فرتيقة أم لبوس) في بسالة والدها والذي كما أشرت في مقدمة المقال بأنه توفي  متأثراً بالضرب في المسلمية بواسطة زبانية العهد التركي بجريرة خروجه عليهم ورفضه دفع الضرائب ومقاومته لقرارات الحكم التركي، وتحريضه لأهل منطقته، وذلك في السبعينات من القرن التاسع عشر،  إبان الحكم التركي حيث تم رفده من السلطة العشائرية علاوة  على تعذيبه وضربه حتى خر صريعاً فحزنت عليه ابنته الشاعرة بشة وكادت أن تفقد بصرها بعدما ابيضّت عيناها من الحزن لكنها استمسكت بالصبر  ونفثت عن حزنها بالأمل، وهي تلولي إبن أخيها الصغير الذي سمي تيمناً على جده (علي أحمد علي ود عبد الصادق)، وكانت ترنو للمستقبل بأن يصبح مثل جده، لذلك جاءت المناحة مخلوطة بالأمل والرجاء وهي تقول في حرقة وشجن:-

فرتيقة أم لبوس لويعة الفرسان

الليل بابي لي عنزة وقرونا سنان

الكوراك ضرب مرقن جرادة أنداد

أنداد النصارى الكلهم بولاد

الكرار علي كبّر عليهم زاد

وسيفك في غضاريف الرجال صيّاد

متين يا علي تكبر تشيل حملي

وإياك علي الخلاك أبوي دخري

للجار والعشير الكان أبوك بدي

للغني والفقير الكان أبوك حامي

متسلوب من العنج الحرير أكسي

لا تعاين الوجوه ضربك شديد سوي

وسيفك في غضاريف الرجال أروي

جابولنا الكرامة وصبحنا فرحانين

ضربو دنقرم جوني العيال مارقين

بسأل عن علي الفارس البقود تسعين

هو اللدر العلي ضهرو الخبوب والطين

ما باكل الضعيف وما بسولب المسكين

إلا شيمة الأسد أبو قبضتاً هين

لقد تغنى بهذه الأغنية الحماسية  كروان التراث السوداني الأستاذ  عبد الكريم الكابلي، وجاءت الأغنية مشبوبة بالعواطف لأن المرأة  السودانية عادة ما تكتب بصدق يبلل دمعها فيه ورق القرطاس وأرجاء المكان مثلما فعلت (المنفّلة بت جلي) حينما قُتل شقيقها فارس بني جرار (موسى ود جلي) بواسطة النفيدي (ود أم النصر) في عركة (عقال التمامي)   لا سيما وقد كان  مقتله أمراً مريعاً شق نعيه فيه على أهله وعشيرته وشقيقته المنفل،ة لذلك لم تجد تلك الشاعرة من السلوى سوى  الكلمات الحزينة التي منحت بها قائلة:

أبكنو يا سهيل ومهيل

ود أمي يا سرير يا برير

ود أمي يا صباح الخير

عزايتك ما بتنوم بالليل

وزاملتك بركت للشيل

خربانة الدنيا دار الميل

يوم جانا المهر مجلوب

وفوق ضهرو السرج مقلوب

أبكن يا بنات حي ووب

علي موسى الوسدوهو الطوب

لا يستغرب من الشاعرة بشة علي الصادق قوة الشكيمة والإرادة لأنها حفيدة المك نمر فهي خيار من خيار وما قيل عن المك نمر يُنبئ عن ذلك تماماً

الليلة النمر شب فوق فروعو

قال للترك يا كلاب هوي انقرعوا

الباشا البدين بسيفو ودرعو

حالف يا النمر الليلة تحرقو

ومن خلال أوبريت سودانية مدح الأديب الراحل الشريف زين العابدين الهندي المك نمر بقوله ,

سلام يا المك نمر أدّاب الترك في شندي

سلام أولاد جعل أهل المكارم عندي

أهل الدروع والخيول الكلهم جرقندي

أولاد عبد الله فيك هازين صوارم الهندي

نادي المك نمر معلم أباة الضيم

شاوي الباشا شي  خلاي جناهو يتيم

ودفتردار يجك عند المتمة زميم

أرفع صوتك لعل الناسي يبقى فهيم

إن قيم البطولة والفداء موروثة  في بلادنا باعتبار أن السمعة أطول من العمر واقتداءً بالحكمة الشعبية الدالة على القيم والمكارم تحتفي الشاعرات ويشدو المطربين للفرسان والأبطال ..

يمكنك ايضا قراءة الخبر في المصدر من صحيفة الصيحة

عن مصدر الخبر

صحيفة الصيحة

صحيفة الصيحة

أضف تعليقـك