منوعات

أحد السجناء الناجين من قبضة (عشماوي) يحكي قصته لـ(كوكتيل) كُنت لا أفرِّق بين الليل والنهار.. وهذا (…) ما فعلته عندما علمت بخبر العفو عني!!

صحيفة السوداني
مصدر الخبر / صحيفة السوداني

(كوكتيل) جلست مع الشاب إسماعيل عبد الله بعد العفو عنه، حيث كان متهماً في جريمة قتل مع آخرين، وسرد من خلاله تفاصيل تلك اللحظات العصيبة التي عاشها داخل السجن قبل العفو عنهم جميعاً.. فلنتابع ما جاء على لسانه:-
ما هي قصة وصولك للسجن أولاً؟
ابتدر حديثه مُعرِّفاً نفسه قائلاً: (أنا اسمي إسماعيل عبد الله محمد أحمد، كُنت أعمل في مجال كمائن الطوب وأقوم بتوزيعه في مناطق مُختلفة، وكنت أعيش حياة مستقرة عامرة بالمحَبّة والأمن، ولم أكن أدري أن الأقدار كان تُخطِّط لي أمراً جللاً لا يستوعبه الكثيرون، ولكن قدر الله وما شاء فعل)، موضحاً: (ليس لي صلة بالمشكلة لا من بعيد أو قريب ولا أعرف لها “رأس أو قعر”، وذلك عندما احتدت مجموعة من أهلنا مع قبيلة أخرى في موضوع أراضٍ، وكانت النتيجة قتل فرد منهم، فتم القبض علينا مجموعة من الأشخاص وتم إيداعنا السجن الذي قضينا فيه ست سنوات، قبل أن يتنازل أولياء الدم ويتم العفو عنا ونحن في النهاية أهل وبيننا صلة رحم وكتلة واحدة حتى شقيقاتي متزوجات منهم ويعيشون في سلام).
ماذا عن فترة السجن؟
تَمّ وضعنا في سجن كوبر قبل نقلنا إلى سجن بورتسودان ومنها تم تحويلنا إلى سجن الهدي الذي قضينا فيه الفترة الأخيرة التي تُعتبر بمثابة النهاية المُقرّبة من الموت وهي لحظات يَصعب وصفها قبل الإفراج عنا.
هل كوّنت صداقات داخل سجن الهدى؟
نعم.. صداقات عديدة مع أشخاصٍ من مُختلف قبائل السودان وأصبحنا أكثر من أهل نتقاسم الهُمُوم والأوجاع، وكنا نعلم بأننا سنُفارق الحياة، فقط تختلف المدة بيننا، هُناك من سيتم إعدامه بعد أسبوع وآخر بعد يومين وهكذا.
 كيف كان شُعُوركم عندما يُعدم أحدهم؟
شُعُورٌ صَعبٌ جداً لا يُوصف وكنا نحزن جداً عندما يتم تنفيذ حكم الإعدام على أحد الأصدقاء، وأذكر أنّني تعرّفت داخل السجن على شابٍ اسمه فرح كان موجوداً من قبلنا وتوطّدت معرفتي به، وكان يحكي لي عن مشاكله وهُمُومه، وعندما تم تنفيذ حكم الإعدام عليه تألّمت وحزنت كثيراً عليه وتمنيت الموت ألف مرة، لكن ليس باليد حيلة.
ماذا تعلّمت داخل السجن؟
عندما دخل السجن، تعلّمت القراءة والكتابة والحمد لله حفظت القرآن الكريم، بجانب أنّني اكتشفت موهبة الغناء بداخلي فأصبحت فناناً ماهراً داخل السجن، وقبل كل ذلك السجن إصلاحٌ وتهذيبٌ بالأخص سجن الهدى، الذي توفّرت فيه كل سُبُل التعليم، إذا أردت أن تتعلّّم القرآن الكريم أو اللغة العربية أو الإنجليزية أو أيِّ علم آخر، وكانت بداية التعليم بسجن بورتسودان وعندما انتقلنا الى سجن الهدى وجدنا كل المُعينات التي توفّرت لنا لاكتساب العلم.
صف لنا شُعُورك عندما تم إعلانكم بتنفيذ الحكم؟
حزنت جداً لأنني سأفارق أبنائي وأهلي والحياة كلها، خاصةً أنّه لديّ ثلاث زوجات و17 طفلاً من البنين والبنات، لذلك كُنت مهموماً بمن سيتولى أمر تربيتهم، وإنّهم جميعاً صغار لكنهم نَاجحون والدليل على ذلك طوال فترة وجودي في السجن حفظ ابني الأصغر القرآن الكريم.
هل كُنت تتوقّع أن يتم الإفراج عنك؟
لم أكن مُتوقّعاً، إلا أنّ ذلك اليوم تم إبلاغنا بأنّ تنفيذ الحكم سيكون في اليوم الفلاني، وإن كان هناك من وصايا لأهلنا أن نكون جَاهزين لها لإبلاغها لهم، لكن منذ أن تَمّ تحديد تنفيذ الحُكم لم أستطع أن أواصل في قراءة القرآن الكريم، وكنت في قمة توتري لا أفرِّق بين الصباح والمساء وكانت معنوياتي ونفسياتي متدهورة جداً، إلا أنه في تلك الليلة التي تمّ فيها تحديد التنفيذ وبعد التمام عادةً يتم إغلاق أبواب السجن الساعة الخامسة وفتح أبوابه وإغلاقها يتم بواسطة لجنة، إلا أنّه بعد كل تلك الإجراءات والهُدوء يسود المكان سمعت صوت أحد العساكر وهو ينادي عليّ بصوت عالٍ قائلاً: (ود الضعين تعال)، وقتها شعرت بمغصٍ شديدٍ وتنميلٍ في أقدامي وَخَارت قُواي، وكُنت أعتقد أنّه حان أوان تنفيذ الإعدام، وكنت أجرجر أقدامي وأحسست بأنّني أتهاوى ما بين السماء والأرض، وعندما وصلت الجِهَة المقصودة أخبروني بأنّه تمّ العفو عني وعن رفاقي وكان الأمر بمثابة مُفاجأة لي لم أصدِّقها إلاّ بعد خروجي إلى الشارع العام بسلامٍ، لأنّني كُنت (ميت ميت) لولا لطف الله تعالى وسماحة أهلنا التنجر الذين عفوا عنا.
ما هو إحساس من تعرّفت عليهم في السجن؟
والله كانوا يبكون بدموع الندم ويتمنّون لو يدفعون مال الدنيا مقابل حريتهم.
بعد خُرُوجك وتنسمك للحرية.. ماذا عن رفاقك الذين تعرّفت عليهم في السجن؟
فرحوا كثيراً لخُرُوجنا رغم أوجاعهم وحُزنهم، لكنني حَزينٌ حتى الآن عليهم وضميري غير مرتاحٍ، وتمنيت أن يتم العفو عنهم أيضاً كما حدث لنا.
رسالة أخيرة؟
مَن في الخارج لا يحسون بطعم الحُرية إلا بعد أن يفقدوها، وأدعو الله تعالى أن يَحفظنا من كُل شر وأن نعيش مُسالمين مُتسامحين، وعلينا أن نعلم بأنّ أخذ الحق لا يكون بالقوة، بل عن طريق القانون.

يمكنك ايضا قراءة الخبر في المصدر من موقع صحيفة السوداني

عن مصدر الخبر

صحيفة السوداني

صحيفة السوداني

أضف تعليقـك