السودان الان السودان عاجل

مزمل أبو القاسم يكتب في سيرة الحريق..!!

الراكوبة نيوز
مصدر الخبر / الراكوبة نيوز

مثلما اندلع الحريق ليقضي على الأخضر واليابس، ويبيد البضائع والنقود المكنوزة في الخزائن، بجنيهها التعبان، ودولارها (التغيان) في سوق أم درمان، فإن اندلاع حرائق مماثلة في بقية أسواق العاصمة يظل مسألة وقت ليس إلا.
ذات الظروف المساعدة على التهاب النيران وتمددها موجودة في سوق ليبيا، وسوق صابرين بأم درمان، وسوق سعد قشرة والسوق الكبير في الخرطوم بحري، والسوقين المحلي والمركزي بالخرطوم.

كلها بالغة العشوائية، سيئة التخطيط، بزقاقات ملتوية، وشوارع ضيقة تعوق حركة سيارات الإطفاء، وغياب تام لحنفيات الضغط العالي المُخصصة لإعادة تعبئة سيارات المطافئ بالمياه، ومتاجر مُشيَّدة بمواد قابلة للالتهاب، واحتجاب كُلي لأنظمة إطفاء الحرائق داخل المتاجر.

ذات الكارثة مرشحة للحدوث في كل أسواق العاصمة، لأنها لا تستند إلى أي بنيات أساسية تعين قوات الدفاع المدني على إطفاء الحرائق بالسرعة اللازمة.

شوارع السوق العربي مثلاً لا تحوي مواسير مخصصة لتعبئة سيارات الإطفاء بالمياه، والحديث نفسه ينطبق على كل أرجاء عاصمةٍ عريقةٍ، عرفت تلك الثقافة منذ أيام الإنجليز.

تابعت ذات مرة حريقاً كبيراً شب في حديقة مهملة بشارع النيل، بالقرب من وزارة التربية وجامعة الخرطوم، حيث اندلعت فيها النيران ليلاً، وتعالت ألسنة اللهب مستفيدةً من أكوام النفايات الموجودة بالمكان، وكانت استجابة قوات الدفاع المدني بطيئةً، لكن المفارقة حدثت بعد فراغ حمولة سيارتي الإطفاء من المياه، لأن السائقين اضطرا للتوجه إلى محطة بري الحرارية لإعادة التزود، بسبب عدم وجود مواسير للحريق في شارع النيل (المؤدي للقصر الرئاسي)، وعندما عادت السيارتان بعد زهاء الساعة وجدتا الحريق أشد التهاباً مما تركتاه.

صحيح أن رجال الإطفاء بذلوا كل ما في وسعهم لمحاصرة حريق سوق أم درمان، وصحيح أنهم واجهوا النيران بشجاعةٍ معهودةٍ فيهم، وأفلحوا في حصر الخسائر في (262) متجراً وخمسين طبلية ومئات المليارات من الجنيهات، وبضعة ملايين من الدولارات، لكن ذلك لا يعني أن المحصلة كانت مقبولة، لأن المعينات المتاحة لشرطة الدفاع المدني لا تساعدها على مواجهة الحرائق بالكفاءة اللازمة.

في بلادنا الزاخرة بالعجائب والغرائب تم تحويل رجال الإطفاء من (حُماة) إلى (جُباة)، يعملون على جمع الرسوم في الأسواق والمؤسسات الخاصة، نظير تفتيشٍ صوريٍ للمتاجر والبنايات التي تحوي أنشطةً تجارية، حيث تجري مفاصلة بالغة الغرابة، لتحديد الرسوم المستحقة نظير تفتيشٍ لا يمنع حريقاً، ولا يوفر اشتراطاتٍ تكفي لمواجهة الكوارث الموجبة لتدخل الدفاع المدني.

ضباط وجنود بالزي الرسمي لشرطة الدفاع المدني، يحملون أجهزة الدفع الإلكتروني، ويجولون بها في الأسواق لجباية الأموال، بمشاهد مهينة للشرطة، تحط من قدرها، وتتغول على دورها المقدر، وتثير حفيظة الناس عليها.

بفعل عقلية الجباية المهيمنة على مستوى الحكم المحلي في بلادنا، انصرف رجال الحماية إلى الجباية، وحل الاهتمام بجمع الأموال مكان العناية بتوفير معينات العمل، وتطبيق الضوابط اللازمة لمنع اندلاع الحرائق وسرعة إطفائها، وكانت المحصلة حريقاً موجعاً، انتهى بالحديث عن إغلاق سوق أم درمان، ومقترحاتٍ تقضي بإعادة تخطيطه، لمنع تكرار المصيبة.

تلك الخلاصة ينبغي أن تُعمَّم على كل أسواق العاصمة، وتنتقل منها لأسواق الولايات، مع صرف رجال الإطفاء لمهمتهم الأساسية، وعدم شغلهم عنها بالجباية، وتوفير معينات العمل لهم، وأولها نشر مواسير الحريق في كل الشوارع، وحبذا لو تم تعميمها في الأحياء.

كل الدول تتحسب للمصائب قبل حدوثها، وتحرص على تدريب رجال الدفاع المدني على مواجهتها بتمثيلها، وتوفير المعينات اللازمة لتقليص الخسائر إلى الحد الأدنى، إلا نحن، لا نفكر ولا نتحرك إلا بعد أن تقع الفأس في الرأس، وتحل بِنَا الكوارث، فننصرف عن معالجة مسبباتها إلى التبرير والتلاوم، قبل أن نعاود الغفلة، وتتجدد الكارثة كل حين.

اليوم التالي

اقرا الخبر ايضا من المصدر من هنا عبر صحيفة الراكوبة نيوز

عن مصدر الخبر

الراكوبة نيوز

الراكوبة نيوز

أضف تعليقـك