كتابات

قتال بلا أفق في السودان

مصدر الخبر / المشهد السوداني

د. أميرة محمد عبدالحليم *

على الرغم من إحراز منبر جدة بعض التقدم في المباحثات بين طرفي الصراع في السودان، خلال الجولة الأخيرة من المباحثات، ما دفع البعض للتطلع للوصول إلى اتفاق بين الطرفين لوقف إطلاق النار لمدد زمنية محددة، لا تزال آلة الحرب واستمرار الاقتتال في ولايات متعددة في السودان، تضفي المزيد من التعقيد على الأزمة في السودان، خاصة في بعدها الإنساني، ويطرح مزيداً من المخاوف حول مستقبل الدولة السودانية.

على المستوى الميداني، استمرت المواجهات في مدن العاصمة الثلاث، حيث تسعى قوات الدعم السريع للسيطرة على مواقع الجيش، في حين يسعى الجيش لقطع الإمدادات عن هذه القوات، وظلت مدينة الأبيض عاصمة ولاية شمال كردفان تحت وضع أشبه بالحصار، حيث تركز قوات الدعم السريع عليها.

كما اتجهت هذه القوات إلى توسيع عملياتها جنوباً، والتوغل شمال ولاية النيل الأبيض، لتأمين جسور حيوية بعد تفجير جسر شمبات، والتخريب الذي لحق بجسر جبل أولياء، ما هدد طرق الإمدادات التي تصلها.

إلا أن تقدم قوات الدعم السريع في شمال ولاية النيل الأبيض حمل الكثير من المخاوف من اندلاع مواجهات بين طرفي الصراع في الولاية، أو تمكن قوات الدعم السريع من السيطرة عليها، حيث تضم الولاية آلاف النازحين من الخرطوم، وكذلك يعيش فيها نحو 300 ألف من لاجئي جمهورية جنوب السودان، في 10 معسكرات، وتحتل ولاية النيل الأبيض أهمية استراتيجية كبيرة، حيث تحدها 4 ولايات، هي: الخرطوم والجزيرة وسنار وشمال كردفان، إضافة إلى جمهورية جنوب السودان، وسيطرة الدعم السريع عليها ستسمح لقواتها بانسياب الإمدادات إليها، ما يحسّن من وضعها العسكري، وتصبح أقرب إلى ولاية الجزيرة شرقاً، وكذلك مدينة الأبيض في شمال كردفان غرباً، وقطع طرق إمداد رئيسية عن الجيش في الخرطوم.

إنهاء مهمة البعثة الدولية

وعلى المستوى السياسي، من أهم التطورات التي شهدتها الساحة السودانية خلال الأيام الأخيرة، هو اتخاذ مجلس الأمن الدولي قراراً في الأول من ديسمبر/ كانون الأول 2023 بإنهاء مهمة بعثة الأمم المتحدة المتكاملة للانتقال الديمقراطي في السودان «يونيتامس»، بعد ثلاثة أعوام ونصف العام من تشكيلها في يونيو/ حزيران 2020، حيث آثار هذا القرار الكثير من الجدل في الأوساط السودانية، ما بين مؤيد للقرار بدعوى أن البعثة برئاسة المبعوث، فولكر بيرتس، لم تقدم جديداً للسودان، سواء على مستوى السلام أو دعم الانتقال الديمقراطي، وأنها لم تتسم بالحياد في سلوكاتها، بل تحيزت لبعض أطراف العملية السياسية، في حين انتقد البعض الآخر القرار معتبراً أن هذا القرار يتماشى مع أفكار التيار الإسلامي، وفلول نظام البشير التي قادت في السابق مسيرات ضد استمرار البعثة في الخرطوم، برغم ما قامت به البعثة من دور في دعم الاتفاق الإطاري الذي تم توقيعه بين القوى المدنية والجيش في الخامس من ديسمبر/ كانون الأول 2022.

كما شهدت الساحة السياسية في السودان استمرار فاعليات للقوى المدنية حيث استضافت جمهورية جنوب السودان عدداً من الكتل المدنية، حيث تسعى جوبا لتفعيل دورها في إطار «منظمة الإيجاد»، وضمن منبر جدة للتفاوض، وتتطلع لاستضافة «الجبهة المدنية» التي يقودها رئيس الوزراء السابق، عبدالله حمدوك، في الوقت الذي أصبح منبر جدة المسار التفاوضي الذي يحظى بقبول سوداني داخلي واسع، ودعم، دولي وإقليمي، كبيرين، مع موافقة طرفي الصراع والقوى المدنية على انضمام وسطاء إقليميين جدد لهذا المنبر في ضوء مشاركة الاتحاد الإفريقي، و«منظمة الإيجاد».

وخلال الأيام الأخيرة، سلمت الوساطة السعودية – الأمريكية وفدي الجيش والدعم السريع في مباحثات جدة مسودة للقضايا العالقة، كان من أبرز ما تضمنته، المشكلة المرتبطة بنقاط التفتيش العسكرية التابعة «للدعم السريع» في المناطق المدنية، كما لا تزال المباحثات مستمرة حول إجراءات بناء الثقة بين الجانبين، خاصة في قضايا توقيف الفارين من السجون، وخفض الخطاب الإعلامي العدائي.

تدهور الأوضاع الإنسانية

وكان برنامج الأمم المتحدة الإنمائي حذّر في نهاية نوفمبر/ تشرين الثاني 2023 من آثار الصراع على التنمية البشرية المتردية في السودان بالفعل، في ظل مؤشرات انكماش الاقتصاد 12% في 2023، ونزوح نحو 5 ملايين شخص داخلياً، وفرار نحو 1.3 مليون آخرين، إلى خارج البلاد، ومع مواجهة 20 مليون شخص لخطر الجوع، من بينهم 6 ملايين شخص «على بعد خطوة واحدة من المجاعة»، في ظل تفشي «الكوليرا» في مناطق مختلفة من البلاد، فيما تجاوزت حالات الإصابة بالملاريا 800 ألف.

كما اتهمت منظمة «هيومن رايتس ووتش» قوات الدعم السريع والميليشيات المتحالفة معها، بقتل مئات المدنيين في غرب دارفور، في نوفمبر 2023، كما اتهمتها بارتكاب أعمال نهب واعتداءات واحتجاز غير قانوني بحق العشرات، في غرب دارفور.

وأخيراً، يمكن القول إن التطورات في السودان لا تزال تحمل الكثير من المخاوف حول مستقبل الدولة والشعب السودانيين، فما يحدث في دارفور من انتهاكات جسيمة وتطهير عرقي يرقى إلى مستويات جرائم الحرب، وما يعانيه النازحون الداخليون من أزمات خطرة تفقدهم الشعور بالأمن، وبرغم ما تبذله مجموعات من القوى السياسية المدنية من جهود لمحاولة دفع مسارات الاستقرار، وجولات المباحثات في منبر جدة، يبقى استمرار الآلة العسكرية في حصد أرواح السودانيين، وانتهاك كرامتهم الإنسانية، وتجاهل الطرفين للكارثة التي أصبح يعانيها الشعب السوداني، هو العامل الذي يدفع بالسيناريوهات الصعبة لمآلات الأوضاع في السودان.

فمتى ستتوقف آلة الحرب، ومتى سيصل طرفا الصراع إلى مرحلة الانهاك، وتكفّ القوى الداعمة للطرفين عن إمداد كل منهما بالسلاح؟

لقد أصبح وقف إطلاق النار لدواع إنسانية المهمة الأكثر إلحاحاً قبل البدء بتسوية سياسية للأزمة، على الرغم من رفض البعض لإقحام الأبعاد السياسية ضمن مباحثات جدة، حيث تتطلع القوى المدنية لتقديم مبادرات سياسية تعبّر عن طموحات الشعب السوداني، وربما لن يكون طرفا الصراع جزءاً من هذه المبادرات.

*باحثة في الشؤون الإفريقية بمركز الأهرام للدراسات
صحيفة الخليج

المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

المشهد السوداني