كتابات

زين العابدين صالح يكتب أزمة السودان ودائرة العقليات المغلقة

مصدر الخبر / موقع التغيير

زين العابدين صالح عبد الرحمن

يقول المفكر المغربي عبد الاله بلقزيز في إحدى مقالاته ( الثقافة السياسية الجديدة التي تفترضها إستراتيجية الانتقال الديمقراطي هي باختصار الثقافة التي تحل النزعة النسبية في وعي السياسي و المجال السياسي محل النزعة الشمولية” التوتاليتارية” و تحل التوافق و التراضي و التعاقد و التنازل المتبادل محل قواعد التسلط و الاحتكار و الإلغاء) أن مقولة بلقزيز تتطلب الوعي في التفريق بين النظامين الديمقراطي و التوتاليتاري، حيث لكل منهما شروطا و عوامل تختلف عن الأخر، و بالضرورة ثقافة مغايرة، و يجب أن تفرق النخب السياسية بين المسارين ليس بالرمزية المبهمة، و لكن بالمعرفة و الوعي المطلوبين.

أن إشكالية النخب السياسية السودانية عقلياتها المغلقة غير المنفتحة، لأنها أغلقت عقلها و تفكيرها فقط على كيفية الاستحواذ على السلطة، و بالتالى لا تنظر للسياسة إلا من خلال نافذة السلطة.. و إذا كان بعض ناقدي الدكتور الترابي يلومونه لأنه بنى رؤيته الفكرية على قاعدة البرجماتية، و راهن على أن الاستحواذ على السلطة هو الطريق وحده المؤدي إلي التغيير دون الرهان على الوعي الشعبي.. و كان ذلك راجعا لقناعته بمقولة منسوبة إلي الخليفة عمر بن الخطاب بقوله ( إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن) أن قناعته بالمقولة هي التي أوصلته أن الانقلاب على الديمقراطية سوف يتيح له تنفيذ برنامجه بالصورة التي يريدها. رغم أن حزبه كان الحزب الثالث من حيث تراتبية الأغلبية داخل البرلمان.. الغريب في الأمر قد ظهر أن قناعة الترابي هي نفسها تحملها قيادات القوى السياسية الأخرى، و لكن تحاول أن تغطيها بعدد من الشعارات الديمقراطية التي لا تتسق مع سلوكها السياسي. و هذه الظاهرة ليست محصورة في النخب السياسية السودانية أيضا متفشية في النخب السياسية الأفريقية لآن الجميع يلهث وراء السلطة بأي ثمن. يقول الباحث نعوم شازان في بحث له منشور في كتاب بعنوان ” مصادر الديمقراطية ثقافة المجموع أم دور النخبة” يقول نعومي ( أن الطبقة الحاكمة في أفريقيا هي في معظم الأحيان طبقة دولة ” لآن ثقافتها و قيمها الرئيسية و قوتها و قاعدتها الاقتصادية تأتت من علاقتها بالدولة”) أن مثل هؤلاء النخب لا يستطيعوا التفكير خارج السلطة، لأنها القاعدة التي انطلقوا منها لتحقيق ذاتهم، و جعلتهم يصعدوا على سلمين المجتمع و مؤسسات الدولة. سلم المجتمع ليس مع قاعدته و لكن مع قياداته ” الإدارة الأهلية و الطرق الصوفية” المرتبطة بالسلطة و مؤسساتها.

و هناك أيضا القوى اليسارية التي يمثلها التيار الماركسي الذي يعتقد أن الصراع الطبقي لا يصبح صراعا حقيقيا إلا إذا ارتبط بسلطة الدولة… و هذا الفهم يمثل رؤية لينين التي وردت في العديد من كتب الماركسيين منهم نيكولا بولانتراس و جورج لوكاش تقول ( أن الصراع الطبقي في الماركسية لا يصبح صراعا شاملا للأمة بأسرها، لا لمجرد أنه يدور في الميدان السياسي و أنما عندما يدور حول ما هو جوهري في هذا الميدان و يتشبث به، و هو هيكل سلطة الدولة) هذه المقولة التي قيلت في العقود الأولى من القرن العشرين فشلت العقلية الماركسية رغم التغييرات العديدة التي حدث في عالم الفكر و المعرفة أن تتجاوزها، و تقدم أطروحات تتلاءم مع المتغيرات التي حدثت في العالم. و كان المرجو أن ثورة ديسمبر 2018م التي تفجرت في الشارع، أن كان ذلك في النيل الأزرق أو في عطبرة تصبح مادة دراسة للباحثين في الأحزاب السياسية، خاصة للمؤمنين ب ” أن الصراع يجب أن يرتبط بهياكل السلطة” هل الثورة كانت نتيجة لوعي سياسي بعملية التغيير، أم إنها كانت غضبة بسبب الغلاء و التدهور الاقتصادي؟ مع العلم أن الثورة استمرت خمسة شهور مما يؤكد أن الجماهير كانت تنشد التغيير و تملك الوعي.. و الأحزاب قد تفاجأت بالتغيير..! و الدلالة على ذلك فشلها في صياغة مشروع سياسي يتعلق بمراحل التغيير و كيف انجازه، إذا كان مشروعا حزبيا يطرح للحوار، أو مشروعا سياسيا تحالفيا أيضا يطرح للحوار، بهدف تجميع أكبر كتلة اجتماعية حول المشروع إذا كان الهدف هو عملية التحول الديمقراطي.

أن حالة الإنغلاق العقلي؛ و العجز في التفكير المنطقي، التي تعيشها بعض النخب السياسية و المثقفين و حتى بعض الإعلاميين، تبين أسباب ضعف المؤسسات الحزبية، و أن رصيدها الفكري عجز أن يتجاوب بالصورة المطلوبة مع المتغيرات في البلاد، و عجزها عن صياغة مشروع كان هو الدافع أن تجعل السلطة غاية لها، باعتبار أن السلطة هي أداة التغيير، اعتمادا على رؤية الترابي ( إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن).. و معروف أن السلطة محرض للصراع.. و هل كانت الأحزاب تملك أدوات الصراع التي تجعلها تقبض على مفاصل السلطة، أم أن حالة الضعف التي كانت تعيش فيها جعلتها تتحالف مع المكون العسكري و التوقيع على الوثيقة الدستورية.

أن فشل النخب السياسية التي قادت العملية السياسية في الفترة الانتقالية يعود لعدة أسباب، الأولي كان قد اشار إليها رئيس وزراء أثيوبيا عندما جاء لقيود عملية الوساطة بين الكتلة ” قحت” و المكون العسكري قال هؤلاء ناشطين سياسيين أي افتقادهم للخبرة السياسية في إدارة الصراع.. الثاني غياب المشروع السياسي.. ثالثا الخلاف الوقع داخل التحالف.. رابعا من السنة الأولي فقدوا مناصرة الشارع الأمر الذي أخل بتوازن القوى… لذلك عجزوا عن مواجهة الأخطاء و ذهبوا مباشرة للتبرير و البحث عن شماعة لتعليق الأخطاء.. و أطلقوا أن الفلول و الكيزان وراء الفشل… هذا اعتراف ضمني أن الفلول عندهم قدرة على التحدي و تعطيل أي عمل إذا كانوا هم ليس جزءا منه.. المسألة الأخرى اعتراف أنهم فشلوا في إدارة الأزمة بالصورة التي تجعلهم يديرونها لصالحهم… و القضية الأهم أن ” قحت المركزي أو تقدم أخيرا” رغم مساعدة المجتمع الخارجي لها و تقديم الأفكار و المبادرات لها، أيضا عجزت أن تنجح في صراعها.. أن مشكلة قياداتها عينها فقط على السلطة التي هي محور الصراع، في الوقت الذي فقدت الشارع، و بالتالي ما كان أمامها غير أن تبحث عن قوى تحقق لها معادلة جديدة فهل تنجح في ذلك؟ هو التحدي الذي يواجهها.. رغم أن أغلبية الشارع يقف مع القوات المسلحة… نسأل الله حسن البصيرة..

 

عن مصدر الخبر

موقع التغيير