السودان الان

(تشابك الخطوط) تستقبل الخرطوم مكالمة أمريكية تعلن استئناف الحوار في فبراير في وقت تغلق فيه سماعة هاتفها مع دولة الجنوب وتصعد لهجة حديثها مع أرتريا فيما تضع رسالتها لمصر في بريد مجلس الأمن الدولي، وتضع رسالة التعاون في صندوق إثيوبيا

صحيفة اليوم التالي
مصدر الخبر / صحيفة اليوم التالي

الخرطوم – الزين عثمان
يكشف وزير الخارجية السوداني إبراهيم غندور عن تلقيه مكالمة هاتفية من نائب وزير الخارجية الأمريكي جون سيلفان تنتهي المكالمة بخروج الوزير السوداني لوسائل الإعلام مؤكداً على استئناف الحوار السوداني الأمريكي في فبراير القادم وهو الحوار الذي يعنى بشكل رئيس بسعي الخرطوم من أجل رفع إسمها من قائمة الدول الراعية للإرهاب عقب خروجها من قائمة الدول المفروضة عليها عقوبات اقتصادية في أكتوبر الماضي.
الخرطوم التي فتحت هاتفها في انتظار الصوت الأمريكي في فبراير لم تنس أن تعلق سماعات هاتفها أمام أصوات أخرى في ذات اليوم الذي تعلن فيه اتفاقها مع واشنطن على استئناف الحوار، إذ تؤكد عدم مغادرة وفدها الخاص باللجنة الأمنية والسياسية للتفاوض مع دولة الجنوب وتأجيل الاجتماعات إلى أجل غير مسمى، وذلك لعدم تلقي الخرطوم إخطاراً من جوبا يخبرها بانعقاد الاجتماعات في وقتها وهو ما ردته بشكل رئيس لعدم استقرار الأوضاع بدولة الجنوب.
ما بين الرد على الهاتف الأمريكي وتجاوز اجتماعات جوبا يظل السؤال الرئيس هو ذلك المتعلق بما هي اتجاهات العلاقات الخارجية للخرطوم مستقبلا؟
التصعيد شرقاً
كان قراراً مفاجئاً ذلك الذي ارتبط بإغلاق الخرطوم حدودها مع أرتريا بل إن الأمر مضى إلى أكثر من ذلك حين أعلن والي ولاية كسلا آدم جماع التعبئة والاستنفار وهو ما يؤكد على أن ثمة خطبا يحدث هناك، وأن ما يجري يظل مهددا يثير القلاقل في المنطقة.
يلاحظ ما يجري في الشرق، من خلال الحديث عن وجود حشود عسكرية مصرية في أرتريا وهو ما يتلاءم مع معلومات متداولة إعلاميا بكثافة مؤخرا تتعلق برغبة مصرية في إلحاق الضرر بالسودان من أجل التأثير في دوره بالتحالف مع إثيوبيا في ما يتعلق بالموقف من سد النهضة.
ويتواصل التصعيد حين تنقل وسائل إعلام مصرية وجود الرئيس الأرتري أسياس افورقي في القاهرة من أجل عقد مباحثات مع الرئيس المصري السيسي، وهي الزيارة التي تزيد من تأكيد احتمال وجود تحالف مصري أرتري بهدف الإضرار بالسودان، فيما تشير تقارير إعلامية إلى أن الحلف المصري الأرتيري مدعوم من قبل جهات خليجية، مما يجعل من الخطوات التي ينتهجها السودان في هذا الصدد أمرا مقبولا وفي إطار رد الفعل، رغم أن بعض التقارير ربطت بين ما يحدث في الشرق وبين السياسات الداخلية الخاصة بجمع السلاح ومواجهة تهريب السلع لمقابلة التدهور الاقتصادي الداخلي.
التوتر مع مصر
في ما يتعلق بالعلاقات السودانية المصرية فإن التباينات تبدو في قمتها ولا جديد في القضايا المختلف حولها، إذ أن آخر خطاب سوداني إلى مصر كان هو ذلك المتعلق بتجديد الشكوي إلى مجلس الأمن في ما يتعلق بالاحتلال المصري للأراضي السودانية وهو الحدث الذي مثل امتداداً لحدث الأسبوع الماضي حين رفعت الخارجية السودانية هاتفها مستدعية سفيرها بالقاهرة من أجل التشاور وهي الخطوة التي تم تفسيرها في إطار حالة من عدم الرضاء عن السياسات المصرية في ما يتعلق بالسودان ولعل أبرزها ما سربته وسائل إعلام إثيوبية عن مطالب مصرية بإبعاد السودان من ملف التفاوض في سد النهضة، ورغم أن مصر نفت هذا الأمر قبل أن تنطلق بعض وسائل إعلامها في حملة ضد السودان عقبها حاولت الحكومة المصرية تهدئة الخواطر في ما يتعلق بملف السودان وغيرت من لهجة الهجوم الإعلامي لكن هذا لم يغير من واقع الأمر شيئاً وبدا ماثلاً أن ثمة طريقا جديدا رصفته السلطات السودانية في ما يتعلق بالتواصل مع مصر هو طريق المصالح المعبد بحق السودان الكامل في الحفاظ على سيادة أرضه ومواقفه حتى ولو اضطره الأمر لإعلان إغلاق الحدود مع جارة الشمال بحسب ما يتم تداوله على نطاق واسع ويقرؤه البعض من خلال ظهور رئيس الجمهورية وهو يتوشح باللباس العسكري.
الاتجاه نحو إثيوبيا
وفي قمة المناوشات بين السودان ومصر من جانب ومع أرتريا في الجانب الآخر تنقل الأنباء اجتماعا لرئيس هيئة الأركان المشتركة الفريق عماد عدوي وهو يلتقي رئيس الوزراء الإثيوبي، حيث أطلع رئيس الأركان السوداني ديسالين على مستجدات الوضع الحدودي في السودان، وعلى نتائج الزيارات التي قام بها مسؤولون عسكريون من دول عدة بالمنطقة للخرطوم في الأيام الماضية. وجاءت زيارة عدوي بعد يومين فقط من إعلان بلاده إغلاق حدودها مع أرتريا وهو ما يؤكد على عمق العلاقات السودانية الإثيوبية.
قال عدوي عقب لقائه مع رئيس الوزراء الإثيوبي، إن هناك كثيرا من التحديات التي تواجه إثيوبيا والسودان، لذلك يعمل البلدان على حلها بتوسيع نطاق التعاون والتفاهم بينهما، باعتبار أن ما يضر السودان سيضر إثيوبيا وهو ما يؤكد على أن إثيوبيا تبدو الحليف السوداني الأبرز في الإقليم وهو ما تعززه المواقف الموحدة في ما يتعلق بملف سد النهضة وهو ما بدا في رفض إثيوبيا للطلب المصري بضرورة إبعاد السودان من ملف التفاوض حوله وتمسكها بوجوده.
المؤكد هنا هو أن الحكومة السودانية تمضي في ذات طريق التعاون في ما يتعلق بجارتها في الشرق وربما حليفتها في حال حدوث مواجهة.
مصالح وليست أحلافاً
كانت زيارة الرئيس التركي طيب رجب أوردوغان للسودان مدخلا لملاحظة تبديل في مواقف السودان، وبالطبع تحالفاته، وان الخرطوم تحن لتحالفها القديم مع إيران لكن وزير الخارجية إبراهيم غندور خرج ليبدد المخاوف ويؤكد على أن تواصلهم مع تركيا وغيرها من الدول هو تواصل يستهدف المصالح وليس تحالفات عسكرية وهو ذات الأمر الذي ينطبق على التقارب السوداني الروسي رغم أن عدداً من الدول في المنطقة حاولت تصوير ما جرى من استثمارات في جزيرة (سواكن) على أنه تمهيد لإقامة قواعد عسكرية تركية وأن هاتف التواصل المرفوع الآن هدفه الرئيس تحقيق المصالح السودانية وتبادل المنافع بما يحقق تطلعات الشعب السوداني في الحياة الكريمة. ولعل ما يؤكد علي هذا الأمر هو تمسك الحكومة السودانية بمشاركة قواتها المسلحة في معركة إعادة الشرعية في اليمن مما يعزز من عدم رغبتها في التحول وتمسكها بالوجود في سياقات التواصل الإقليمي مع مكونات الخليج.
سيناريو متوقع
بالنسبة للخرطوم فإن ما تطلبه الآن هو صياغة علاقاتها مع الجميع وفقاً لما يحقق مصلحة السودان بشكل عام ففي الوقت الذي تعلن فيه العودة لطاولة المفاوضات مع الولايات المتحدة الأمريكية في فبراير تعيد رسم خارطة تواصلها مع الاتحاد الأوروبي ككتلة أو مع مكوناته من خلال العمل على مكافحة الهجرة غير الشرعية والاتجار بالبشر باعتبارها دولة معبر، لعل ما يؤكد على ذلك ما جرى أمس الأول بين وزارة الداخلية ودولة النرويج في هذا الاتجاه الذي يدعم بشكل كبير ملفها الهادف لرفع اسمها من قائمة الدول الراعية للإرهاب في ظل الاستفادة من التقارب بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لدعم الموقف السوداني وبالطبع السعي للمضي قدماً في اتجاه توطيد علاقات الخرطوم مع الغرب وهو ما يمكن أن يساهم إيجاباً في تحقيق الاستقرار بالداخل.
على كل، فإن مراقبين لعلاقات السودان الخارجية، يعتقدون أن الخرطوم تمضي بخطوات محسوبة في سبيل تحقيق مراميها السياسية وذلك من خلال قدرتها الكبيرة على التعامل مع التناقضات في البيئة الدولية والإقليمية وتوظيفها لخدمة أجندتها والتي يأتي على رأسها تحقيق الاستقرار الداخلي ووضع نهاية للنزاعات بين المركز والهوامش في البلاد. تلك هي الاتجاهات التي ترفع لأجلها الحكومة في الخرطوم سماعات هواتف مسؤوليها وهم يثقون في حدوث الاستجابة في عالم تتحكم فيه (المصلحة) وتتراجع فيه الأيدلوجيا.

يمكنك ايضا قراءة الخبر في المصدر من جريدة اليوم التالي

عن مصدر الخبر

صحيفة اليوم التالي

صحيفة اليوم التالي

أضف تعليقـك