السودان الان

دراسة الطب.. تضخُّم الكليات وضمور المعينات

السودان اليوم
مصدر الخبر / السودان اليوم

السودان اليوم:

رغم السمعة الطيبة التي تحظى بها الكوادر الطبية السودانية، إلا أن الفترة الأخيرة شهدت اهتزاز ثقة المرضى الذين يؤكد بعضهم أن الطبيب السوداني لم يعد ينهل من معين جامعات كتلك التي كانت موجودة قبل ثورة التعليم العالي التي يؤكدون أنها حولت دراسة الطب إلى سلعة يدرسها من يملك المال الوفير، وأن هذا ألقى بظلاله السالبة على أداء الأطباء حيث الشكاوى من قلة أساتذه الطب ونقص المعدات، وعدم وجود المعينات بوفرة، هذا ما جعل الآخرين يقولون إن هناك تدنياً في التعليم الطبي في السودان..

(الصيحة) ارتدت البالطو الأبيض، والتقت بخبراء في هذا المجال، بغية تشريح واقع التعليم الطبي بالبلاد، وتساءلت عن معوقات التعليم وانعكاستها على الطبيب؟ وهل ما يدرس يستحق المبالغ المالية الطائلة التي تدفع سنوياً؟ ..

حملنا هذه التساؤلات وغيرها، وقمنا باستطلاع الطلاب في مختلف الجامعات، كما التقينا عدداً من الخبراء والأكاديميين في المجال، فماذا قالوا؟

تكاليف باهظة

“التعليم الطبي مكلف جداً”، هذا ما قالته الطالبة سمر سعيد التي تدرس بجامعة النيلين كلية الطب، حيث ذكرت أن من أهم المعوقات التي تواجه التعليم الطبي أنه مكلف في حد ذاته، فهو يحتاج لتوفر الأساتذة والمعدات، وتعتبر سرعة تطور العلاج من العوامل التي تؤثر سلباً على عملية التعليم الطبي لعدم المقدره على مجاراة التطور. سألناها عن المشاكل الأساسية التي أدت إلى تدني التعليم الطبي بالبلاد؟ فأجابت سمر: إن التوسع في كليات الطب الجديدة رغم حاجة البلاد لها، انعكس سلباً على التعليم، وبعضها يفتقر للمقومات الدراسية الأساسية، ورأت ضرورة مراجعة جهات الاختصاص لهذه الكليات والجامعات المتخصصة والوقوف على عملية التدريب ومحاولة تخفيض الرسوم الدراسية.

سياسة ناجحة.. ولكن

سياسة التعليم العالي تعتبر ناجحة بكل المقاييس، ولكن تكمن العلة في التطبيق، هذا ما جاء في حديث الطالبة ريان الطاهر ـ طب الأحفاد، وتواصل حديثها قائلة إن المعوقات التي تواجه التعليم الطبي كثيرة، منها قلة الإمكانيات، وغلاء الكتب والمراجع وازدحام المستشفيات بالطلاب، فنهاك تدنٍّ في الإمكانيات وليس في التعليم، الأمر الذي أدى إلى تفريخ الجامعات أطباء بلا علم ومعرفة، تسببوا في ارتكاب الكثير من الأخطاء الطبية، الأمر الذي أفقد المريض السوداني ثقته في الطبيب المحلي، حتى لو امتدت خبرته عشر سنوات.

واتفقت مع المطالبة السابقة التي ذكرتها الطالبة سمر المتعلقة بتخفيض الرسوم والعمل على التدريب الجيد للطالب .

سلبيات الكليات الخاصة

ويرى الطالب محمد أحمد ـ طب الفاشر، أن السماح بفتح كليات طب خاصة يتيح الفرصة للطلاب غير المؤهلين، أي الأقل أكاديمياً لدراسة الطب ، وبالطبع هناك أثر مباشر جراء ذلك يتمثل في تدني التعليم الطبي من جهة، وتقليل كفاءة الكادر الطبي مستقبلاً، من جهة أخرى، لأن دراسة الطب تعتمد على وضع الطالب المادي وليس على مدى عقلية المعلمين، ومثل هؤلاء الطلبة خاوِي الأذهان يملأون فناءات الكليات والجامعات الطبية، والذين تم قبولهم بنسبة ضعيفة في الشهادة السودانية، لياتوا في نهاية الأمر ليضعوا أرجلهم داخل المستشفيات ويضيعون أرواح العباد، مشيرة أن التعليم الطبي يفتقر إلى الكثير، ويحتاج إلى خبراء ورحلات علمية عالمية وزيارة الجامعات الأخرى لتبادل الخبرات والمهارات بين الطلاب.

خلل أساسي

أمين عبد الله ـ رابطة طب الخرطوم ـ يقول: قديماً شهدت المحافل الطبية للطبيب السوداني بالكفاءة والمقدرة بمجرد أنك خريج كلية طب سودانية، ولكن الآن في ظل التوسع في عدد الكليات الطبية، أصبح من الصعب تحديد مواقع الخلل، فمعظمها يعاني من إشكالات أساسية، مما يؤكد عدم التخطيط الدقيق من قبل وزارة التعليم العالي، وهذا هو العامل الأساسي في تدني التعليم الطبي بالبلاد.

وتفيد منى أحمد ـ طالبة بكلية الطب جامعة العلوم والتقانة، أن المعوقات التي تواجه التعليم الطبي عديدة، أولها يمكن أن نحصره في هجرة الأساتذة والأطباء الأكفاء إلى الخارج، وعدم وجود الخبرة الكافية في التعليم الطبي، فهناك مشاكل أخرى تكمن في المشرحة وأخصائي التشريح، وكذلك عدم وفرة المعامل والمكتبات، هذا بالنسبة للكليات غير الخاصة، فهي ليست مزودة بجميع المعدات اللازمة، الأمر الذي أدى إلى تدني مستوى التعليم.

أزمات متعددة

وتواصل منى قائلة: (وفيما يختص بسياسة التعليم العالي، أستطيع أن أقولها بصريح العبارة إنها أثرت علينا نحن كطلاب شهادة عربية وذلك بتعديل النسبة، وأعتقد أن آثارها السالبة متعددة)، وأضافت: أغلب المنتمين للكليات الخاصة يؤدون دورهم بصورة جيدة مقارنة بزملائهم في الكليات الحكومية، فهي ترى أن التدني لا علاقة له بالقبول الخاص، فهي مسأله ناتجة من سياسة التعليم الطبي، خاصة على الكليات في الأقاليم التي تنقصها أهم المقومات من أساتذة ومعامل، كذلك الكتب الطبية الكافية، وعدم توفر المستشفيات، وتناشد الدولة أن تهتم بكليات الطب في الولايات، كما أن الظروف الاقتصادية الراهنة ساعدت على تدني التعليم الطبي، لعدم توفر الموارد المالية التي يحتاجها طالب الطب الذي يعاني أزمات متعددة لا يعلم بها سوى رب العباد.

الكثافة الطلابية

الطالب منير ـ ثالثة طب الخرطوم، يقول: هناك أخطار تهدد مستقبل التعليم الطبي بالبلاد، أولها كثافة الطلاب المستوعبين في كليات ما يسمى بالقبول الخاص، فلا يعقل أن ينتسب الطالب إلى كليه الطب بمعدل 90% مع آخر بنسبة 79%، ومن وجهة نظره كطالب في جامعة الخرطوم أن هذا هدماً للتعليم الطبي، فهؤلاء ليسوا مؤهلين بكل المقاييس سوى أنهم قادرون على دفع الأموال الطائلة من أجل الدراسة، في كليات الطب المختلفة، كما أن عدد المستشفيات لا يمكن أن يتناسب مع هذا الكم الهائل من الطلاب، وهناك مشكلة أخرى وهي مشكلة الأستاذ الزائر، فهي كارثة الطب، وتحتاج إلى معالجات نسبة لشكوى عدد من الطلاب بالجامعات الأخرى من هذا النوع من الأساتذة ودوره في (جهجهتهم ) حسب وصفه.

الكم وليس الكيف

طالبة بجامعة الرازي لطب الأسنان ـ رفضت ذكر اسمها، قالت: أسهمت سياسة التعليم العالي في زيادة المعوقات، لأنها سياسة فاشلة تعتمد على الكم لا الكيف، وفيما يختص بمشكلة القبول الخاص، فقد جاء لحل مشكلة تدني المرتبات بالنسبة للدكاترة، ومساعدي التدريس ولتهيئة الجو الدراسي للطالب، ولكن في الواقع كل المصاريف التي تدفع لا يدري أحد أين تذهب، فدراسة الطب أصبحت مثل الأسواق يدخلها كل من (هب ودب) وبمختلف المستويات، والمال وحده يحسم القضية.

تبعاً لذلك يرى الطالب عمار محمود ـ طب الأزهري أن القبول الخاص أثر على المستوى الإجمالي للطالب، ويقول: السبب المباشر الذي أدى إلى التدني بالنسبة للتدريس الاعتماد على الكليات الخاصة والتي برغم عدديتها تظل جامعة الخرطوم هي الأولى برغم ما تعانيه من قصور وإشكاليات.

ضعف في الاستيعاب

ويواصل: أما الشهادة العربية، فهي تمتاز بإمكانياتها العالية، إلا أن هناك فرقاً في المستوى الأكاديمي للطالب المنتمي لهذه الكليات ، مما يؤثر سلبا على مهنة الطب بالبلاد مستقبلاً، وهذا يؤثر كذلك على المستوى الإجمالي للطلاب المستوعبين، لأنه حدّ من عدد المقاعد التي يمكن أن تضاف للقبول العام، وقد أثرت عملية الأستاذ الزائر سلباً لعدم استقراره وإمكانية حضوره، مما يؤثر على نفسية الطالب، لذا لا يتم الاستيعاب بالمستوى المطلوب، ويشير إلى عدد كبير من خريجي كليات الطب لا يجدون فرصاً للعمل بالمستشفيات عامة لقلة التدريب، وضيق الفرص الأمر الذي يستدعي وضع حلول ناجعة لإنقاذ الطب وإعادة سيرته الأولى.

نزوح الكوادر المدربة

أما بروفيسور الريح سليمان أستاذ الطب الباطني، يرى أن التوسع في التعليم الطبي مطلوب لمواجهة النقص الحاد في عدد الأطباء بالبلاد، ويضيف: بالنسبة للتوسع المرتقب في الخدمات الطبية خصوصاً، وهجرة الأطباء ما زالت تشكل خصماص على الكوادر الطبية المدربة، لذلك ينبغي توفر الإمكانيات المادية والبشرية لإنشاء الكليات الجديدة، ولعل من أهم أسباب القصور كما يرى شح الكوادر البشرية المؤهلة للتدريس، ومعظم الكليات التي أنشئت وأكملت استعداداتها بل تفوقت في ذلك على الكليات القديمة، ولكن توفرالأساتذة الدائمين ما زال المشكلة، إذ أن بعض هذه الكليات يعتمد على الأستاذ الزائر.

مشكلة نظم إدراية

ويواصل بروف الريح لـ(الصيحة) حديثه: إن مسألة القصور لا تكمن في الأطباء بالنسبة للمستشفيات، بل تكمن في النظم الإدارية في المستشفيات نفسها، وتوفر بيئة العمل والحالة المادية للأطباء ومعاناتهم في السكن والمواصلات، فهو خلل إداري وليس قصوراً من جانب الأطباء، إذ كان ينبغي التنسيق بين كل الجهات المعنية بهذا الأمر (وزارات التعليم العالي ـ الصحة ـ المالية)، حتى لا تكون هناك عطالة وسط الأطباء في بلد يفتقر افتقاراً شديدًا إليهم.

حجم الكليات الطبية

بعدها التقينا بالبروفيسور محمد زين العابدين استشاري الطب الباطني والغدد الصماء (السكري) فقال: إن عدد كليات الطب بالبلاد يبلغ (65) كلية طب وطب أسنان، متفرقة بين العاصمة والأقاليم، (27) منها حكومية و(38) خاصة، ويُبنى نظام التدريس في بعضها على أساس النظام البريطاني، فعندما تكونت كلية الطب بجامعة الخرطوم كانت تعرف آنذاك بمدرسة كتشنر الطبية، إذ كانت تتبع لجامعة لندن، وكانت الدراسة فيها أربع سنوات، وارتفعت إلى خمس سنوات، ومنها إلى ست سنوات.

ويضيف أن إنشاء كلية طب في مكان ما يجب أن تتوفر فيه خدمات طبية على مستوى تدريب طلاب الطب، أي أن تكون الخدمات الطبية التي تقدم للمواطنين على مستوى تدريب الطلاب.

الهدف من الكليات

ويوضح بروف زين العابدين: الهدف من زيادة كليات الطب لا يكمن في زيادة عدد الأطباء لأن عدد الأطباء المطلوب في السودان كان من الممكن أن يتخرج الطلاب من كليتين فقط، ولكن الهدف من الإنشاء هو تطوير الخدمات الطبية في المناطق التي تنشأ فيها الكليات، لكي تقدم أفضل الخدمات، ويعتقد أن المشكلة في الأطباء أنفسهم الذين يفتقرون للإشراف الجيد، والذي كان في يوم من الأيام تقوم به لجنة مكونة من وزارة الصحة وجامعة الخرطوم، كما يؤكد أن تدريبهم يجب أن يكون مسؤولية مشتركة بين الجامعة التي تخرج الطالب ووزارة الصحة، بالتالي على أي كلية تدريب أطباء الامتياز في مستشفياتها التابعة لها بالتعاون مع وزارة الصحة.

قرار والي الخرطوم

وتماشياً مع حديث زين العابدين الأخير، سبق وأن أصدر والي الخرطوم الفريق أول مهندس عبد الرحيم محمد حسين قراراً لتشكيل لجنة لمراجعة عقود وزارة الصحة بالولاية مع بعض الجامعات لإدارة المستشفيات بغرض تدريب طلاب كليات الطب فيها، وفقاص لنص المادة 47 (أ) من دستور الولاية الانتقالي لسنة 2006م، حيث حدد القرار مراجعة جامعة العلوم الطبية والتكنولوجيا، وتحديد مدى استفادة الوزارة والمرضى من الشراكات مع الجامعات الخاصة للقضاء على قضية التدريب .

الفوارق الطبقية

فيما تخوفت مصادر طبية ـفضلت حجب اسمها ـ من أن يكون التعليم الطبي حكراً على الأغنياء، وأفادوا أن الكليات الخاصة تلعب دورًا رائداً في المجال، ولكنهم طالبوا بوجوب وضع ضوابط صارمة لأسس القبول، فلا يعقل أن يكون هناك قبول للطالب في كلية حكومية بنسبة تفوق الـ “80%” ويسمح لأخر حصل على ” 50% ” بدراسة الطب بحجة أنه يستطيع دفع المصاريف الخاصة بالدولار، وذلك ستكون له انعكاسات ، دعوا إلى مراعاة الفوارق الطبقية والدرجات العلمية في التعليم، وأبدوا أملهم في أن تطبق سياسة القبول التنافسي على الكليات العامة والخاصة حتى لو خفضت الأعداد التي تنطبق عليها اللائحة.

ختاماً

تظل قضية التعليم الطبي في ظل تعدد الكليات والجامعات من المشاكل التي تواجه الطب بالبلاد، وهذا ما خرجت به جولتنا الاستطلاعية، وقد اتفق الجميع على ضرورة الاهتمام بالتدريب وإتاحة فرص أوسع للعمل بالمستشفيات وتوفير المعينات الدراسية التي تخرج طلاباً أكفاء يساهمون في التقليل من الأخطاء الطبية المنتشرة داخل المستشفيات، مع مراعاة الدرجات العلمية عند القبول بالجامعات التي باتت تخرج الكم بدلاً عن الكيف..

يمكنك ايضا قراءة الخبر في المصدر من موقع السودان اليوم

عن مصدر الخبر

السودان اليوم

السودان اليوم

أضف تعليقـك