كتابات

السودان.. لا صوت يعلو فوق صوت الحرب

مصدر الخبر / المشهد السوداني

د. أميرة محمد عبدالحليم
شهدت الأيام الأخيرة اهتماماً إقليمياً متزايداً وملحوظاً في البحث عن تسوية للأزمة السودانية التي تجاوزت سبعة أشهر، إلا أن التصعيد العسكري بين طرفي الصراع طغى على كل الجهود المبذولة، مع استمرار التدهور في الأوضاع الإنسانية وسط تحذيرات دولية من مخاطر استمرار الصراع.

على المستوى الميداني، ومع استمرار الاشتباكات في عدد من المناطق السودانية، ووسط اتهامات متبادلة بين طرفي الصراع بمحاولة تدمير البنية التحتية، تم تفجير جسر شمبات، يوم السبت، والذي يمثل الرابط الرئيسي بين مدينتي الخرطوم بحري وأم درمان، وكان الجسر يمثل أحد خطوط الإمداد الرئيسية لقوات الدعم السريع في مدن العاصمة الثلاث، وفي المقابل حاولت قوات الدعم السريع إيجاد خط إمداد جديد من خلال السيطرة على منطقة خزان جبل الأولياء، والتي تضم جسراً صغيراً يربط مدينة أم درمان بجنوب الخرطوم، وأعلنت قوات الدعم السريع في وقت سابق سيطرتها على قاعدة النجومي الجوية التابعة للجيش في هذه المدينة، إلا أن الجيش السوداني نفى هذه المعلومات.

كما استمرت المواجهات خلال الأيام الأخيرة بين طرفي الصراع في أم درمان، وشهدت منطقة سلاح المهندسين (جنوب أم درمان)، اشتباكات عنيفة، كما أكد شهود محاصرة قوات الدعم السريع لسلاح المهندسين والسلاح الطبي المجاور له، كما شنت مدفعية الجيش هجمات من قاعدة وادي سيدنا العسكرية في شمال أم درمان على مواقع للدعم السريع في مدينة الخرطوم بحري، وجنوب الخرطوم.

جهود خارجية لتسوية الصراع

إثر انعقاد جولة جديدة من المفاوضات بين طرفي الصراع في السودان في جدة، وعلى الرغم من عدم نجاح الوسطاء في إقناعهما بوقف إطلاق النار، اتجهت الهيئة الحكومية للتنمية (إيجاد)، إلى الإعلان عن عقد قمة عاجلة لدفع مفاوضات جدة للوصول إلى وقف إطلاق النار، حيث جاء هذا الإعلان عن القمة عبر بيان للرئاسة الكينية صدر في أعقاب لقاء بين الرئيس الكيني ويليام روتو، ورئيس مجلس السيادة الفريق عبدالفتاح البرهان، في نيروبي يوم الاثنين 13 نوفمبر/ تشرين الثاني 2023، حيث أكد البيان كذلك الحاجة الماسة لإيجاد حل للصراع في السودان، في أقرب وقت ممكن.

مخاوف من التطهير العرقي

وخلال الاجتماع الأول للمنتدى الإنساني حول السودان، الذي عقد في 13 نوفمبر/ تشرين الثاني 2023، الذي أنشأته الأمم المتحدة للإشراف على تنفيذ طرفي الصراع في السودان التزاماتهم التي تعهدوا بها خلال مفاوضات جدة، ندّد منسق الشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة، مارتن غريفيث، بأعمال العنف الشديدة ضد المدنيين في السودان، وطالب بالسماح بوصول المساعدات الإنسانية إلى المحتاجين، من دون عوائق، ولاسيما لمنع تفشي وباء الكوليرا الذي بدأ بالانتشار في ولايتي الخرطوم وجنوب كردفان، وحلّ الأزمة قبل أن يخرج الوباء عن حدود السيطرة.

كما أعرب العديد من المسؤولين في المنظمات، الدولية والإقليمية، عن قلقهم ومخاوفهم من مشاهد العنف التي ترقى إلى مستوى الإبادة الجماعية، والتطهير العرقي التي يشهدها إقليم دارفور، خاصة في أعقاب سيطرة قوات الدعم السريع على ثلاث من أصل خمس ولايات من الإقليم، حيث اجتاحت بلدة أردمتا في غرب إقليم دارفور، ما أسفر عن مقتل أكثر من 800 شخص، حيث أشار مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل، إلى أن هذه الفظائع الأخيرة تعد جزءاً من حملة تطهير عرقي أوسع نطاقاً ترتكبها قوات الدعم السريع بهدف القضاء على قبيلة المساليت، غير العربية في غرب دارفور.

كما يعاني سكان حي الفتيحات في أم درمان، من كارثة إنسانية في ظل حصار قوات الدعم السريع للحي، ومنع وصول الغذاء والدواء إليهم مع انقطاع الكهرباء.

ويبدو أن إصرار طرفي الصراع على الحسم العسكري من دون غيره من الخيارات، مع استغلال البعض لحالة الانشغال الدولي والإقليمي بالاعتداءات الإسرائيلية على قطاع غزة، قد ساهم في حدوث المزيد من التصعيد العسكري في مناطق مختلفة من السودان، إضافة إلى دخول العوامل القبلية وعوامل التهميش التي تعانيها بعض المناطق على خط الصراع.

حيث استخدمت هذه العوامل في التعبئة والتجنيد ضمن قوات الدعم السريع، ما حمل المزيد من المخاطر والتهديدات على الدولة والمواطن السوداني، حيث لم يدرك طرفا الصراع في السودان بعد، أن استمرار المواجهات المسلحة وزيادة الانتهاكات من السلب والنهب والاختطاف والاغتصاب قد يفشل أي محاولة من الطرفين ليكون أي منهما جزءاً من المعادلة السياسية المستقبلية للبلاد، حيث تحول ما يقرب من 7 ملايين مواطن سوداني ما بين نازح داخلي، أو لاجئ لدى دولة مجاورة. فكيف ستكون حالة هذا الشعب عقب انتهاء الحرب بعد الكلفة الباهظة في صراع لم ينشأ منذ البداية للدفاع عن مصالحه، أو طموحاته التي سعى إلى تحقيقها عبر ثورته المجيدة؟

وعلى الرغم من تزايد الاهتمام الخارجي بتسوية الأزمة في السودان خلال الأيام الأخيرة، إلا أن الجهود الخارجية تظل «باهتة»، فلا تخرج عن المناشدات والمخاوف والتحذيرات، من دون تبنّي قواعد جديدة للتدخل الإنساني لحماية المدنيين بعيدة عن المصالح، الدولية والإقليمية، في السودان، في حين أن سلوكات طرفي الصراع تبتعد كثيراً عن حماية المدنيين، وخير دليل ما يحدث من اشتباكات واستخدام المدفعية في المناطق السكنية والمجازر في دارفور.

كما أن الدعم الخارجي للاستقرار في أي دولة، ومنها السودان، يرتهن دائماً بقدرة ورغبة الأطراف الداخلية على دفع عملية التفاوض، حيث يترافق مع تمسك طرفي الصراع بالحل العسكري، وعدم قدرة القوى السياسية المدنية على فرض تصوراتها لتسوية الصراع على أجندة الفاعلين الإقليميين والدوليين المنخرطين في التسوية.

*باحثة في الؤون الفريقية بمركز الأهرام للدراسات
نقلًا عن صحيفة الخليج

المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

المشهد السوداني