السودان الان السودان عاجل

وجوه خلف الحرب: عثمان عمليات .. أدوار مفصلية ونفوذ متصاعد

مصدر الخبر / Ultra Sudan

برز اسم عثمان “عمليات” وتراءى رسمه شاخصًا في احتفالات قوات الدعم السريع والفرقة (15) مشاة من القوات المسلحة بانتصاراتها على ما اصطلح عليها لاحقًا باسم “قوى الكفاح المسلح” في معارك “فنقا” شرقي جبل مرة بحسبانها ممرًا إستراتيجيًا يربط شمال دارفور بجنوبها، كانت قد استولت عليها الحركات المسلحة لأكثر من (10) أعوام. ظهر عثمان “عمليات” حينها واثق الخطى مزهوًا بما أسماه “استعادة فنقا من قبضة المرتزقة”، وذهب عثمان يعدد مآثر نصره على قوة مكونة من (75) عربة ونحو ألف عنصر من المشاة، استطاعت قواته أن تستولي منها على (22) عربة بحالة جيدة، وتدمر (38) عربة، وتقضي على نصف القوة، وتطارد “فلول” الهاربين. مضى متحدث آخر إلى إهداء نصرهم المؤزر إلى الرئيس البشير بمناسبة عيد الاستقلال الموافق الأول من كانون الثاني/يناير 2015. لم يكن السياق المرسوم بدقة يخفي انتصاب قوات الدعم السريع –التي انتدب إليها العميد عثمان حينها– في عمق عملية إعادة إنتاج سلطة البشير المستندة إلى شرعية الانتخاب من جهة –ولو ظاهريًا– والقائمة على “الشوكة” العسكرية في زمان ما بعد الأيديولوجيا في النصف الثاني من عشرية “الإنقاذ” الثانية.

يجسد عثمان “عمليات” أعلى مراتب التناقض الكامن في تماهي الجيش مع الكيانات شبه العسكرية تحت مسمى القوات الصديقة

لاحقًا ظهر اللواء عثمان “عمليات” في أعقاب فض اعتصام القيادة العامة للجيش في الثالث من حزيران/يونيو 2019 متحدثًا عن الفارق الجوهري بين الدعم السريع ومجموعات (الجنجويد) “سيئة الذكر” بحسبان أن الأخيرة مكونات شاذة لا تنتسب إلى إثنية بعينها ولا تأخذ هيكلًا أمنيًا ممأسسًا، ونمت وترعرعت في إطار الصراع مع الحركات المسلحة، على خلاف قوات الدعم السريع المنشأة –حسب رأيه– بقانون، قائلًا إنها “منظومة عسكرية احترافية تحكمها قيم وأهداف وضوابط” في إطار مساندة القوات المسلحة. وذكر أن مؤسسته لم تشارك في عملية فض الاعتصام، لكنها شاركت ضمن المنظومة الأمنية في نظافة منطقة “كولمبيا”.

المعلومات عن عثمان “عمليات” شحيحة بسبب ما يفرضه على نفسه من سياج سري لطبيعة المهام المناطة به وبسبب نزوعه العام نحو أدوار الظل في مؤسسة يستحوذ قائدها العام على مقاود التفكير والتعبير وتتداخل فيها الاعتبارات الأسرية والعشائرية مع النمط الوظيفي الاستتباعي لمشروع متجاوز لحدود الوطن، وفي أحسن التقديرات مضاد –بطبيعة الحال– لمنطق الدولة الحديثة التي تعرف نفسها باحتكار العنف الشرعي للجيش ضمن منظومة حكم القانون.

تقول البيانات الأساسية والمستخلصة من مصادر مقربة وموثوقة ومطلعة على مساره الشخصي والمهني إن اللواء الركن: عثمان محمد حامد ضابط كفء تخرج بالكلية الحربية في كانون الأول/ديسمبر 1989 ضمن الدفعة (38)، ونال المرتبة الثانية على مستوى الدفعة، والتحق بسلاح المدفعية في كانون الثاني/يناير 1990 وعمل في وحداتها المختلفة، ثم انتقل إلى العمل معلمًا في كلية القيادة والأركان المشتركة، قبل انتدابه إلى قوات الدعم السريع تحت مظلة جهاز الأمن والمخابرات الوطني برتبة العميد. وتدرج عثمان “عمليات” في الدعم السريع بنحو متسارع حتى بلغ موقع رئيس هيئة العمليات بالدعم السريع وأحد أهم أركانها، إذ كان يحظى بتقدير كبير وثقة عالية من قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي).

يرى مصدر عسكري مقرّب من عثمان “عمليات” أن الأقاصيص المتداولة عن تميّزه العسكري لا تسندها الوقائع العيانية، إذ لم ينل ­–بحسبه– وسام الشجاعة ولم يعهد عنه دور وازن في سياق عمليات الجيش على تنوّع مسارحها وتعقّد مساراتها، مؤكدًا في الصعيد نفسه أنه تفوق على مستوى الكليات والمعاهد. وفي المقابل يرى مصدر آخر أن عثمان “عمليات” كما يشير اللقب من أكفأ ضباط القوات المسلحة وعُرف بدهائه التخطيطي لا سيما في إدارة العمليات الخاصة، وكان الهدف المباشر من إلحاقه بالدعم السريع –بحسب المصدر– إحكام بناء الدعم السريع قوةً ساندةً على ذات الفلسفة والعقيدة القتالية التي يعتمدها الجيش. ومثلما انحرفت المؤسسة “الساندة” عن مسارها المرسوم، انحرف “عمليات” نفسه عن حدود مهامه المبتعث من أجلها – يضيف المصدر.

طوّر اللواء عثمان “عمليات” –بحسب المصدر– نمطًا مائزًا لعمليات الدعم السريع تعتمد على كثافة النيران والتعويل على طريقة “عدوها التقليدي” من الحركات المسلحة في الهجوم دون الاحتفاظ بالأرض “اضرب واهرب” على خلاف الجيش المرتكز على أهمية التخندق والدفاع عن الأرض، فضلًا عن تحويل “ثقافة الفزع” للجهاز العسكري للمكوّن العربي في دارفور وكردفان إلى نمط عملياتي محكم ومؤطر ومحسوب بدقة في إطار التخطيط العسكري.

ومع تصاعد أدوار عثمان “عمليات” المنحدر من جنوب كردفان من مكوّنات الفلاتة، أوكلت إليه مهمة التدريب النوعي وابتعاث الضباط إلى الخارج، ضمن نطاق بالغ السرية ومرتبط بسياق التخطيط المستقبلي “لمعركة المركز” المشتعلة منذ الخامس عشر من نيسان/أبريل الماضي. كما أمسك “عمليات” بتكليف من “الجنرال حميدتي” بملف التجنيد وانتخاب العناصر القتالية وتصنيفها وتنسيبها، وهو ملف أخطأ قادة الجيش في إدارته والسماح به من غير ضابط وإشراف دقيق – برأي المصدر. وفي مرحلة متأخرة تجمعت لدى عثمان “عمليات” كل موارد النفوذ وأهمها على الإطلاق: التحكم بالأموال وبنود صرفها، فضلًا عن دوره المفصلي في قيادة العمليات العسكرية.

كان عثمان “عمليات” حتى قبيل اندلاع الحرب منخرطًا في محاولات كفكفة حدة التوترات مع حادثة محاصرة قاعدة “مروي” الجوية العسكرية شمالي السودان قبل اندلاع الحرب بيومين، وأبدى مرونة عالية – بحسب مصدر قريب من محاولات الوساطة التي قادتها قوى سياسية متباينة، غير أن موقفه بعد تفجّر الحرب بدا ملتبسًا، إذ أُعلن عن انضمامه إلى الجيش في أول أيام الحرب ضمن نحو (480) ضابطًا من الضباط المبتعثين من الجيش والأمن والشرطة إلى الدعم السريع، وهي الخطوة التي ندد بها “حميدتي” في مقابلاته التلفزيونية بأسى بالغ. وكما شاع خبر استهدافه في غارة جوية، راج مؤخرًا في وسائط التواصل الاجتماعي أنه محبوس من قبل الدعم السريع ومتحفظ عليه ومقيد الحركة. ولم يرد وقتها أي بيان رسمي يكذّب هذه الأخبار أو يؤكدها سوى ملاحظات عامة على ما عده مراقبون “تجاهلًا مقصودًا” في خطابات “حميدتي” لأدوار عثمان “عمليات” في ظل الإشادة مثلًا باللواء حسن محجوب الذي تناقلت أخبار غير موثوقة مقتله في أول أيام الحرب.

جرت مياه كثيرة تحت جسر الأحداث حتى انتهت بعثمان “عمليات” في أول ظهور له منذ معركة الخامس عشر من نيسان/أبريل الماضي على خزان جبل أولياء متحدثًا عن معارك تديرها قواته من أجل “قضية الشعب السوداني” تحت راية “العدل والمساواة والحرية والسلام والعدالة”، ومرسلًا قسمًا مغلظًا باستمرارهم في القتال حتى تحقيق الأهداف، ومؤكدًا أنهم سيمضون إلى الوقائع والأفعال لا إلى الأقوال، وهي “ثيمة” ترد كثيرًا على ألسنة القادة العسكريين برغم أهمية خطاب المعركة ومعركة الخطاب والحرب أولها كلام، وآخرها كذلك.

وما بين معارك “جبل مرة” قبل ثمانية أعوام والتي دشنت قيادة مائزة للشاب السمهري الطموح عثمان “عمليات” ومعارك “جبل أولياء” – يرتسم في الأفق ما طرأ من تحول عميق في بنية قوى عنف الدولة التي بلغ تناقضها حدود الاقتتال على نمط حروب المدن، إذ يجسد عثمان “عمليات” أعلى مراتب التناقض الكامن في تماهي الجيش مع الكيانات شبه العسكرية تحت مسمى القوات الصديقة، وهو المنتدب خصيصًا ليرعى العلاقة لمصلحة المؤسسة الأم ويضبط إيقاعها على وقع مصالحها المعتبرة.

ويعتقد المصدر نفسه أن ظهور اللواء عثمان “عمليات” يؤكد جملة أمور، منها: أن القائد عثمان “عمليات” لم يزل فاعلًا في إدارة المعارك الحربية من الخرطوم بوصفه أهم شخصية قيادية في منظومة الدعم السريع بعد أن خرج قادة ميدانيون مهمون إلى دارفور في ظل تواري “حميدتي” عن الأنظار، وظهور شقيقه عبدالرحيم دقلو في نيالا وزالنجي، وامتداد هذا الأمر إلى مستويات أدنى مثل خروج القائد الميداني “ساكن” المشرف على منطقة “الصالحة” بأم درمان إلى برام بجنوب دارفور وما أحدثه من فراغ دعا أفراد الدعم السريع إلى الاحتجاج على الأوضاع العسكرية الملتبسة، وهو أمر تصاعدت وتيرته مؤخرًا في ظل ما أسماه المصدر نقصًا في الذخائر والأسلحة في محور أم درمان.

لم يترافق خطاب عثمان “عمليات” الذي بدا أنحف من ذي قبل وأكثر شحوبًا وهزالًا مع النزعة التبشيرية العامة التي تعتمدها الآلة الإعلامية لمنظومة الدعم السريع، إذ أكد أكثر من مرة: أنهم سيقاتلون من أجل حماية أنفسهم، وهو أمر قد يفهم منه التماهي مع سردية الدعم السريع في أنهم يدافعون عن أنفسهم ولا يودون مقاتلة الجيش (المنتسب إليه بالأصالة والتكوين المهني الاحترافي)، أو أن وضعهم العسكري في الخرطوم بعد هدم جسر “شمبات” ليس على ما يرام ولا يُبقي على الهدف المركزي للدعم السريع التي يدور معها عثمان وجودًا وعدمًا في ظل ما يراه البعض مكاسب ميدانية وهزائم أخلاقية، ومن هنا تأتي العقدة الإدراكية التي يجتازها عثمان “عمليات” وهو يقاتل زملاء الخنادق والبنادق لمصلحة مشروع “يتناقض مع الدولة الحديثة في أدنى مراتبه ويقف على الضد من مصالحها المادية المباشرة المراد استتباعها لدوائر أجنبية” ومشروع “تخريبي” يتراوح بين احتمالات التجزئة أو إغراق البلاد في الفوضى وضرب مركز السلطة في عمق أبنيتها ومفاعيل قواها وهيمنتها – حسب مراقبين.

عن مصدر الخبر

Ultra Sudan

تعليق