السودان الان

كيف تغيرت مدينة الحصاحيصا بعد تضعضع المحالج وكيف يدير سكانها الآن معاشهم؟ “المدن تفقد الروح”

صحيفة اليوم التالي
مصدر الخبر / صحيفة اليوم التالي

الحصاحيصا – حسن محمد علي
لن يتمكن سكان (كمبو هاوس)، وهو شريط من منازل يقطنها عمال محالج القطن بمدينة الحصاحيصا، من توفير فرصة عمل وتحقيق دخل لمقابلة الاحتياجات المعيشية، فقد انتهى الأمر بالمحالج لأوضاع بائسة، وتوقفت عن العمل بطاقتها المعهودة في تسعينيات القرن الماضي، والكمبو نفسه الذي نذر عمر المئات من العاملين في مساكنه البسيطة المكونة من خليط من الأبنية الثابتة منذ إنشاء المحالج ثم تصدعها وإعادة سترها بجوالات الخيش، اختفت فيه حياة العمل الإنتاجي، وبات مرتعا للعطالة كما يبدو من بعيد، أو يعتمد شبابه على المهن الهامشية، ورغم صغر مساحة وعدد سكان الكمبو إلا أنه يعبر عن الحالة العامة التي انتقلت إليها إحدى أهم المدن العمالية في البلاد، ولا تقبل أن يرتادها ذوو الدخل المحدود، أو توفر فرصاً للعمال كما اشتهرت بذلك، لقد بدت مدينة متوحشة.
(1)
لا اختلاف كبير أيضاً في الداخل، فالبوابة الرئيسة لأحد أكبر محالج القطن في البلاد، مشرعة للقادمين وحتى للحيوانات، وبإمكان الصبية الصغار أن يدلفوا لأعماق المنشآت الضخمة المغلقة.. أبنية من حديد الزنك كان صداها يتردد في المدينة، لكن الآن لم يعد لها ضجيج، ومخازن ضخمة لا يكترث خفراؤها للمارين من أمامها بعد أن فرغت من أي شيء، وفناء واسع يتوفر على كميات خجولة من محصول القطن، حيث كان يملأ المكان إلى آخره ويوفر فرصة عمل حتى للطلاب المحتاجين فيما يطلق عليه وقتها بـ(لقيط الواقع)، وفرص لمن يهشون الأغنام من الدخول لأكل بذرة القطن، لقد بدا المكان الذي كان يضج بالحيوية مهجوراً، ولم يغفر لأحد المحالج تسميته بـ(الإنقاذ) من تدوير ماكيناته وكان هادئاً كأنه مدد للموت.
(2)
كيف تغيرت هذه المدينة التي كانت تعتمد العمالة للمحالج، وكيف يدير سكانها الآن معيشتهم، لا يبدو السؤال ذا أهمية بالنسبة للكثيرين، لكن موجات السيارات القادمة من القرى المجاورة لمدينة الحصاحيصا تنعش حتى محال بيع (مكيفات الهواء) الرائجة والمتمددة يوماً بعد يوم، ويهتم الجانب الرسمي بعملية سفلتة للطرق في السوق وللأرضيات أيضا بأسمنت (السنترلوك)، كأنما يمهِّد فعلياً لطمث المعالم العمالية في مدينتهم، لكن في الحقيقة ورغم ضخامة ما تشاهده من المتاجر، فإن هنالك فئة مسحوقة لا تستطيع ارتياد هذه الأماكن، وتبدو رغم انتقالها وتوسعها في أحياء واسعة نشأت في أعقاب نزول الموظفين للمعاش من عملهم في المحالج، تبدو في حياة شاقة، وسيجيبك أصحاب (الكناتين) الصغيرة عن ملء دفاترهم بالمديونيات، وكذلك أعداد من هاجروا منها بحثاً للعمل داخل وخارج السودان.
(3)
يقنع قادة بالمحالج التقتهم (اليوم التالي) بأوضاع سيئة آلت إليها مهنتهم، ويتكومون داخل مكاتب تقاوم التصدع وتخلو من عمال اليومية والجرورة وصرف الأجور، ويدلل بذلك امتناعهم من الحديث أو الإدلاء بمعلومات حول أوضاع محالجهم، ويرون أن ذلك يخالف الاتفاق على قناة الحديث الرسمية في مدينة (مارنجان)؛ حيث يقع المقر الرئيس لمحالج العاملين بمحالج مشروع الجزيرة، ولا يهتم القادة العماليون أو المهندسون الذين تزين مكاتبهم اللافتات الدالة على صفاتهم الاعتبارية: المدير ونائب المدير، كناية عن استمرار الهيكل رغم توقف العمل، لا يهتمون حتى بحشائش تسد المدخل الرئيس وميزان عبور الشاحنات المحملة بالقطن إذا توفر، لكن رغم ذلك فهم يقولون إن السبب وراء هذا التدهور – كحديث غير رسمي وهم في حل عن مسؤوليته – ضعف زراعة وإنتاجية محصول القطن، ثم لاذوا بالصمت.
(4)
ليس بالإمكان ملاحظة اهتمام حكومي بإعادة تشغيل المحالج، كما أنه من المفيد الآن أن تجتهد الحكومة في استكمال رصف الطرقات للركشات، فقد قدر لي أحد سائقيها أنها تبلغ حوالى خمسة آلاف ركشة، تنقل سكان ما يربو عن العشرين حياً وبأجر عالٍ لا يتناسب مع الأجور التي توفرها العمالة المحدودة، لكن للأسف فإن كل الأحياء داخل مدينة الحصاحيصا لا تتوفر على طرق أسفلتية داخلية، ويستغل المارة في ستة أحياء تقع غرب المدينة طرق ترابية منذ إنشاء مدينة الحصاحيصا بما يؤكد أن الاهتمام الحكومي وسط مساكن المواطنين ضعيف، لكن كل ذلك لا ينفي أن الحكومة لا تكترث لتحول إحدى المدن الإنتاجية والعمالية في البلاد لمسخ مشوه قد لا يقدر على الصمود لحياة مدينية تتطلب أعباء وتكاليف حياتية ضخمة، فالوالي محمد طاهر أيلا أصدر قرارات بإزالة الامتدادات أمام المنازل التي كان يستخدمها المواطنون لتوسعة مساكنهم الضيقة، ولا يعرف الكثيرون رؤيته وراء هذه الخطوة، لكن مما يبدو فقد التزم الجميع بإزالتها، ويتحدث المواطنون عن زيارة للوالي لمقار حكومية والسوق العمومي، لكنه لم يصل للمحالج مصدر الإلهام والدخل لمدينة الحصاحيصا.
(5)
بإمكانكم التحسر أكثر على صافرات القطار الذي تشق فلنكاته طول وعرض مدينة الحصاحيصا، فمن النادر أن استمع السكان في المدينة لها ومنذ زمن بعيد، وباتت اللافتات التي ترسم مسار سكته الحديدية، مجرد قوائم منتصبة تؤرخ لفترات زمنية سابقة، وقد ينتهي بها الحال للإزالة، وتستعين هيئة السكة حديد باستئجار محال تجارية قامت ببنائها على أنقاض منازل عمال بالقرب من السوق، بعد أن انتهى بها الحال كناقل وطني هام كان يمثل مورداً للآلاف من العمال، وزالت المهابة التي تتمتع بها الهيئة لدرجة أنها تستخدم أراضيها التاريخية لهذا الضرب من التجارة.. فكروا قليلاً أن تزوروا الحصاحيصا قبل أن تموت فيها روح العمال، وأعيدوا سقاية بذرتها الأولى لتنبت من جديد، فسعة صدرها تضيق بأي نشاط أعلى من ضجيج المحالج.

يمكنك ايضا قراءة الخبر في المصدر من جريدة اليوم التالي

عن مصدر الخبر

صحيفة اليوم التالي

صحيفة اليوم التالي

أضف تعليقـك