كتابات

محمد مصطفى أبو شامة يكتب نسيان السودان

مصدر الخبر / السودان نيوز

وكأنه قدر الجنوب الذي أبدع الأديب السوداني الراحل الطيب صالح في وصف مظلوميته عبر رائعته الخالدة «موسم الهجرة إلى الشمال»، قائلا: «يا للسخرية.. الإنسان لمجرد أنه خلِق عند خط الاستواء، بعض المجانين يعتبرونه عبدا وبعضهم يعتبره إلها.
أين الاعتدال؟! أين الاستواء؟!».

نعم يشكو السودان (الطيب) من ظلم بين، ويعاني النسيان والتجاهل وغيابه عن دائرة الاهتمام الإسلامية والعربية بعد أن اختطفت فلسطين منذ السابع من أكتوبر الماضي كل الاهتمام والوجع والدموع، فبات السودان وحيدا في أحزانه غارقا في دماء شهدائه يقف على حافة كارثة إنسانية كبيرة، يخطو بسرعة كبيرة نحو الهاوية وطريق لا رجوع فيه لهدم ما تبقى من الدولة السودانية.

لهذا أجدني مضطرا لتوجيه التحية للزميل الإعلامي عمرو أديب على تذكره السودان وتسليط الضوء على ما يجرى في البلد الشقيق (المنسي) من خلال برنامجه «الحكاية» المذاع على إحدى الفضائيات العربية، وكنت قد سبقته بأكثر من أسبوع منبها لخطورة الغياب السوداني عن المشهد الإعلامي العربي، ونشرت محذرا في فقرة كاملة من مقالي «هل يختلف الحزن على الشهيد باختلاف دين القاتل؟»، المنشور في مجلة «روزاليوسف» المصرية.

وبرغم تفهمي وتقديري لأسباب التعاطف الكبير مع الأشقاء في غزة والأهل والأحباب في سائر الأراضي المحتلة، لكن لماذا جفت مشاعرنا وتراجع التفاعل مع ما يجري للأشقاء في السودان؟، خاصة مع التصعيد المتزامن في القتال على الجبهتين الفلسطينية والسودانية.

لقد تأججت نيران الحرب تلتهم في طريقها كل شيء وتحصد الأرواح في حرب إبادة صريحة ضد شعبين عربيين مسلمين، الفارق الوحيد كان جنسية القاتل وديانته، فهل القتل بأياد صهيونية، يمنح القتيل (الشهيد) ميزة إضافية لا يستحقها المقتول بسلاح عربي مسلم، وينسحب نفس السؤال على الجرحى واللاجئين وكافة ضحايا هذه الحروب اللعينة.

لقد كان حصاد نصف عام من القتال في البلد الجنوبي الشقيق بحسب موقع «سكاي نيوز عربية» كبيرا ومرعبا، حيث «بلغ عدد القتلى في السودان نحو 10 آلاف، والمشردين إلى ما يقارب 6 ملايين والخسائر المادية إلى ما أكثر من 60 مليار دولار».

أعلم أن الأرقام في غزة تفوقت على السودان ومرشحة للزيادة أكثر، وأقدر حجم تضحيات الشعب الفلسطيني في صراعه الممتد مع إسرائيل، لكني أيضا أدرك حجم تضحيات الشعب السوداني الشقيق الذي عاني ويعاني منذ سنوات طويلة، معاناة تتفوق في شراستها ما تعانيه دولة سقطت تحت أقدام الاستعمار الفعلي، فالجارة الجنوبية لمصر تخضع منذ عقود لاستعمار محلي (حكم البشير وجماعته)، والذي نجح فيما فشل فيه أي محتل سابق لبلاده، ففي عهده البائس تم تقسيم السودان بين شمال وجنوب وفي الطريق مزيد من الانقسام والتهجير والدمار، وحشية لا تقل عما ارتكبه الرئيس السوداني السابق من جرائم حرب في دارفور استدعت ملاحقته دوليا.

لهذا أتساءل، لماذا لم نبك السودان عندما تم تقسيمه السابق، ولماذا لا نصرخ كي نوقف المخطط الشيطاني الدائر لاستكمال مخطط تفتيته إلى دويلات متناحرة؟، ولماذا لم نتبرع بسخاء لإنقاذ أقاليمه من المجاعات بعد أن فتكت بأبنائها الأوبئة والصراعات المسلحة؟.

بالمناسبة يمكننا استبدال السودان في الأسئلة السابقة بدول أخرى (عربية ومسلمة)، دمرتهم الحروب والصراعات وتنامت على أرضهم تنظيمات متطرفة دينية تمارس بعضا من وحشية الصهاينة على أبناء وطنهم ودينهم بدعاوى مختلفة.

أما المستقبل الذي ينشغل العالم الغربي به فيما يتعلق بغزة فقط، وفاضت مؤخرا أحاديث ترسم وتطرح تصورات لما سيتم في «اليوم التالي» لإيقاف المعارك والمجازر الإسرائيلية، فإن السودان لا يجد منشغلا بمستقبله ولا أحد يعلم إن كان سيوجد «سودان» موحد في أي من الأيام التالية لوقف نيران القتال المستعرة منذ منتصف أبريل الماضي، مخلفة وراءها تصورات مزعجة للمستقبل، ليس أفضلها أن يلقى السودان مصير ليبيا وهو المصير الذي باتت الأوضاع تنزلق إليه، خاصة بعد أن تمركزت قوات الجيش السوداني بقيادة الفريق أول عبدالفتاح البرهان في مدينة بورتسودان على شاطئ البحر الأحمر، بينما استولت قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي) على أغلب المناطق الحيوية في العاصمة الخرطوم، وهو ما يمهد في أفضل الأحوال إلى وضع الحكومتين المتنازعتين على سلطة البلاد، وهو ليس أفضل حالا من مصير دول أفريقية أخرى مثل سيراليون أو ليبريا اللتين مزقتهما الحروب الأهلية وخاضتا مسارا طويلا من القتال والدمار كي تصلا إلى شاطئ الاستقرار والحكم الديمقراطي.

هذه بعض من أفكار بشرنا بها باحثوون غربيون قبل أسابيع فيما يتعلق بالمستقبل الغامض لأغنى بلد أفريقي لا يجد اليوم أي من مواطنيه قوت يومهم، ولا أحد منهم «ضامن يمشى أمن» في أي شبر من وطنه الممزق، بحسب تعبير الفاجومي الراحل أحمد فؤاد نجم، رحمه الله، والذي لن أختم بأشعاره بل بكلمات الشاعر العربي الكبير نزار قباني، والتي قالها عام 1970 في زيارته الثانية للسودان، حيث قال: «يسمونني في كل مكان شاعر الحب، ولكنني هنا أشعر أنني أسقط في الحب للمرة الأولى، فالسودان بحر من العشق أغرق جميع مراكبي وأسر جميع بحارتي. العشق السوداني يحاصرني من كل جانب كما يحاصر الكحل العين السوداء فأستسلم له وأبكي على صدره وأعتذر له».

حفظ الله السودان وشعبه.

 

جريدة مكة

 

عن مصدر الخبر

السودان نيوز